
شفا – (شينخوا) توقع محمد أسامة أن ينجح فيلم «مرحبا بكم في مطعم التنين» بعناصره العربية، لكنه لم يتوقع أن يحظى بهذا الإقبال الواسع من الجمهور الصيني، حيث تجاوزت إيراداته مليار يوان (الدولار الواحد يساوي حوالي 6.74 يوان) خلال أسبوع واحد فقط من عرضه.
يحكي الفيلم قصة طاه صيني يسافر إلى منطقة شرق أوسطية وسط أجواء مضطربة على خلفية حرب العراق، حيث يتحول مطعمه إلى مساحة تحمي الناس من قسوة الحرب، في زاوية إنسانية تدعو عبر المائدة إلى الوئام والسلام، اللذين يمثلان قيمتين مشتركتين بين جميع البشر.
كان أسامة منسقا لاختيار الممثلين المصريين وترتيب مواقع في مصر لتصوير بعض المشاهد الخارجية، إلى جانب الإقامة والتنقل والتصاريح وغيرها من التفاصيل اللوجستية المرتبطة بالتصوير. واختصر أسامة تجربته بالقول: “أصبحت مصر الآن شريكا مع الصين في صناعة الصورة”.
–اللغة جسر تقارب
أتقن أسامة اللغة الصينية واكتسب خبرة طويلة من خلال إقامته وعمله بوسيلة إعلامية كبرى في الصين، قبل أن يعود إلى مصر ويبدأ مرحلة جديدة من مسيرته بتأسيس شركته «دراجون بريدج ميديا» التي لعبت دورا مؤثرا في التقريب بين صناعتي السينما في مصر والصين.
وأصبح أسامة وجها مألوفا لدى الجمهور الصيني كجسر بين الثقافتين، بفضل اللغة التي يتقنها وظهوره في البرامج الصينية متحدثا عن مصر بخفة دم وبالصينية التي يفهمها الجمهور. ويلخص أسامة علاقته بالصين بطريقة تكاد تختصر مسيرته كلها، قائلا إن “علاقاتي بالصين، مثلما قلت سابقا، كانت قدرا وقرارا”.
وقال أسامة إن “تجربة الفيلم تقدم نموذجا عمليا لما يمكن أن يقدمه التراكم الثقافي المتزايد بين مصر والصين”.
ولم يكن أسامة الوحيد الذي شق طريقه المتميز في الحياة بفضل مزاياه اللغوية ومعرفته بالصين، فمحمد جهاد يمثل نموذجا آخر لهذا النوع من التواصل الإنساني والثقافي.
بعد تخرجه في تخصص الإذاعة وتقديم البرامج بجامعة الاتصالات الصينية عام 2019، اختار هذا الشاب المصري محمد جهاد البقاء والعمل في الصين. ويعمل حاليا في مجال الاتصال الدولي لدى المجموعة الصينية للإعلام الدولي، كما يعمل خبيرا في قسم التبادل الثقافي بالجمعية الصينية للاستثمار. ويقول إن تصوير مقاطع الفيديو أصبح أيضا جزءا من عمله.
وحتى الآن، نشر جهاد 83 مقطع فيديو على “دويين” (أكبر منصة للفيديو القصير في الصين)، وحصد 5.53 مليون إعجاب. ويظهر أحيانا بزي فرعوني لتعريف المشاهدين الصينيين بالحضارة المصرية القديمة، وأحيانا أخرى يقدم محتوى يقوم فيه بـ«الدبلجة»، بنطق سليم ومخارج حروف متقنة باللغة الصينية الفصحى، مما أكسبه شعبية بين مستخدمي الإنترنت الصينيين.
ويمتلك جهاد رؤية عميقة تجاه تعلم اللغة الصينية، حيث يقول: “اللغة الصينية هي إحدى أصعب اللغات في العالم، لكنها جميلة جدا. وكما قال الأديب الصيني لو شيون: اللغة الصينية لها جمال في الصوت يطرب الأذن، وجمال في الشكل يمتع العين، وجمال في المعنى يلامس القلب”. ولهذا السبب، أنشأ حسابا شخصيا على منصة “فيسبوك” لتعليم اللغة الصينية.
ويعتبر جهاد اللغة الصينية “لغة المستقبل”، مضيفا أن “المزيد والمزيد من العرب يدركون أن إتقان الصينية يعني فتح بوابة لفهم الصين وثقافتها، واكتشاف المزيد من الفرص، وبناء تعاون طويل الأمد مع الصين”.
ومع ازدياد التبادلات الثقافية والحضارية بين الصين ومصر، أصبح جهاد، كما يقول، “مشغولا طوال العام تقريبا بشكل يومي في التنسيق بين مختلف المشاريع والأنشطة”.
وكما ينطق الطفل المصري العبقري عمر شريف، الذي يؤدي دور “سيف”، تلميذ الطاهي الصيني وخليفته في المطعم في فيلم «مرحبا بكم في مطعم التنين»، اللغة الصينية بطلاقة، يتزايد عدد دارسي الصينية في مصر عاما بعد عام.
ففي سبتمبر عام 2020، وقع الجانبان الصيني والمصري مذكرة تفاهم بشأن إدراج اللغة الصينية كلغة أجنبية ثانية اختيارية في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية في مصر. وبعد عامين، أطلقت الدفعة الأولى من البرنامج التجريبي لتعليم اللغة الصينية في 12 مدرسة حكومية ثنائية اللغة. ثم انطلقت في أكتوبر عام 2023 الدفعة الثانية لتشمل 10 مدارس ثانوية حكومية أخرى. وبذلك، اتسع حضور اللغة الصينية في نظام التعليم الوطني المصري، مما حقق نظاما متكاملا لإعداد الكفاءات يمتد من التعليم المدرسي إلى الدراسات العليا.
–منارتا أعرق الحضارات في العالم… من التعارف إلى التآخي
وتتمتع العلاقات بين الصين ومصر بتاريخ طويل يمتد عبر العصور. وباعتبارهما منارتين عاليتين لحضارة الشرق وحضارة وادي النيل، رسخت الصين ومصر على مدار قرون طويلة من التواصل تقاليد عريقة من التبادل الثقافي والإنساني عبر طريق الحرير والبعثات التعليمية والإنسانية.
ووفقا للسجلات التاريخية، فإن الحكومة الصينية قد أرسلت مبعوثين في عهد أسرة هان الغربية، قبل أكثر من ألفي عام، إلى “لي شيوان”، التسمية القديمة التي استخدمتها الصين للإسكندرية، مما فتح آفاق التواصل بين الحضارتين لأول مرة في التاريخ.
وفي ثلاثينيات القرن العشرين، شهد التبادل الإنساني والثقافي بين البلدين حدثا تاريخيا فارقا. فمن أجل تعزيز التواصل الثقافي الصيني العربي، بدأت الصين في إرسال طلابها للدراسة في مصر. وفي ديسمبر عام 1931، وصلت أول بعثة طلابية صينية إلى القاهرة للالتحاق بجامعة الأزهر العريقة لاستكمال دراستهم بها. وضمت هذه البعثة عددا من الرواد البارزين الذين ذاع صيتهم لاحقا، وفي مقدمتهم الأستاذ ما جيان.
ولم يقتصر دور هؤلاء الطلاب على الدراسة بجد واجتهاد في مصر، فقد انخرط الأستاذ ما جيان خلال فترة دراسته في ترجمة روائع الكلاسيكيات الصينية التقليدية، مثل «المحاورات» لكونفوشيوس، إلى اللغة العربية ونشرها في القاهرة، ليكون ذلك بمثابة أول تقديم منهجي وثقافي للحضارة الصينية إلى العالم العربي. وبعد عودة ما جيان إلى الوطن، أسس قسم اللغة العربية في جامعة بكين، ليدشن بذلك النظام الحديث لتعليم اللغة العربية في الصين.
وقد ذكر تشونغ جي كون، الرئيس الشرفي الراحل لجمعية الصين لدراسة الأدب العربي، أنه عندما زار أيقونة الأدب المصري نجيب محفوظ في نهاية سبعينيات القرن الماضي، سمعه يقول إنه قرأ «المحاورات» التي ترجمها أحد الطلاب الصينيين، وأبدى إعجابه بها.
ومثلما لاقت الأطباق الصينية إعجاب العرب في فيلم «مرحبا بكم في مطعم التنين» كوسيلة للتقارب بين شخصيات مختلفة، شكلت الأعمال الأدبية المترجمة، القديمة والمعاصرة، مائدة متميزة للقراء الصينيين.
وقبل فوز الأديب الكبير نجيب محفوظ بجائزة نوبل، كان العلماء والباحثون الصينيون قد أولوا اهتماما كبيرا بعبقريته الأدبية الفذة، حيث ترجمت تباعا إلى الصينية أكثر من عشرة من أعماله، بما في ذلك «ثلاثية القاهرة» و«الثلاثية التاريخية» و«الحرافيش» و«أولاد حارتنا» وغيرها. وبعض هذه الأعمال صدرت بترجمات متعددة.
كما قطع علم المصريات في الصين شوطا طويلا، حيث قام العلماء والمتخصصون في علم المصريات بالصين بترجمة كتب مثل «كتاب الموتى» مباشرة من اللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية) أو من وثائق أثرية موثوقة. ويعد هذا الأمر نادرا وغير مألوف بين الدول الآسيوية، مما يبرهن بشكل قاطع على مدى التطور والتقدم الذي أحرزه علم المصريات في الصين.
— الشراكة في فتح آفاق جديدة للقوة الناعمة
وفي ظل هذا التراكم الطويل من التبادلات الثقافية والحضارية بين الشعبين، وبفضل الجهود الجبارة من علماء الصينيات في مصر والمستعربين في الصين، كان الإعجاب اللافت بالحضور المصري في فيلم «مرحبا بكم في مطعم التنين» لدى المشاهدين الصينيين أمرا طبيعيا.
ويأتي في مقدمة الوجوه المصرية التي لفتت الانتباه الطفل عمر شريف، الذي صار موضوعا ساخنا بين هواة السينما الصينيين.
وفي فضاء الإنترنت، أشاد مشاهدون صينيون بأدائه “الذي يخلو من أي أثر للتصنع أو المبالغة”، مؤكدين أنهم أصبحوا من «معجبيه المخلصين». وقال بعضهم إنه “يحمل نظرات لامعة وعميقة ومفعمة بالبراءة، تحمل قوة تعبيرية هائلة” ساعدته في تجسيد شخصية سيف ببراعة.
كما كشف مخرج الفيلم ون مو يه أن عمر انضم إلى طاقم التصوير في سن الـ13 وغادره في سن الـ14 عند اختتام التصوير، مشيرا إلى أنه أظهر، رغم حاجز اللغة، “موهبة فطرية مذهلة”، وأنه “سيكون نجما كبيرا في المستقبل”.
وتكشف هذه التجربة مرة أخرى عن خصوصية السينما، الفن السابع، باعتبارها أكثر الفنون قدرة على الوصول إلى الجماهير.
ومن هذا المنظور، يرى الصحفي المصري المخضرم المقيم في الصين محمد مازن أن فيلم «مرحبا بكم في مطعم التنين»، الذي شارك فيه فنانون من الجانبين، يؤكد أن التعاون الفني هنا بين الجانبين لا يتوقف عند مجرد عمل سينمائي، بل يفتح آفاقا جديدة لتعزيز القيم الإنسانية والترويج لقضايا تحظى باهتمام عالمي، وفي مقدمتها السلام، وحماية الأطفال، وحق الإنسان في أن يعيش آمنا، ومواجهة الجوع وآثار الحروب والنزاعات.
وأضاف أن التجربة السينمائية الصينية العربية في السنوات الأخيرة تبدو وكأنها تنتقل تدريجيا من مجرد التبادل الثقافي إلى مرحلة أكثر عمقا من التعاون في صناعة الصورة نفسها. ولم تأت هذه المشاركة من فراغ. فالتعاون الثقافي والسينمائي بين الصين والدول العربية يمتلك جذورا أقدم من هذا الفيلم، وتطور في السنوات الأخيرة على مستويات متعددة.
واختتم مازن قائلا: “لقد مهد هذا التراكم من التبادلات الطريق لتجارب أكثر طموحا، من بينها «مرحبا بكم في مطعم التنين»، الذي يبدو وكأنه ثمرة طبيعية لسنوات من التقارب الثقافي والفني بين البلدين، ويستحق أن يراه الجمهورين لتكتمل دائرة الألفة بين الشعبين”.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.