1:56 مساءً / 26 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

حكمة الحوكمة الصينية: كيف يتحقق التوافق بين الصلاحيات والمسؤوليات؟ بقلم : لي جيان يو (ناصر)

حكمة الحوكمة الصينية: كيف يتحقق التوافق بين الصلاحيات والمسؤوليات؟ بقلم : لي جيان يو (ناصر)

حكمة الحوكمة الصينية: كيف يتحقق التوافق بين الصلاحيات والمسؤوليات؟ بقلم : لي جيان يو (ناصر)

الإجراءات المعقدة للحصول على رخصة تجارية، أو الطريق المزدحم الممتلئ بفقاعات تنبعث رائحة كريهة، أو مشروع البنية التحتية الذي استمر لعشر سنوات دون إنجاز… هذه الظواهر، التي قد تواجهها مجتمعات كثيرة، تمثل تحديًا عالميًا في مجال الحوكمة، وهو سؤال يشغل أيضا معظم الصينيين: كيف تُطبَّق السياسات الحكومية فعليًا؟ وكيف تتحول التعهدات السياسية إلى واقع؟

حققت الصين، على مدى العقود القليلة الماضية، تقدماً ملحوظاً في مجالات عدة، مثل تطوير البنية التحتية، والحد من الفقر، وتحسين نظم الخدمات العامة. ولا تنبع هذه الإنجازات من الظروف الاقتصادية المواتية ووفرة الموارد فحسب، بل أيضاً من آلية الحوكمة المتطورة التي تتأسس عبر مسار طويل من الاستكشاف والممارسة، فيما يجسّد نظام المساءلة، الذي يتمحور حول ممارسة الصلاحيات والوفاء بالمسؤوليات، نهجًا أساسيًا في منظومة الحوكمة الصينية؛ إذ يعمل هذا النظام، من خلال التحديد الواضح لنطاق المهام وضبط معايير التنفيذ وتعزيز آليات التغذية الراجعة بشأن النتائج، على تشكيل سلسلة متكاملة للإدارة العامة تمتد من مرحلتي اتخاذ القرار والتنفيذ إلى مرحلة التحسين المستمر.

أولًا: من الغموض إلى الوضوح

في أي نظام إداري، غالباً ما تبرز مشكلات مثل تداخل الصلاحيات وغموض متحمل المسؤولية عندما لا تُنفَّذ السياسات بحسب الخطط المتوقّعة. ويُعد غياب مسؤول واضح عن القرار أو تعدد المسؤولين عن اتخاذه من التحديات الشائعة في ممارسات الحوكمة الحديثة.

ويمثل “نظام القوائم”، الذي طُبّق تجريبياً في الصين خلال السنوات الأخيرة، محاولةً لمواجهة هذا التحدي على المستوى المؤسسي. فمن خلال إعداد قوائم تحدّد الصلاحيات والمسؤوليات، يتم رسم حدود الصلاحيات الإدارية والواجبات المقابلة لها بوضوح، مما يتيح للإدارات المعنية تكوين فهم دقيق لما “يتعين” عليها القيام به، وما “يُسمح” لها بفعله، وما “تتحمله” من مسؤوليات. ولا تقتصر أهمية هذا النهج على مجرد تعزيز كفاءة التنفيذ، بل في إرساء نظام موحّد يتيح قياس الأداء وإخضاعه للرقابة. فلولا وجود حدود واضحة للمهام ومتطلبات دقيقة لها، لتعذّر إجراء عمليات الإشراف والتقييم اللاحقة.

ثانيًا: من “تقاسم المسؤولية الجماعية” إلى ” تحمّل المسؤولية الفردية”

بعد توضيح المسؤوليات، لا يزال يواجه نظام الحوكمة تحديا محوريا آخرا: كيف تُوزَّع المسؤولية عندما لا تُحقَّق أهداف السياسات؟ فتقدّم الصين إجابتها الخاصة، التي تتمثل في ربط المسؤولية بالسلطة. بالتفصيل، تتمثل هذه الإجابة في أنّ من يتولى مسؤولية اتخاذ القرار يجب أن يتحمل أيضاً المسؤولية المقابلة عن النتائج المترتبة عليها.

يبرز هذا المنطق بشكل خاص في نظام مسؤولية “يي با شو”(Yi Ba Shou) في الصين. يقصد “يي با شو” المسؤول الرئيسي لجهاز إداري ومؤسسة عامة على جميع المستويات. في نظام المساءلة الصيني، يُعتبر “يي با شو” الشخص المسؤول الأول الذي يتحمل مسؤولية أساسية عن أداء الجهاز، إلى جانب مسؤوليته عن النتائج. لا يعني ذلك أنه يكون أكثر عرضة للمساءلة، بل يعني ألا تضيع المسؤوليات خلف القرارات الجماعية غير الواضحة. على هذا الأساس، كرّست الصين في ممارساتها الطويلة في مجال المساءلة مبدأً مهمًا، وهو التوافق بين الصلاحيات والمسؤوليات، وتجنب “مساءلة المرؤوسين بدلا من الرؤساء”. فالشخص الذي يتخذ القرار في نهاية المطاف هو من يتحمل المسؤولية الأساسية عن النتيجة، مما يمنع الكوادر القاعدية من كونهم “أكباش فداء”، ويضمن اتساق من يخضع للمساءلة مع صاحب سلطة اتخاذ القرار.

ثالثاً: تعزيز “التصحيح الشامل” من خلال “معالجة الحالات الفردية”

لا يهدف نظام المساءلة الصيني في نهاية المطاف إلى العقاب بحد ذاته، بل إلى تحقيق تحسين شامل من خلال معالجة الحالات الفردية واستخلاص العبر المؤسسية، وقد شهد هذا النظام تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة.

على سبيل المثال، تعمل الصين على الجمع بين المساءلة وآليات التصحيح في مجالات مثل الحوكمة البيئية وإدارة الأمن العام. فخلال عملية معالجة المشكلات الجديدة، لا تركّز الحكومات على مساءلة الجهات المسؤولة عن المشكلات فحسب، بل تركّز أيضاً على تحليل الأسباب الجذرية، مما يقلّل احتمالية تكرار المشكلات المماثلة عبر تحسين القواعد واستكمال الإجراءات.

لذا، فإن المساءلة ليست غاية الحوكمة، بل هي وسيلة لتحسين قدرات الحوكمة. فيمكن تحقيق الارتقاء من معالجة الحالات الفردية إلى التحسين المؤسسي الشامل من خلال استكشاف المشكلات، وتحليل أسبابها، وتحسين الأنظمة.

حكمة الحوكمة وراء نظام المساءلة

بالنسبة إلى صناع السياسات والباحثين في العالم العربي، لا حاجة إلى اعتبار ممارسات الحوكمة في الصين نموذجا سياسيا اشتراكيا خاصا، بل يجب دراستها ضمن سياق عالمي أوسع: كيف تعزّز الدول، خاصة التي تمتلك مساحة شاسعة وهيكل اجتماعي معقد، قدرتها على تنفيذ السياسات وتضمن أن تخدم السلطة العامة أهداف الحوكمة بشكل أكثر فعالية عبر الترتيبات المؤسسية؟

من هذا المنظور، تكشف الدراسات الصينية عن عدة مبادئ حوكمة جديرة بالملاحظة:

أولاً، تُعد المعايير الواضحة أساساً حاسماً للحوكمة الفعالة. ففي أي نظام إداري، يصعب توفير أساس موثوق للإشراف والتقييم دون تحديد واضح لنطاق المسؤوليات وأهداف العمل.

ثانياً، تؤثّر دقة المساءلة على فعالية الحوكمة. فإذا بقيت المساءلة في إطار جماعي غامض أو اقتصرت على الكوادر القاعدية، فإن الدور التصحيحي للنظام يضعف. وإنّ ربط المساءلة بعملية صنع القرار خطوة حاسمة في تحسين فعالية الحوكمة.

أخيراً، يهدف حل المشكلات في نهاية المطاف إلى تحقيق التحسين المؤسسي. فغالبا ما يعكس حادث أو خطأ ما ليس فقط مشكلات فردية، بل قد يكشف أيضاً عن أوجه قصور في نظام الإدارة. لا يمكن تحقيق التحسين المستمر في قدرات الحوكمة إلا من خلال تلخيص التجارب وتطوير الآليات.

لا تقدم ممارسات الحوكمة في الصين حلاً موحّداً يناسب جميع المجتمعات، لكنها تُظهر استكشافاً مؤسسياً لكيفية جعل أنظمة الإدارة العامة أكثر تركيزاً على النتائج من خلال توضيح المسؤوليات، وتعزيز عملية التنفيذ، والتأكيد على التحسين المستمر. تقدّم الصين إجابتها الخاصة عن هذا السؤال، بينما ستطوّر الدول العربية إجاباتها بما يتناسب مع ظروفها وتجاربها.

  • لي جيان يو ناصر – مساعد باحث في مركز الدراسات الشرق الأوسطية، جامعة صن يات-سين

شاهد أيضاً

فلسطين تشارك في اجتماع كبار الموظفين التحضيري للدورة الاستثنائية الثالثة والعشرين لمجلس وزراء خارجية "التعاون الإسلامي"

فلسطين تشارك في اجتماع كبار الموظفين التحضيري للدورة الاستثنائية الثالثة والعشرين لمجلس وزراء خارجية “التعاون الإسلامي”

شفا – شاركت دولة فلسطين في اجتماع كبار الموظفين التحضيري للدورة الاستثنائية الثالثة والعشرين لمجلس …