
مقاتلو حماس بعد الحرب.. من يتحمل مسؤوليتهم؟ ، بقلم : عبد الباري فياض
بينما تنشغل المفاوضات بشأن غزة بالانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح الفصائل وشكل الإدارة المقبلة وإعادة الإعمار، يبرز سؤال أقل حضورًا في النقاش: ماذا سيحدث لمقاتلي وكوادر حماس إذا انتهى دورهم العسكري؟ فالحركة، التي أدارت القطاع لسنوات وامتلكت إلى جانب بنيتها السياسية بنية عسكرية وأمنية واسعة، لا يمكن اختزالها في السلاح وحده، فوراء هذه البنية آلاف الأشخاص ارتبطت حياتهم بالحركة وبالمؤسسات التي كانت تديرها، ولذلك فإن أي تغيير في موقعها السياسي والعسكري ستكون له آثار مباشرة على هؤلاء وعائلاتهم.
ومن الصعب، في الوقت الحالي، الحديث عن “مكافأة نهاية خدمة” بالمعنى التقليدي. فلا توجد معلومات معلنة وموثوقة عن وجود نظام من هذا النوع، كما لا تتوافر أرقام دقيقة عن عدد المقاتلين الذين قد يخرجون من الخدمة في حال تنفيذ أي اتفاق. الأهم من ذلك هو سؤال القدرة: هل تستطيع حماس، بعد فقدان أدوات الحكم والإدارة وتعقّد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية، أن توفر دخلًا منتظمًا لمن كانوا يعتمدون عليها؟ الحرب أضعفت البنية الاقتصادية والمؤسساتية التي عملت من خلالها الحركة، فيما يواجه القطاع كله أزمة اقتصادية عميقة، ما يجعل استمرار التزامات مالية واسعة تجاه كوادرها أمرًا بالغ الصعوبة.
المسألة لا تتعلق بالمال وحده، وإنما بالمكان الذي سيذهب إليه هؤلاء بعد انتهاء دورهم العسكري. فإذا انتقلت إدارة القطاع إلى مؤسسات فلسطينية جديدة، فمن غير المرجح أن يجري استيعاب المقاتلين السابقين تلقائيًا في الأجهزة الأمنية أو الوظائف العامة، خصوصًا إذا كان أحد أهداف المرحلة الجديدة هو فصل مؤسسات الحكم عن التنظيمات المسلحة. وفي المقابل، فإن إقصاء كل من ارتبط بالحركة من الحياة المدنية لن يكون حلًا واقعيًا. المطلوب، في أي صيغة مقبلة، أن يكون الانتقال إلى الحياة المدنية قائمًا على قواعد واضحة تفرق بين الانتماء السياسي أو التنظيمي وبين المسؤولية الفردية عن أي أفعال مخالفة للقانون.
وهنا يبرز السؤال الأصعب بالنسبة إلى حماس نفسها. فالمقاتلون الذين ارتبطوا بها لسنوات لم يكونوا مجرد قوة عسكرية يمكن إنهاء مهمتها بقرار سياسي، وإنما جزءًا من قاعدة بشرية اعتمدت عليها الحركة في بناء نفوذها واستمرار حضورها. ومع تغير موقعها، ستحتاج القيادة إلى التعامل مع تبعات هذا التحول داخل صفوفها، خصوصًا إذا لم تعد قادرة على توفير الوظيفة أو الدخل أو المكانة التي كانت مرتبطة سابقًا بالعمل داخل مؤسساتها. وهنا يصبح التساؤل عما إذا كانت الحركة قد امتلكت تصورًا واضحًا لمستقبل كوادرها في حال انتهت الحرب إلى تسوية تنهي سيطرتها على القطاع وتفرض تغييرًا في وضعها العسكري.
هذا السؤال لا يعني أن مسؤولية ما جرى تقع على حماس وحدها، ولا أن كل مقاتل سابق يجب أن يحصل على وضع خاص. لكنه يعني أن أي تسوية تتعامل مع السلاح بمعزل عن الأشخاص الذين ارتبطت حياتهم به قد تترك مشكلة لا تقل أهمية عن الملفات السياسية نفسها. فآلاف الرجال الذين سيجدون أنفسهم خارج البنية العسكرية لن يختفوا من المجتمع بمجرد انتهاء مهمتهم، بل سيعودون إلى عائلاتهم وقطاع يعاني أصلًا من الدمار والفقر ونقص فرص العمل. ولذلك فإن تجاهل مصيرهم قد يجعل الانتقال إلى المرحلة الجديدة أكثر صعوبة، ويضيف إلى أعباء غزة مشكلة أخرى في وقت لا تحتمل فيه أزمات جديدة.
كما أن طريقة التعامل مع هذه الفئة ستكون اختبارًا للإدارة الفلسطينية التي ستتولى مسؤوليات غزة. فالمطلوب ليس مكافأة من حمل السلاح، ولا معاقبة من انتمى إلى تنظيم بعينه، وإنما بناء قاعدة واحدة تحكم الانتقال إلى المرحلة الجديدة: من ارتكب مخالفة يحاسب عليها وفق القانون، ومن لم يرتكبها يجب أن تتاح له فرصة للعودة إلى الحياة المدنية. وفي مجتمع أنهكته الحرب والانقسام، سيكون هذا التمييز ضروريًا لمنع تحول الخلاف السياسي إلى إقصاء اجتماعي طويل الأمد.
حماس أمام استحقاق لم يكن مطروحًا بهذه الصورة عندما كانت الحركة تجمع بين إدارة القطاع والعمل السياسي والوجود العسكري. فإذا تغير هذا الدور، فإن علاقتها بكوادرها ومقاتليها ستتغير بالضرورة، وستصبح مطالبة بالإجابة عن سؤال بسيط في صياغته وصعب في تطبيقه: ماذا ستفعل بمن بنوا حياتهم داخل منظومتها عندما تتغير هذه المنظومة؟ وربما يكون هذا السؤال، بعيدًا عن طاولات التفاوض والخرائط السياسية، واحدًا من أكثر الاختبارات دلالة على طبيعة المرحلة التي ستدخلها غزة بعد الحرب.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.