1:35 مساءً / 25 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

تقرير شفا : حين تتعطل المحاكم ..الوساطة المجتمعية نافذة للوصول إلى العدالة في غزة

تقرير شفا : حين تتعطل المحاكم ..الوساطة المجتمعية نافذة للوصول إلى العدالة في غزة

شفا – خاص – الصحفية خديجة مطر – لأكثر من عامين، لم تكن معاناة أم فادي تقتصر على توقف النفقة التي كانت تعتمد عليها لإعالة طفليها، بل امتدت إلى فقدانها القدرة على الوصول إلى آلية قانونية تضمن تنفيذ الحكم الذي حصلت عليه قبل الحرب. ومع تعطل المحاكم ودوائر التنفيذ في قطاع غزة، وجدت في الوساطة المجتمعية مسارًا مؤقتًا لتسوية النزاع واستعادة النفقة.


“أم فادي 44 عامًا، من وسط قطاع غزة،  وأم لطفلين” فادي وساجدة” تقول:” حرمت من النفقة منذ عامين ونصف، نتيجة غياب منظومة العدالة الرسمية وغياب تنفيذ الأحكام القضائية  “.


تتكئ على جدران خيمتها المتهالكة وتضيف بحرقة: ” هجرني زوجي منذ 14 عامًا، ومنذ ذلك الوقت وأنا أتلقى النفقة عبر المحكمة مباشرة، من خلال اقتطاع جزء من راتبه كنفقة لي ولأطفالي، إلى أن اندلعت الحرب، فتوقف الخصم الآلي تلقائيًا، وفقدت أسرتي مصدر دخلها “.


بنبرة مكسورة وعيون يملؤها الحزن تكمل حديثها:” العيش دون دخل للأسرة جعل حياتنا اكثر قسوة، وأثر في قدرتي على تلبية احتياجات أطفالي وعلاج ابني .”


وتقول بحرقة:” أجبرت أطفالي على بيع عبوات الكلور التي صنعتها يدويًا وسط الخطر والموت، لتجبرنا الظروف بعدها على توجه طفلي فادي، الذي لا يتجاوز 15 عامًا إلي منطقة المساعدات الأمريكية” زكيم “،بحثًا عن الدقيق، ليصاب إصابة خطيرة في أمعائه جعلته طريح الفراش لأكثر من سبعة أشهر”.


وتضيف أم فادي” تعرفت إلى إحدى المؤسسات المجتمعية عبر صديقة، وجهتني إلى لجنة الوساطة المجتمعية. عرضت عليهم حالتي، وبدورهم قاموا بالتواصل مع والد أطفالي وتمت تسوية الخلاف وإلزامه بتسديد النفقة، وتحويلها شهريًا إلي حسابي الشخصي”.


بابتسامة عريضة، تختم حديثها:” ما حدث إنجاز لا يوصف أصبحت قادرة على تحقيق بعض  إحتياجات أطفالي وتوفير العلاج لطفلي. الحياة قاسية، والعيش دون دخل للأسرة انتهاك لمبادئ حقوق الإنسان وحقوق الطفل”.


ولم تكن تجربة ام فادي استثناءً إذ وجدت دعاء أبو حطب، 43 عامًا، الوساطة المجتمعية وسيلة لمحاولة حل نزاع أسري طال أمده تبدأ حديثها مؤكدًة: ” أعاني من خلافات أسرية منذ عام 2017، وكانت الوساطة المجتمعية أسرع وسيلة وجدتها لمحاولة حلها، أنا أم لطفلين من زواجي الأول وأعيش خلافات أسرية منذ ذلك الوقت وأتكفل برعاية أطفالي بنفسي، لم يقدم والد طفليّ فلسًا واحدًا”.


وتضيف بحرقة:” مرضت ابنتي قبل عامين، وأصبحت بحاجة إلى جواز سفر لها ووثيقة تنازل، حتى يتسنى لنا السفر لتلقي العلاج. وبعد عشرات المحاولات ، لم تترك الوساطة المجتمعية بابًا إلا وطرقته من أجل التواصل مع والدها والوصول إلى حل يضمن سفرها وتلقيها العلاج “.


وتقول: “في بداية الأمر رفض والدها إعداد أوراق السفر والتنازل اللازمة، والتي بدورها ما كان يحول دون قدرتنا على توفير وتلقي العلاج . بدورهم توصلت الوساطة إلى حلول مرضية، وحصلت على وثيقة التنازل وجواز سفر لها”.


وتوضح أبو حطب:” أن الوساطة المجتمعية تساعد الاسر على حل خلافاتنا الأسرية، خصوصًا في الظروف التي يصعب فيها الوصول إلى المحاكم،مع بقاء اللجوء إلي القضاء حقاً مكفولاً لكل طرف”.


وتنوهه  أبو حطب” توفر الوساطة مسارًا رضائيًا لتسوية بعض النزاعات خارج إجراءات التقاضي، عبر اتفاق يوقع عليه كلا الطرفين ولجان الوساطة المجتمعية المشرفة على حل الخلاف، لكنها لا تحل محل القضاء النظامي كونه ملزم بتنفيذ القرارات .”


وفي تجربة أخري، لجأ “أبو محمد” من شمال قطاع غزة، وهو أب لثلاثة أطفال إلى الوساطة المجتمعية لإنقاذ حياته الاسرية بعد فشل محاولاته الشخصية في حل الخلاف مع زوجته ، يقول: ” أسهمت الوساطة المجتمعية في تحقيق تحول مهم في حياتي الأسرية. نتيجة الظروف الراهنة ، حدثت خلافات أسرية بيني وبين شريكة حياتي، وحاولت لأكثر من عام حل الخلاف بيننا دون جدوى”.


ويضيف أبو محمد :” كنت متواجدًا في لقاء توعوي في مخيمنا، كان يقدم الدعم النفسي والقانوني، وتحدث المختص النفسي والإرشادي عن دور الوساطة المجتمعية وأهميتها في ظل غياب القضاء الرسمي “.


مشيرًا”: “قررت التواصل مع المختص، ليكون دورهم بالتنسيق مع زوجتي وعقد معنا أكثر من لقاء لتقريب وجهات النظر فيما بيننا، وبفضل جهودهم عدنا عائلة تملؤها المحبة والمودة من جديد. خلاف صغير كاد أن يشتت بيتي الزوجي، لكن الوساطة كانت حبل النجاة، فلا شيء أجمل من عائلتي”.


قصص ام فادي ودعاء وأبو محمد ليست حالات منفردة؛ ففي ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، لجأت مؤسسات قانونية ومجتمعية في غزة إلى تفعيل الوساطة لتسوية بعض النزاعات الأسرية، بالتوازي مع مسارات القضاء الرسمي كلما كان ذلك ممكنًا.


سهير البابا، المستشارة القانوني ومنسقة العيادة القانونية في مركز شؤون المرأة، توضح أن” الوساطة المجتمعية أصبحت إحدى الآليات المتاحة  لتقليص فجوة الوصول إلى العدالة في ظل الظروف الاستثنائية و تعطل منظومة العدالة الرسمية والقضائية “.


وأكدت: ” كان لا بد من إيجاد بدائل تسد الفجوة التي خلفتها تعطل المحاكم وغياب منظومة العدالة الرسمية، ودوائر التنفيذ بما يضمن كرامة المرأة وحقوقها، وتضمن إنصافًا عادلًا وسريعًا للمرأة يقلل أمد التقاضي”.


كما أشارت البابا إلى أنه” تم تشكيل لجان الوساطة المجتمعية من محامين ومحاميات، وشخصيات اعتبارية مستقلة، وأخصائيين نفسيين، ومديري حالات قادرين على حل النزاعات والخلافات الأسرية بالطرق البديلة “.


وتضيف البابا: ” عملنا على تدريب هذه الكوادر بشكل مكثف، على قضايا العنف المبني على النوع الاجتماعي ، ومهارات الاتصال والتواصل، ما عزز قدرتهم على التعامل مع قضايا النساء وحلها دون إجحاف بحقوقهن ووفقًا للقانون “.


وعن آلية استقبال القضايا، نوهت البابا إلى أنه” يتم استقبال الحالات عبر التوجه مباشرة إلى مقراتنا في وسط وشمال القطاع وعبر ورش العمل التوعوية وجلسات الدعم النفسي، والعيادة القانونية، أو عبر الاتصال عبر بالخط المجاني المباشر للعيادة القانونية او من  خلال نساء أخريات سبق لهن الحصول على خدمات الإرشاد “.


وأوضحت البابا: ” نحن نسير في مسارين: مسار الوساطة المجتمعية، ومسار القضاء الرسمي، وتحدد طبيعة كل حالة المسار الانسب لها”.


وتشير :الوساطة المجتمعية عملية طوعية تعتمد على الرضا والتوافق، وعلى عقد تسوية ودية مكتوب وموثق بنسخة رسمية لكلا الطرفين، مع الاحتفاظ بنسخة في الأرشيف ، ويتمثل دورها في إيجاد بدائل وحلول سريعة لحل القضايا العالقة أو القضايا التي يفضل أطرافها عدم اللجوء الذهاب إلى القضاء الرسمي.”


 توضح ” لا يحق لأي طرف التراجع عن الاتفاق، ويصبح العقد ملزمًا قانونيًا ولا يلغى إلا باتفاق جديد أو بحكم قضائي، مضيفًا:” على الرغم من إعادة تفعيل المحاكم القضائية بشكل جزئي، فإن النساء يفضلن المضي باتجاه الوساطة كبديل يساعدهن على الوصول إلى حقوقهن، وتسوية النزاع بصورة أسرع، إضافة إلى طول أمد التقاضي وتكدس آلاف القضايا، وقلة عدد القضاة، وتوقف إنفاذ القانون وعمل الشرطة القضائية”.


وتتابع البابا إلى أن ” حققت الوساطة المجتمعية نجاحًا ملحوظًا، وأسهمت في إنجاز نحو ألف حالة من القضايا العالقة على مدار ثلاثة أعوام. أهمها قضايا الاستضافة والطلاق والمشاهدة والحضانة والرجوع إلى منزل الزوجية والنفقة وقضايا الحصول على الولاية والوصايا”.


وحول القضايا التي ترفض الوساطة المجتمعية قبولها أو التعامل معها أضافت البابا:” ترفض الوساطة للقضايا المخالفة للنظام العام والقانون مثل جرائم القتل والشروع فيه أو الاعتداءات الجنسية والعنف الأسري المهدد للحياة”.


واختتمت حديثها قائلة: “الوساطة حققت نجاحًا لكنها لا تُعد بديلًا عن القضاء الرسمي، ولا تنافس القضاء أو تحل محله ، على الرغم  من الاهمية الكبيرة للوساطة المجتمعية، فهي لا تمتلك سلطة فرض حل على أي طرف من أطراف النزاع، وإنما تسد فجوة الوصول إلى العدالة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة “.

شاهد أيضاً

طائرات غزة الورقية.. حين تتحول طفولة الفلسطيني إلى ذريعة إسرائيلية للحرب ، بقلم: وسام زغبر

طائرات غزة الورقية.. حين تتحول طفولة الفلسطيني إلى ذريعة إسرائيلية للحرب ، بقلم: وسام زغبر …