
في صُحبة الإنسان ، بقلم : الشاعر محمد ناجي ابو حيط
هل الفلسطيني إنسانٌ ككل البشر، أم أن الاحتلال أعاد تشكيل حياته في أدنى درجات الإنسانية؟
من غزة إلى الضفة الغربية، ومن بيت فوريك وتِلّ واليامون إلى جنين ونابلس والخليل وطولكرم وقلقيلية والقدس، ومن مخيمات اللجوء التي نشأت بعد نكبة عام 1948 إلى القرى التي خضعت للاحتلال بعد نكسة عام 1967، يفرض سؤالٌ واحد نفسه على ضمير العالم:
هل الفلسطيني إنسانٌ كامل الإنسانية، له الحق في الحياة والحرية والكرامة والأمن، أم أنه تحوّل في نظر منظومة الاحتلال إلى كائنٍ يمكن حصاره وتجويعه واقتلاعه وإذلاله وقتله، ثم مطالبة أهله بالصمت؟
وُلد الفلسطيني على أرضه، وحرثها، وبنى بيوته ومدارسه ومساجده وكنائسه، وحفظ أسماء ينابيعها وجبالها ووديانها. ومع ذلك، وجد نفسه مطالبًا كل يوم بأن يثبت للعالم أنه موجود، وأن منزله منزله، وأن أرضه أرضه، وأن أطفاله ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار.
منذ عام 1948، لم تكن مأساة الفلسطيني حادثة عابرة انتهت بتوقيع اتفاق أو صدور قرار دولي. لقد أصبحت النكبة نظامًا متجددًا: تهجيرٌ يتبعه استيطان، ومصادرةٌ تتبعها مستوطنة، وهدمٌ يعقبه طريقٌ عسكري، وحاجزٌ يفصل المزارع عن أرضه، والجريح عن المستشفى، والطالب عن جامعته، والأم عن أبنائها.
وبعد احتلال عام 1967، أُعيد تقسيم الضفة الغربية إلى جزر بشرية معزولة. لم تعد المسافة بين بيت فوريك ونابلس تُقاس بالكيلومترات، بل بالحواجز والبوابات العسكرية ومزاج الجنود. ولم يعد الفلاح يعرف إن كان سيصل إلى زيتونه، ولا المريض إن كان سيمر إلى المستشفى، ولا رب الأسرة إن كان سيعود من عمله قبل إغلاق الطريق.
في أبريل/نيسان 2026، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 925 عائقًا للحركة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تقيّد حركة نحو 3.4 ملايين فلسطيني؛ وهو أعلى عدد سجّله المكتب خلال عشرين عامًا. كما وثّقت الأمم المتحدة استمرار اعتداءات المستوطنين والتهجير وهدم الممتلكات وتقويض الوصول إلى العمل والتعليم والعلاج. وهذه ليست إجراءات أمنية مؤقتة، بل بنية يومية تعيد إنتاج إنتاج السيطرة والعزل والإفقار. تقرير OCHA عن الحركة والوصول في الضفة الغربية
أما غزة، فقد أصبحت المرآة الأكثر فظاعة لسقوط الضمير الإنساني: مساحة محاصرة، وبيوت مدمرة، وعائلات تُهجّر مرارًا، ومستشفيات وملاجئ ومدارس لا توفر للمدنيين ضمانًا حقيقيًا للنجاة. وفي فبراير/شباط 2026، حذّر تقرير لمكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة من أنماط تثير مخاوف التطهير العرقي في غزة والضفة الغربية. تقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان
إن الفلسطيني في غزة ليس أقل إنسانية لأنه محاصر، ولا طفل المخيم أقل استحقاقًا للحياة لأنه وُلد لاجئًا، ولا فلاح بيت فوريك متعدٍ حين يدافع عن أرض ورثها عن أبيه وجده. الجريمة ليست في تمسك الفلسطيني بوطنه؛ الجريمة في النظام الذي يريد أرضًا بلا أصحاب، وطرقًا بلا فلسطينيين، وذاكرةً بلا شهود.
فلسطين التي احتضنت الوافدين
كانت فلسطين عبر تاريخها أرضًا تتقاطع فيها الديانات والأعراق والثقافات. عاش فيها العرب المسلمون والمسيحيون واليهود، واستقبلت الأرمن والشركس والمغاربة والجزائريين واليونانيين وغيرهم. ولم تكن هوية فلسطين الطاهرة قائمة على طرد الناس بسبب دينهم أو أصولهم، بل على قدرة الأرض والمجتمع على استيعاب التنوع.
لكن الواجب يقتضي هنا التمييز الواضح بين اليهودية باعتبارها دينًا، واليهود باعتبارهم بشرًا متنوعين، وبين الصهيونية باعتبارها مشروعًا سياسيًا استيطانيًا. ليست المواجهة مع الإنسان اليهودي لأنه يهودي؛ وإنما مع منظومة اقتلاع واحتلال وامتياز عرقي وقومي تمارسها دولة ومؤسسات وجيش ومستوطنون.
بل إن المؤسسة الإسرائيلية نفسها مارست في مراحل تأسيسها تمييزًا وإذلالًا بحق جماعات من اليهود الشرقيين، ومن بينهم مهاجرون من المغرب والعراق واليمن وشمال أفريقيا. وتوثّق دراسات تاريخية رش مهاجرين من الشرق الأوسط وأوروبا بمادة DDT بذريعة التطهير الصحي؛ وكان ما بقي في ذاكرة كثيرين هو الإهانة والمعاملة المتعالية. لذلك لا يجوز استخدام تلك المأساة لإهانة الضحايا أنفسهم، بل لفضح العقلية العنصرية التي تصنف البشر درجات، ثم تستخدم المضطهدين وقودًا لمشروع يضطهد شعبًا آخر.
وعدٌ ديني لا يمنح سند ملكية
لا يمكن لوعدٍ ديني يعود إلى آلاف السنين، وفق تفسير سياسي أيديولوجي، أن يتحول إلى سند ملكية يسمح بطرد إنسان حي من بيته اليوم. الإيمان شأن روحي محترم، لكنه لا يعطي أي دولة حق اقتلاع عائلة، أو هدم قرية، أو سرقة أرض، أو فرض سيادتين وقانونين على شعبين يعيشان في المكان نفسه.
وقد خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على إسرائيل إنهاءه بأسرع ما يمكن، ووقف النشاط الاستيطاني وإخلاء المستوطنين من الأرض المحتلة. محكمة العدل الدولية
كما وصفت منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان النظام القائم بين النهر والبحر بأنه نظام يعمل على ترسيخ تفوق جماعة قومية على أخرى، واعتبرته نظام فصل عنصري. تقرير بتسيلم: هذا هو الأبارتهايد
من المسؤول؟
المسؤولية ليست جماعية على أساس الدين أو الأصل. المسؤولية تقع على الحكومات التي تخطط، والوزراء الذين يحرّضون، والجنرالات الذين يصدرون الأوامر، والجنود وأفراد الشرطة الذين ينفذون الانتهاكات، والمستوطنين الذين يعتدون، والدول التي توفر السلاح والحماية السياسية، وكل مؤسسة تبرر الجريمة أو تمنع المساءلة.
ولا يمكن لحكومة بنيامين نتنياهو، ولا لخطاب بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، أن تختبئ إلى الأبد خلف ادعاء الأمن. الأمن الحقيقي لا يُبنى فوق أنقاض بيوت الآخرين، ولا بحصار ملايين البشر، ولا بتسليح المستوطنين، ولا بتحويل شعب كامل إلى متهم دائم.
والجيش الإسرائيلي ليس كيانًا فوق القانون. كل أمر يستهدف المدنيين، وكل هدم غير مشروع، وكل تعذيب أو قتل أو تهجير قسري، يجب أن يخضع لتحقيق مستقل ومحاسبة فردي
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.