
هل تستمع “فتح” لنفسها.. أم تكتفي بصدى اجتماعاتها؟ بقلم: مروان اغبر
في السياسة لا تحسم المعارك الانتخابية يوم تفتح صناديق الاقتراع، ولا تبدأ الخسارة بإعلان النتائج. هناك حسم يسبق ذلك بكثير؛ يحدث داخل أروقة الحركات والأحزاب نفسها، في طريقة قراءتها للواقع وفي الأشخاص الذين يجلسون حول طاولة النقاش وفي الأصوات التي يسمح لها بالوصول إلى صانع القرار، وتلك التي تترك خارج الغرفة. وهنا تحديداً تبرز أهمية اللحظة الدقيقة التي تعيشها حركة فتح اليوم فالاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة يأتي في ظل مشهد فلسطيني يشهد حراكاً واسعاً وتحركات وتحالفات انتخابية تتشكل في مواجهة فتح أو خارج إطارها. وهذا يجعل الاستحقاق المقبل أكبر من مجرد منافسة على مقاعد المجلس التشريعي، بل هو اختبار لقدرة الحركة على استعادة طاقتها وتجديد خطابها وقراءة الشارع واستثمار كل ما لديها من رصيد بشري وتنظيمي.
المشهد الحالي خصوصاً في المحافظات الشمالية (الضفة الغربية)، يشير إلى حراك تنظيمي مكثف تتوالى اللقاءات وتتعدد الورش والاجتماعات، بين الموسع والمحدود وبين التنظيمي والتشاوري، وهو أمر طبيعي ومطلوب لكن الملاحظة التي تستدعي التوقف والتأمل لا تتعلق بعدد هذه اللقاءات أو عنوانها بل في تكرار ملحوظ لدائرة المشاركين والوجوه نفسها؛ حيث تدور الرؤى والتحليلات داخل حلقة مغلقة، المشكلة هنا ليست في الأشخاص أنفسهم فلكل منهم تاريخه وموقعه واحترامه، حين تتكرر دائرة التشاور لا يعود الصوت الذي يصل إلى القيادة بالضرورة صوتاً جديداً؛ وقد يتحول النقاش من حيث لا يقصد أحد إلى نوع من الصدى الذي يعيد إنتاج الأفكار ذاتها داخل الغرفة نفسها.
قوة الإطار التنظيمي لا تقاس بقدرته على أن يسمع نفسه، بل بقدرته على الوصول إلى أوسع عدد ممكن من أبناء الحركة، فالمسمى التنظيمي يمنح صاحبه مسؤولية لكنه لا يمنحه احتكار الرأي. ولذلك فإن حصر النقاش في الهياكل الرسمية يغفل حقيقة أن “فتح” أوسع بكثير من أطرها؛ ففتح أيضاً أولئك الذين يحملون إرث الحركة دون أن يحملوا ألقاباً، من بينهم كوادر شابة تنبض بحيوية الشارع وأجيال راكمت عبر مراحل مختلفة من مسيرة الحركة خبرات وتجارب لا تزال قادرة على إثراء النقاش لكنها ابتعدت اليوم عن مواقع النشاط التنظيمي أو لم تعد تحمل مسميات داخل أطر الحركة، ويكتسب الاستماع إلى هذه الأصوات أهمية أكبر ونحن أمام استحقاق انتخابي يأتي بعد نحو عشرين عاماً من آخر انتخابات تشريعية، بما يعني أن جيلاً كاملاً لم يعش تجربة انتخابية مماثلة ومن الطبيعي أن تكون له أسئلته وقراءته وأدواته المختلفة، كما أن من سبقوه يملكون من الخبرة ما يمكن أن يضيء الطريق أمامه. إن الجمع بين حيوية الجيل الجديد وخبرة الأجيال السابقة إلى جانب أصوات تنظيمية ومجتمعية أخرى هو ما يمنح النقاش اتساعه وعمقه دون الاكتفاء بصوت الأطر الحركية وحدها، فلا يخلق حالة من “فقر التنوع” في لحظة تحتاج فيها فتح إلى كل فكرة قادرة على الإضافة.
الكادر الذي لا يرى نفسه ممثلاً في جلسات النقاش والتفكير تصله رسالة مفادها أن الحركة تخطط بدونه وأنه ليس جزءاً من هذه المرحلة وهي رسالة ضمنية قاسية كفيلة بتعميق حالة الانكفاء. ماذا لو كانت لدى فتح اليوم طاقات تحتاجها بشدة لكنها تجلس في بيوتها نتيجة غضب، أو عتب، أو إحباط، أو شعور بعدم الجدوى؟ هؤلاء الغاضبون والمنكفئون ليسوا عبئاً على الحركة بل هم جزء أساسي من الحل، فالذي يبتعد وهو غاضب لم يفقد انتماءه والذي يصمت لم يفقد قدرته على التحليل؛ وفي أحيان كثيرة يكون هذا الصوت الغائب هو الصوت الأكثر دقة وصدقاً الذي تحتاج الحركة إلى سماعه اليوم قبل الغد.
إن الحرص الحقيقي على مسيرة الحركة يتطلب اليوم شجاعة في مراجعة طريقة التشاور. المطلوب ليس استبدال دائرة بدائرة بل توسيع الدائرة لتعطي الشباب مساحة حقيقية ولتشمل من لم نتحدث إليهم منذ وقت طويل، على القيادة الفتحاوية أن تبادر بالبحث عن أبنائها وأن تذهب إليهم وتستمع لأسئلتهم التي لم تصل بعد إلى الطاولات الرسمية وأن تدمجهم في صياغة المعايير قبل الوصول إلى صياغة القوائم.
في النهاية ربما لا يكون السؤال الأهم الذي يجب أن تطرحه فتح على نفسها اليوم من سنضع في القائمة؟ بل كم صوتاً فتحاوياً لم نسمعه بعد؟ فالحركة التي تريد أن تطلب من الشارع ثقته عليها أولاً أن تجدد ثقتها بقدرتها على الاستماع إلى أبنائها وأن تستمع لنفسها بكل تنوعها، فتح اليوم لا تحتاج إلى أن تستمع إلى الصوت نفسه أكثر بل تحتاج إلى أن توسّع دائرة الاستماع.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.