
الصادق الأمين: فجر غير وجه التاريخ ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي
في عالمٍ كانت الجاهلية قد أحاقتْ الإنسان بسياجها الشائك؛ عالم أقام للقوة عرشاً وللضعف هامشاً، وجعل الظلم عُرفاً والجاه ميزاناً والصنم وسيطاً، ولد العظيم محمد صلوات ربي وسلامه عليه معجزةً لتغيير وجه الصحراء ومن يمشي عليها؛ كأنما أراده الله في قلبها اللافح بذرةً طيبة سيتسع ظلها حتى يفِيء إليها الإنسان في كل زمان ومكان، ليكتشف بعده التاريخ أن السماء استطاعت أن تلج في قلب رجل، وأن قلب رجل استطاع أن يكتب للأرض عهداً جديدا.
هكذا في عالمٍ كان مثقلاً بليلٍ طويل، انبلج فجر سرمدي يهدي الإنسان كيف يكون على نفسه بصيرة قبل أن يعلم العيون رؤية الأشياء على حقيقتها.
جاء إلى الدنيا يتيم الأب، ولعل في اليُتم الذي سبق خطواته الأولى عِبرة لا تخلو من جمالٍ عميق: أن الذي سيصبح مأوى لقلوب اليتامى والمستضعفين لم يستهل حياته مستنداً إلى ظهيرٍ من أهل الأرض، لكن الله هيّأه ليعرف المعنى وراء بحث الإنسان عن الأمان، ووجع من تاه في العراء ولم يجد كفاً تمسح عن روحه وحشة اليُتم.
ترعرع الصادق الأمين في مكة، بينما كانت الأصنام تتعاظم في أكنافها، لكنه كان يحمل في سيرته الطاهرة مرآة صافية للقيم والمبادئ والأخلاق. يرفض الكذب ويأنف من الظلم ويعلو عن أخلاق قومه. يمشي وفي قلبه أمانة السماء، وفي عينيه رحمةٌ تتسع للإنسان قبل أن يسأل عن هويته؛ فاجتمعت فيه قوة الرسالة ورقة الإنسان، ومهابة النبي وبساطة العبد، وعلوّ المقام وصفاء القلب.
خرج من الغار يحمل صدراً يفيض بالنور وقلباً يملؤه اليقين ولساناً يسبقه الصدق ورسالةً أثقل من الرواسي وأرحب من الأرض. لقد أُوقد في قلبه مصباحٌ لا تعرف الرياح إليه سبيلاً؛ فانطلق بالقرآن يهدم مقام الحجر المؤلَّه في قلوب الأنام؛ من كِبرٍ وعصبيةٍ واستعلاءٍ وخوف، ليحرر الإنسان من جاهليته ويردّه إلى فطرته. مضى بين الناس كغيمةٍ لا تسأل الأرضَ عن لونها قبل أن تمطرها بغيث الرحمات، ووقف في مكة عالي الجبين بشعار التوحيد “لا إله إلا الله”. أُوذي فلم ينطفئ وحُورب فلم ينحنِ وحُوصر فلم يضق صدره وظل الألم في يده امتحاناً، فكان أرحم من أن يطفئه الأذى وأنقى من أن تلوثه الضغائن.
هاجر إلى المدينة وفي أعماق روحه حبّ مكة سراً أودعه الله، فكلما ابتعد عنها ظلّت تسكنه كوطن لا تحدّه المسافات. كانت الطريق أقصر من خفقة قلبٍ اهتدى إلى الغاية قبل أن يبلغها، فدخلها وإذا بالأرض قد حفظتْ له موضعاً في حناياها منذ أن طحاها الله. خلَّف في ترابها أثراً أبعد من أن تمحوه السنين، وفي ذاكرتها صوتاً كلما خفتتْ الدنيا انبعث في وجدانها يقيناً لا يطاله شك. ذلك هو أسمى الفتوحات وأعظمها؛ أن يبدأ الفتح من قلب رجلٍ يقف بين الناس ولا يطلب منهم إلا أن يهتدوا بإذن الله.
ختاماً، ظل نبينا الكريم في قلب التاريخ كالنهر الذي لا ينتهي عند ضفة؛ كلما ظن الناس أنهم بلغوا آخره وجدوا فيه معِيناً متجدداً من المعاني: يتيمٌ يجسد الرحمة، وفقيرٌ يصون العزة، ومطاردٌ يرسخ الثبات، وقائدٌ يضرب أروع أمثلة التواضع، ورسول يهدي الإنسان إلى أن يكون عبداً لله، حراً من عبودية ما سواه. ذلك هو الفجر الذي لم يكتفِ بأن يبدد الظلام؛ فعلّم الذين خرجوا من الظلام كيف يصنعون لأنفسهم بصائر تفرق بين ما هو حق وما هو باطل.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.