3:50 مساءً / 25 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

اليسار في زمن التحولات الكبرى: من نهاية النماذج إلى صناعة المستقبل ، بقلم : محمد علوش

اليسار في زمن التحولات الكبرى: من نهاية النماذج إلى صناعة المستقبل ، بقلم : محمد علوش

لم يعد اليسار العالمي يواجه أزمة في الأفكار بقدر ما يواجه أزمة في القدرة على تحويل أفكاره وقيمه التاريخية إلى مشروع معاصر قادر على فهم العالم والتأثير في مساره، فالمفارقة التي تستحق التوقف عندها هي أن اللحظة التاريخية الراهنة تحمل كثيراً من القضايا التي يفترض أن تمنح اليسار أسباباً جديدة للحضور: اتساع التفاوت في توزيع الثروة، تركز رأس المال، هشاشة العمل، تراجع الضمانات الاجتماعية، أزمة السكن، ارتفاع كلفة التعليم والصحة، اختلال العلاقة بين رأس المال والعمل، التغير المناخي، التحولات العميقة التي أحدثتها الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتصاعد الحروب والنزاعات والأزمات الجيوسياسية، ومع ذلك، لم ينجح اليسار في كثير من المجتمعات في تحويل هذه التناقضات إلى قوة سياسية واجتماعية واسعة.

وهنا تحديداً ينبغي أن يبدأ التفكير في أزمة اليسار، وليست المشكلة في أن العالم أصبح أقل حاجة إلى العدالة والمساواة والتحرر، وإنما في أن اليسار نفسه أصبح، في قطاعات واسعة منه، أقل قدرة على تمثيل هذه الحاجة، وأقل قدرة على صياغة البدائل، وأحياناً أقل قدرة حتى على مخاطبة المجتمع بلغته الجديدة.

لقد تغير العالم بصورة أسرع من كثير من أدوات اليسار، انتهت الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية أطلقا مرحلة اعتقدت فيها الرأسمالية النيوليبرالية أنها وصلت إلى لحظة انتصار نهائي، وأن السوق قادر وحده على تنظيم الاقتصاد والمجتمع، وأن التاريخ قد أغلق صفحة الصراع بين النماذج الكبرى، لكن السنوات اللاحقة أظهرت أن الرأسمالية لم تتجاوز تناقضاتها، بل أعادت إنتاجها في صور أكثر تعقيداً، فالتقدم التكنولوجي الهائل لم يؤد تلقائياً إلى توزيع أكثر عدالة للثروة، والعولمة لم تمنح الجميع فرصاً متساوية، وتحرير الأسواق لم يمنع الأزمات المالية، بل ساهم في تعميم آثارها، فيما أدى تراجع الدولة الاجتماعية في كثير من البلدان إلى تعميق الشعور بعدم الأمان الاقتصادي والاجتماعي.

وفي الوقت نفسه، لم يكن اليسار بمنأى عن هذه التحولات، فقد انقسم بين تيارات بقيت أسيرة النموذج التاريخي الذي نشأت في ظله، وتيارات أعادت النظر في كثير من أطروحاتها إلى درجة فقدت معها جزءاً من هويتها الاجتماعية، وأخرى حاولت بناء يسار جديد انطلاقاً من الحركات البيئية والنسوية والمدنية وحقوق الإنسان، لكنها لم تنجح دائماً في ربط هذه القضايا ضمن رؤية كلية لمسائل الإنتاج والثروة والعمل والسلطة.

ولذلك فإن المراجعة المطلوبة ليست مراجعة تكتيكية، ولا مجرد إعادة ترتيب للشعارات، وإنما مراجعة فكرية وسياسية عميقة لسؤال اليسار نفسه: ما الذي بقي ثابتاً في مشروعه؟ وما الذي تغير في العالم ويستوجب تغيير أدواته؟ وما الذي ينبغي أن يتعلمه من تجاربه وتجارب الآخرين؟ وكيف يمكن أن يتحول من قوة احتجاجية إلى قوة اجتماعية قادرة على إنتاج البدائل وإدارة التحول؟

إن أول ما ينبغي استعادته هو الثقة بأن الاشتراكية ليست تجربة تاريخية واحدة انتهت بانتهاء نموذج معين، وإنما فكرة مفتوحة حول كيفية تنظيم المجتمع والثروة والاقتصاد على أساس أوسع من منطق الربح الخاص، فالاشتراكية ليست وصفة جاهزة، كما أن تاريخها ليس سلسلة متصلة من النجاحات أو الإخفاقات؛ إنها تراكم واسع من التجارب المتباينة، بعضها حقق إنجازات هائلة في التصنيع والتعليم والصحة والقضاء على الفقر وبناء الدولة، وبعضها عانى من البيروقراطية والجمود ومحدودية المشاركة السياسية، وبعضها الآخر ما زال يتطور ويعيد صياغة أدواته.

ومن هنا فإن التعامل مع تاريخ الاشتراكية ينبغي أن يتحرر من التقديس ومن الإدانة في آن واحد، فلا يمكن بناء يسار جديد إذا ظل أسير الدفاع عن كل ما حدث في الماضي، كما لا يمكن بناءه إذا قبل الرواية التي اختزلت تاريخ الاشتراكية كله في فشل تجربة واحدة، فالمطلوب هو النقد التاريخي الذي يميز بين الفكرة والتجربة، وبين المبادئ والأشكال التي اتخذتها في ظروف محددة، وبين الإنجازات والأخطاء، وبين ما يمكن أن يكون قابلاً للتعلم وما ينبغي تجاوزه.

وفي هذا السياق تبرز تجربة الحزب الشيوعي الصيني في بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية باعتبارها واحدة من التجارب الكبرى التي تستحق الدراسة الجادة، لا بهدف الاستنساخ أو الترويج، وإنما لفهم كيفية تعامل تجربة اشتراكية مع مسألة التحول التاريخي، فالصين لم تبن مسارها من خلال تكرار نموذج اقتصادي ثابت، بل عبر مراحل من التجريب وإعادة التقييم وتوسيع دور السوق ضمن إطار سياسي تقوده الدولة والحزب، مع التركيز على التنمية، وبناء القدرات الإنتاجية، والاستثمار في البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا، وربط الإصلاحات بأهداف استراتيجية بعيدة المدى.

والدرس الأهم بالنسبة إلى اليسار العالمي هنا لا يتعلق بنقل السياسات الصينية إلى مجتمعات أخرى، فهذا غير ممكن ولا منطقي، وإنما يتعلق بمنهجية التفكير: أن تكون الاشتراكية قادرة على قراءة الواقع قبل صياغة السياسات، وأن تتعامل مع السوق كأداة يمكن تنظيمها واستخدامها، لا كعقيدة، وأن تنظر إلى الدولة باعتبارها أداة للتنمية والتخطيط، لا مجرد جهاز إداري، وأن تجعل بناء القوة الإنتاجية شرطاً للعدالة الاجتماعية المستدامة.

فلا يمكن توزيع الثروة التي لا تنتج، ولا يمكن بناء دولة اجتماعية قوية من دون اقتصاد منتج، ولا يمكن الحديث عن الاستقلال السياسي في ظل تبعية اقتصادية وتكنولوجية عميقة، وهذه من القضايا التي تحتاج إلى حضور أكبر في الفكر اليساري المعاصر؛ إذ لا ينبغي أن تكون العدالة مجرد سؤال عن كيفية توزيع الناتج، بل سؤالاً أيضاً عن كيفية إنتاج الثروة، ومن يملك أدوات الإنتاج والمعرفة والتكنولوجيا، ومن يحدد اتجاه التنمية، وهنا يمكن لليسار أن يستعيد أحد أهم أسئلته التاريخية بصورة جديدة: من يملك المستقبل؟

ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد ملكية الأرض والمصنع ورأس المال المالي وحدها هي مصدر القوة، بل أصبحت البيانات، والخوارزميات، والمنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والمعرفة العلمية، والقدرة على التحكم في سلاسل الإمداد والتكنولوجيا، جزءاً مركزياً من علاقات القوة الاقتصادية، وإذا كانت الرأسمالية الصناعية قد أنتجت تركزاً هائلاً للثروة في أيدي مالكي رأس المال، فإن الرأسمالية الرقمية قد تنتج شكلاً أكثر تركيزاً من السلطة، تتحكم فيه شركات تمتلك البنية التحتية المعرفية والرقمية التي يعتمد عليها ملايين البشر.

وهنا أمام اليسار فرصة تاريخية لم تستثمر بما يكفي، فبدلاً من التعامل مع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا باعتبارهما تهديداً مجرداً، ينبغي طرح السؤال الاجتماعي والسياسي حولهما: من يملك التكنولوجيا؟ من يحدد أهدافها؟ من يستفيد من زيادة الإنتاجية التي تحققها؟ ومن يتحمل كلفة التحول؟ وإذا كانت الآلة قادرة على إنتاج المزيد بوقت أقل، فلماذا لا تتحول هذه الزيادة في الإنتاجية إلى وقت عمل أقل، وحياة أكثر إنسانية، وخدمات أفضل، ودخل أكثر عدالة؟

إن القضية ليست في مقاومة التكنولوجيا، وإنما في دمقرطة ثمارها، ومن هنا يمكن أن يطرح اليسار مشروعاً جديداً للديمقراطية الاقتصادية والرقمية، يقوم على حماية البيانات باعتبارها مورداً اجتماعياً، وتنظيم الاحتكارات التكنولوجية، وتعزيز الملكية العامة أو التعاونية في بعض البنى الأساسية، وضمان حقوق العاملين في الاقتصاد الرقمي، ووضع قواعد عادلة لتوزيع مكاسب الأتمتة، وتطوير سياسات تعليمية تعيد تأهيل العاملين بدلاً من تركهم ضحايا للتحول التكنولوجي.

وبالمقدار ذاته، ينبغي إعادة التفكير في الطبقة العاملة، فاليسار الذي يريد أن يعود إلى المجتمع لا يستطيع أن يبحث عن العامل في صورته القديمة فقط، فلقد تغيرت بنية العمل وتوسعت أشكال التشغيل المؤقت والعمل غير المستقر والعمل المنصاتي والعمل الحر والاقتصاد غير الرسمي، وبرزت فئات واسعة من المهنيين والموظفين والشباب الذين يعيشون بين التعليم والبطالة والعمل الهش، ولذلك لم يعد ممكناً بناء التحالف الاجتماعي اليساري على تعريف ضيق للطبقة العاملة.

إن الطبقة الاجتماعية التي يحتاج اليسار إلى تمثيلها اليوم هي كل من يبيع عمله أو معرفته أو وقته من أجل العيش، وكل من يتضرر من الاحتكار والريع وعدم المساواة وتآكل الخدمات العامة، وهذا يفتح المجال أمام تحالف اجتماعي جديد يضم العمال والموظفين والمزارعين وصغار المنتجين وأصحاب الأعمال الصغيرة والشباب والمهنيين والمثقفين والفئات الوسطى المتضررة من سياسات النيوليبرالية، ومن هنا تصبح النقابات مجدداً جزءاً مركزياً من مشروع اليسار، لكن النقابات نفسها مطالبة بالتجدد، فلا يكفي الدفاع عن الوظائف التقليدية؛ بل ينبغي الوصول إلى العامل المؤقت والعامل الرقمي والعامل المهاجر والعامل غير المنظم، وإعادة تعريف الحماية الاجتماعية بحيث تصبح حقاً مرتبطاً بالإنسان لا بنوع عقده الوظيفي.

وفي قلب هذا المشروع ينبغي أن تستعيد العدالة الاجتماعية معناها الشامل، فالعدالة ليست فقط زيادة الأجور، وإنما بناء منظومة متكاملة تشمل التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية والتقاعد والضرائب العادلة وفرص العمل والتنمية المتوازنة، كما أن الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى جهاز لتوزيع المساعدات، بل إلى مؤسسة قادرة على خلق الفرص وبناء القدرات وتوسيع قاعدة الإنتاج.

وهنا تتقاطع العدالة الاجتماعية مع قضية الدولة، فاليسار الجديد لا يحتاج إلى دولة متضخمة تبتلع المجتمع، كما لا يحتاج إلى دولة تنسحب من الاقتصاد لمصلحة السوق، والمطلوب دولة اجتماعية ديمقراطية تمتلك القدرة على التخطيط والاستثمار والتنظيم وحماية الفئات الأضعف، لكنها في الوقت نفسه تخضع للمساءلة، وتحترم الحريات، وتتيح للمجتمع المشاركة في صناعة القرار.

وهذه النقطة تقود إلى جوهر آخر من عملية التجديد: لا يمكن فصل الاشتراكية عن الديمقراطية، فالديمقراطية بالنسبة إلى اليسار ليست مجرد آلية انتخابية، كما أنها ليست تنازلاً عن مشروع العدالة الاجتماعية لمصلحة الليبرالية السياسية، والديمقراطية قيمة تحريرية في ذاتها، لأنها تمنح الإنسان القدرة على المشاركة والمساءلة والتنظيم والتعبير، وفي المقابل، لا تكتمل الديمقراطية إذا كانت صناديق الاقتراع حرة بينما تترك حياة الناس الاقتصادية رهينة احتكارات مالية واقتصادية قادرة على التأثير في القرار العام.

لذلك فإن المهمة هي بناء علاقة عضوية بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية، حرية التعبير والتنظيم والانتخاب وسيادة القانون واستقلال القضاء يجب أن تتكامل مع الحق في العمل والصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية والمشاركة في القرار الاقتصادي، وهذا هو المجال الذي يمكن أن تمنح فيه الاشتراكية الديمقراطية معنى جديداً لليسار، بعيداً عن كونها مجرد تسوية بين الرأسمالية والاشتراكية.

فالاشتراكية الديمقراطية التي يحتاجها القرن الحادي والعشرون ينبغي أن تتجه نحو توسيع الديمقراطية إلى داخل الاقتصاد، وتعزيز الملكية التعاونية والاجتماعية والعامة حيث تكون أكثر كفاءة وعدالة، وتنظيم الملكية الخاصة عندما تتحول إلى احتكار، وإخضاع السوق للمصلحة العامة، لا إلغاء السوق باعتباره أداة من أدوات النشاط الاقتصادي، وهذا يتطلب أيضاً تجاوز العلاقة التقليدية بين اليسار والسوق، فالسؤال ليس: هل نريد السوق أم لا؟ بل: أي سوق؟ ولصالح من؟ وتحت أي قواعد؟ ومن يملك القدرة على تنظيمه؟

السوق يمكن أن يكون أداة لتخصيص الموارد وتحفيز الابتكار، لكنه يصبح مدمراً عندما يتحول إلى سلطة فوق المجتمع، وعندما تتحول المنافسة إلى احتكار، وحين يصبح الربح معياراً وحيداً للصحة والتعليم والسكن والعمل، ومن ثم فإن وظيفة الدولة والمجتمع ليست إلغاء كل أشكال السوق، وإنما منع السوق من ابتلاع المجتمع، وهذا المنظور يتيح لليسار أن يتعامل بواقعية مع الاقتصاد الحديث، دون أن يتنازل عن جوهره الاجتماعي.

كما أن اليسار مطالب بإعادة اكتشاف مفهوم التنمية، فلقد أثبتت التجربة العالمية أن النمو الاقتصادي وحده لا يضمن العدالة، كما أن حماية البيئة لا ينبغي أن تتحول إلى مشروع يفرض أعباء إضافية على الفقراء والعمال، لذلك يجب بناء مفهوم للانتقال الأخضر يقوم على العدالة، بحيث تتحمل الاقتصادات والشركات الكبرى الجزء الأكبر من كلفة التحول، بينما يحصل العمال والمجتمعات المحلية على فرص جديدة في الاقتصاد الأخضر.

إن قضية المناخ ليست قضية بيئية فقط؛ إنها قضية إنتاج واستهلاك وثروة وطاقة وعدالة دولية، ومن هنا يمكن لليسار أن يربط بين العدالة الاجتماعية والعدالة المناخية في مشروع واحد، لكن كل هذه الأفكار ستبقى محدودة إذا لم تترافق مع مراجعة جذرية لبنية اليسار التنظيمية والسياسية، فقد تغيرت المجتمعات، بينما ما زالت بعض التنظيمات اليسارية تعمل وفق أنماط تنظيمية صيغت في زمن مختلف تماماً، فالهرمية المغلقة، وضعف المشاركة الداخلية، واحتكار القرار، وانفصال القيادات عن القاعدة، كلها عوامل ساهمت في تراجع جاذبية اليسار، خصوصاً لدى الأجيال الجديدة.

إن اليسار الجديد يحتاج إلى تنظيم أكثر ديمقراطية ومرونة، يجمع بين قوة التنظيم وحرية المبادرة، ويستفيد من التكنولوجيا، ويمنح الشباب دوراً حقيقياً في القيادة وصناعة القرار، ويعيد بناء علاقته بالمجتمع المدني والنقابات والحركات الاجتماعية والجامعات والقطاعات الثقافية.

كما أن اليسار بحاجة إلى تجاوز مرض الانقسامات الداخلية. فالتعدد داخل اليسار يمكن أن يكون مصدر قوة إذا تحول إلى تعددية فكرية منتجة، لكنه يصبح مصدر ضعف عندما يتحول إلى صراع على الشرعية أو احتكار للحقيقة، فالشيوعيون والاشتراكيون والديمقراطيون الاجتماعيون واليسار البيئي والنقابي والحركات الاجتماعية ليست بالضرورة مدارس متصارعة، بل يمكن أن تكون روافد لمشروع اجتماعي ديمقراطي واسع.

المطلوب ليس توحيد اليسار على أساس إلغاء اختلافاته، وإنما بناء جبهة اجتماعية وسياسية واسعة حول برنامج مشترك للعدالة والديمقراطية والتنمية والسلام، ومن هنا تأتي الحاجة إلى الانتقال من سياسة الاحتجاج وحدها إلى سياسة الاقتراح، فالاحتجاج يكشف الخلل، لكنه لا يقدم بالضرورة البديل، واليسار الذي يريد أن يستعيد مكانته يجب أن يكون قادراً على إدارة البلديات والمؤسسات والنقابات والحكومات، وأن يقدم موازنات بديلة، وخططاً للتنمية، وسياسات ضريبية، وبرامج للإسكان والتعليم والصحة والعمل، وأن يثبت أن العدالة الاجتماعية ليست مجرد قيمة أخلاقية، وإنما مشروع قابل للإدارة والتنفيذ.

وهذا ربما هو أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من التجارب اليسارية المختلفة: إن امتلاك السلطة السياسية لا يكفي إذا لم تصاحبه قدرة على إدارة الاقتصاد والمجتمع، كما أن امتلاك الخطاب الأخلاقي لا يكفي إذا لم يتحول إلى سياسات ملموسة.

ومن هنا يجب أن يتغير مفهوم اليسار عن السلطة نفسها. السلطة ليست غاية، وإنما وسيلة لتغيير حياة الناس، والنجاح اليساري لا يقاس بعدد المقاعد التي يحصل عليها في البرلمان فقط، بل بقدرته على تحسين شروط الحياة والعمل، وتوسيع مساحة المشاركة، وتقليص الفوارق، وبناء مؤسسات أكثر عدالة.

وفي المستوى الدولي، يحتاج اليسار إلى صياغة أممية جديدة تتجاوز الاصطفافات القديمة، فالعالم يتجه نحو تعددية دولية أكثر تعقيداً، ولا يجوز لليسار أن يتحول إلى تابع لأي قوة دولية، كما لا يجوز له أن يتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الحرب الباردة، والمطلوب أممية تقوم على سيادة الشعوب، والعدالة الدولية، ورفض الاحتلال والاستعمار والحروب، ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، والتعاون في مجالات التنمية والعلوم والتكنولوجيا والمناخ والصحة.

وهنا تكتسب فلسطين موقعاً مركزياً في اختبار صدقية اليسار العالمي، فالقضية الفلسطينية ليست فقط قضية شعب يبحث عن حريته الوطنية، وإنما قضية تكشف حدود النظام الدولي عندما تصبح القوة قادرة على تجاوز القانون والعدالة، ولذلك فإن التضامن مع فلسطين ينبغي أن يكون جزءاً من رؤية يسارية أوسع لمواجهة الاستعمار والاحتلال والعنصرية والحروب، وليس مجرد موقف موسمي مرتبط بالأزمات.

وفي الحالة الفلسطينية تحديداً، فإن تجديد اليسار يتطلب الجمع بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، فلا يمكن بناء دولة فلسطينية مستقبلية من دون مجتمع ديمقراطي ومؤسسات قوية واقتصاد منتج وعدالة اجتماعية وحماية للعمل وحقوق الفئات الأضعف، كما أن التحرر الوطني إذا انفصل عن الإنسان ومصالحه اليومية يفقد جزءاً من قدرته على إنتاج مشروع جامع.

وهذا ينطبق على اليسار العربي أيضاً، فالمجتمعات العربية تحتاج إلى مشروع يتعامل مع التخلف الاقتصادي، والبطالة، وضعف الإنتاج، وتفاوت الثروة، وأزمة التعليم، وهجرة العقول، والتبعية التكنولوجية، والاستبداد، والتحديات المناخية، إلى جانب قضايا السيادة والتحرر الوطني، ولا يمكن اختزال المشروع اليساري العربي في المعارضة السياسية وحدها؛ إنه بحاجة إلى رؤية للتنمية والتحديث والعدالة الاجتماعية وبناء الدولة الديمقراطية.

إن أزمة اليسار ليست أزمة مبرر وجود، وإنما أزمة صيغة تاريخية، فالأسباب التي أنتجت اليسار ما زالت قائمة، وربما أصبحت أكثر إلحاحاً، لكن العالم الذي يتحرك فيه اليسار لم يعد العالم نفسه، ولهذا لا يمكن استعادة اليسار عبر إعادة إنتاج قاموس القرن العشرين، بل عبر إعادة بناء لغته ومشروعه وتنظيمه وتحالفاته، وإن المطلوب يسار لا يخاف من مراجعة نفسه، ولا يتعامل مع النقد باعتباره خيانة، ولا مع التجربة المختلفة باعتبارها انحرافاً، ولا مع التطور باعتباره تخلياً عن المبادئ، يسار يعرف أن الثبات الحقيقي ليس في الجمود، وإنما في القدرة على الحفاظ على القيم أثناء تغيير الأدوات.

نحتاج إلى يسار يضع الإنسان في مركز المشروع، والعمل في قلب الاقتصاد، والمعرفة في صميم التنمية، والديمقراطية في بنية الدولة، والعدالة في توزيع الثروة، والاستقلال في العلاقات الدولية، والسلام في مواجهة منطق الحرب، والبيئة في مفهوم التقدم.

نحتاج إلى يسار يتعلم من الصين دون أن يستنسخ الصين، ويتعلم من الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية دون أن يستسلم للنيوليبرالية، ويتعلم من تجارب أميركا اللاتينية دون أن يتجاهل شروطها الخاصة، ويقرأ التجربة السوفييتية بموضوعية، ويستفيد من الحركات الاجتماعية الجديدة دون أن يفقد البعد الطبقي والاجتماعي للنضال.

إن المسألة ليست اختيار نموذج واحد، وإنما بناء قدرة يسارية على التعلم من النماذج كلها، وهذه القدرة هي التي يمكن أن تحول الأزمة إلى فرصة، فالمستقبل الذي تصنعه الثورة التكنولوجية، وتغيرات الاقتصاد العالمي، والتحولات الديموغرافية، وأزمة المناخ، وتبدلات النظام الدولي، ليس محايداً، وهناك قوى رأسمالية كبرى تحاول أن تحدد ملامحه وفق مصالحها، وإذا لم يشارك اليسار في صياغة هذا المستقبل، فسوف يصاغ من دونه، لذلك فإن المعركة الحقيقية أمام اليسار ليست مع الماضي، بل على المستقبل.

وإذا أراد اليسار أن يستعيد مكانته المنشودة، فعليه أن ينتقل من سؤال: «كيف نحافظ على ما تبقى؟» إلى سؤال أكثر جرأة: «كيف نبني ما لم يوجد بعد؟»، وعندها تصبح الاشتراكية أكثر من ذاكرة تاريخية؛ تصبح أفقاً للعدالة، وتصبح الديمقراطية أكثر من انتخابات؛ تصبح مشاركة فعلية في السياسة والاقتصاد، ويصبح التقدم التكنولوجي أكثر من سباق بين الشركات؛ يصبح فرصة لتحرير الإنسان، ويصبح الاقتصاد أكثر من أرقام للنمو؛ يصبح وسيلة لبناء حياة كريمة، وتصبح الأممية أكثر من تضامن شعاراتي؛ تصبح تعاوناً بين الشعوب في مواجهة الحرب والهيمنة والاستغلال.

إن اليسار لا يحتاج إلى استعادة القرن العشرين، ولا إلى الدفاع عن كل ما أنتجه، كما لا يحتاج إلى التنكر لتاريخه كي يبدو حديثاً، بل ما يحتاجه هو أن يملك شجاعة الجمع بين الذاكرة والنقد، وبين الهوية والتجديد، وبين المبادئ والواقعية، وبين العدالة والحرية، وبين الدولة والمجتمع، وبين التخطيط والمبادرة، وبين الوطني والأممي، فإذا استطاع أن يفعل ذلك، فإن أزمته الراهنة قد تتحول من مقدمة للأفول إلى بداية لولادة جديدة، فاليسار الذي يستحق المستقبل ليس ذلك الذي يكرر ما كان، وإنما ذلك الذي يمتلك الشجاعة ليطرح الأسئلة التي لم يطرحها أحد بعد، والقدرة على تحويل الإجابات إلى مشروع، والمشروع إلى قوة اجتماعية، والقوة الاجتماعية إلى تغيير تاريخي، وإن اليسار لا يحتاج إلى أن يستعيد الماضي؛ إنه يحتاج إلى أن يستعيد المستقبل.

⦁ محمد علوش – عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

شاهد أيضاً

حسين الشيخ يلتقي نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني لبحث تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية

حسين الشيخ يلتقي نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني لبحث تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية

شفا – التقى سيادة نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ، اليوم الثلاثاء، مع نائب رئيس …