
الانتخابات السويدية وفلسطين هل تكون ماجدالينا أندرسون غورباتشوف السويد ، بقلم : احمد سليمان
مع اقتراب الانتخابات السويدية في الثالث عشر من سبتمبر تدخل القضية الفلسطينية بقوة إلى قلب الصراع السياسي والانتخابي في السويد ولم تعد فلسطين قضية خارجية بعيدة عن الناخب بل أصبحت واحدة من القضايا التي تكشف حجم الاختلاف بين الأحزاب ومستقبل السياسة السويدية تجاه فلسطين وإسرائيل
اعترفت السويد بدولة فلسطين عام 2014 في خطوة تاريخية اتخذتها حكومة يقودها الحزب الاشتراكي الديمقراطي وشكل ذلك القرار محطة مهمة في السياسة الخارجية السويدية ورسالة واضحة تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة
لكن بعد أكثر من عقد على ذلك الاعتراف تبدو الصورة السياسية مختلفة فهناك قوى من اليمين واليمين المتطرف تريد إعادة صياغة السياسة السويدية تجاه فلسطين وإسرائيل وهناك أصوات طالبت بالتراجع عن الاعتراف بدولة فلسطين وأخرى طرحت نقل السفارة السويدية من تل أبيب إلى القدس في تحول سياسي خطير إذا أصبح جزءا من سياسة الحكومة السويدية المقبلة
وما يزيد القلق اليوم أن ماجدالينا أندرسون مدت يدها إلى الحزب الديمقراطي المسيحي وفتحت الباب أمام التعاون معه بعد الانتخابات رغم الاختلاف الكبير بين الحزبين في العديد من الملفات ورغم المواقف الأكثر تشددا داخل الحزب الديمقراطي المسيحي تجاه القضية الفلسطينية
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد تفاهم حول الاقتصاد أو الصحة أو تشكيل أغلبية برلمانية فحين يمد الحزب الذي قاد الحكومة التي اعترفت بدولة فلسطين عام 2014 يده إلى حزب عارض ذلك الاعتراف وخرجت من صفوفه دعوات لنقل السفارة السويدية إلى القدس فمن حق الفلسطينيين والعرب والمتضامنين مع فلسطين أن يسألوا عن الثمن السياسي لهذا التقارب
هل سيبقى الاعتراف بدولة فلسطين ثابتا وهل ستبقى السفارة السويدية في تل أبيب وهل ستواصل السويد رفض الاستيطان والضم وهل ستبقى حقوق الشعب الفلسطيني خارج مساومات تشكيل الحكومة
وعلينا في الوقت نفسه أن نعترف بأن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي نراه اليوم ليس الحزب نفسه الذي عرفناه في زمن أولوف بالمه وليس الحزب نفسه الذي حمل فيه ستين أندرسون إرث التضامن الدولي والدفاع عن الحقوق الفلسطينية وليس الحزب الذي مثلت فيه آنا ليند صوتا سويديا قويا في السياسة الخارجية
لقد تغيرت السويد وتغيرت أوروبا وتغير الحزب نفسه واليوم يشعر جزء من اليسار ومن الناخبين التقليديين للحزب بأن الخطاب السياسي السويدي بأكمله تحرك نحو اليمين وأن قضايا كان من الصعب على الاشتراكيين الديمقراطيين تبني خطاب اليمين فيها أصبحت اليوم جزءا من النقاش داخل الحزب نفسه
وهنا علينا ألا نهرب من السؤال الأصعب
هل أصبح اليمين هو الذي يحدد اتجاه النقاش السياسي داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي حتى وهو خارج قيادته
وهل بات الحزب يتحرك نحو اليمين خوفا من خسارة الناخبين بدلا من أن يقنع الناخبين بمشروعه السياسي والاجتماعي التاريخي
المشكلة ليست أن يصبح الحزب الاشتراكي الديمقراطي حزبا يمينيا بين ليلة وضحاها بل أن يتحرك خطوة بعد خطوة نحو اليمين حتى يستيقظ ناخبوه يوما ويسألون أين ذهب الحزب الذي عرفناه
أين حزب أولوف بالمه الذي جعل التضامن الدولي جزءا من هوية السويد
أين ذلك الصوت الذي لم يكن يخشى الدفاع عن الشعوب الواقعة تحت الاحتلال والتمييز
أين إرث ستين أندرسون وآنا ليند
وأين فلسطين من كل ذلك اليوم
أولوف بالمه لم يكن ينظر إلى السياسة الخارجية باعتبارها حسابات انتخابية فقط بل ارتبط اسمه بالدفاع عن قضايا التحرر والسلام والتضامن الدولي وكانت القضية الفلسطينية جزءا من هذا الإرث السياسي
أما اليوم فنحن أمام حزب يحاول الوصول إلى أوسع مساحة ممكنة من الناخبين وفي الوقت نفسه يفتح أبواب التعاون في اتجاهات كانت قبل سنوات تبدو بعيدة عن هويته السياسية
ومن هنا يأتي السؤال الذي قد يبدو قاسيا لكنه أصبح مشروعا
هل تكون ماجدالينا أندرسون غورباتشوف السويد
المقارنة ليست حرفية فالسويد ليست الاتحاد السوفييتي وماجدالينا أندرسون ليست غورباتشوف لكن غورباتشوف بدأ مشروعه تحت عنوان الإصلاح وانتهت مرحلته السياسية بتفكك الاتحاد السوفييتي
فهل تبدأ ماجدالينا أندرسون بمحاولة توسيع تحالفات الحزب من أجل الوصول إلى السلطة ثم تكتشف أن ما تفكك في الطريق هو جزء من هوية الحزب نفسه
فالحزب الكبير لا يخسر فقط عندما يخسر الانتخابات
قد يخسر وهو يفوز
وقد يصل إلى رئاسة الحكومة لكنه يترك جزءا من تاريخه ومبادئه خلفه
وهذا ربما أخطر أنواع الخسارة
وفي الجهة الأخرى هناك يمين متطرف يعرف ماذا يريد ويسعى إلى المزيد من النفوذ داخل السياسة السويدية وإلى سياسة أكثر قربا من إسرائيل وتوجد داخله أصوات تريد التراجع عن الاعتراف بفلسطين ونقل السفارة السويدية إلى القدس
ولهذا فإن العزوف عن الانتخابات ليس موقفا محايدا فكل صوت يبقى في المنزل يمكن أن يؤثر على ميزان القوى وكل مقعد في البرلمان قد يصبح حاسما عندما تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة
وهنا تتحمل الجالية الفلسطينية والعربية وكل المتضامنين مع فلسطين مسؤولية كبيرة فلدينا حضور فلسطيني واسع في السويد ولدينا أجيال ولدت ونشأت هنا وأصبحت جزءا من المجتمع السويدي لكن العدد وحده لا يصنع القوة والقوة الحقيقية تبدأ عندما يتحول هذا الحضور إلى مشاركة سياسية ومدنية منظمة
علينا أن نذهب إلى صناديق الاقتراع وأن نشجع أبناءنا وعائلاتنا وأصدقاءنا على المشاركة وأن نتحدث مع المرشحين وأن نقرأ البرامج ونقارن المواقف وأن نسأل كل حزب يريد أصواتنا عن موقفه الحقيقي من فلسطين
هل ستحافظون على الاعتراف بدولة فلسطين
هل ترفضون نقل السفارة السويدية إلى القدس
هل ستقفون ضد الاستيطان وضم الأراضي الفلسطينية
هل ستدافعون عن القانون الدولي وعن المدنيين في غزة
هل ستتمسكون بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير
والأهم من ذلك كله مع من ستتحالفون بعد الانتخابات وما الذي أنتم مستعدون للتنازل عنه من أجل الوصول إلى الحكومة وهل ستكون فلسطين جزءا من الثمن
الجالية الفلسطينية ليست خزانا انتخابيا لأي حزب وليست ملكا لليسار ولا لليمين فمن يقف مع حقوق شعبنا نقف معه ومن يتراجع نحاسبه ومن يعتقد أنه يستطيع الحصول على أصواتنا قبل الانتخابات ثم المساومة على قضيتنا بعدها عليه أن يعيد حساباته
كما أن دورنا لا يجب أن ينتهي مساء الثالث عشر من سبتمبر فالمطلوب بناء حضور فلسطيني مستمر داخل الأحزاب والنقابات والمجالس البلدية والبرلمان ومؤسسات المجتمع المدني ونحتاج إلى جيل فلسطيني جديد لا يكتفي بمراقبة القرار السويدي من الخارج بل يشارك في صناعته من الداخل
نحن اليوم أمام انتخابات قد لا تحدد فقط من سيحكم السويد بل قد تحدد أيضا هوية عدد من الأحزاب ومستقبل السياسة السويدية تجاه فلسطين
ولهذا فإن السؤال الموجه إلى ماجدالينا أندرسون ليس فقط هل ستصبحين رئيسة للحكومة بل أي حزب اشتراكي ديمقراطي ستقودين إلى الحكومة
هل هو حزب أولوف بالمه وستين أندرسون وآنا ليند وإرث التضامن الدولي أم حزب جديد تتحرك بوصلته شيئا فشيئا نحو اليمين بحثا عن السلطة
وهل تستطيع ماجدالينا أندرسون إعادة الحزب إلى الحكومة دون أن تفقده هويته أم تصبح غورباتشوف السويد الذي أراد التغيير وانتهت مرحلته بتفكك ما كان يقوده
الجواب لن تحدده الشعارات ولا خطابات الحملات الانتخابية بل ستحدده صناديق الاقتراع وما سيحدث حول طاولة المفاوضات في اليوم التالي
وهنا يأتي دورنا
صوتنا ليس مجرد ورقة
صوتنا موقف
ومشاركتنا قوة
وأصواتنا ليست شيكا على بياض
وفلسطين ليست ورقة للمساومة على طاولة تشكيل الحكومة
- احمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.