
شفا – (شينخوا) منذ طرحه في دور السينما الصينية، لفت الفيلم الصيني “مرحبا بكم في مطعم التنين” أنظار الجمهور، ليس فقط بقصته الإنسانية، بل أيضا بحضوره العربي اللافت. فإلى جانب الأحداث التي تدور في أجواء شرق أوسطية، يشارك في الفيلم عدد من الممثلين والفنانين العرب، وتحضر اللغة العربية وعناصر أخرى من الثقافة العربية في مشاهد عدة، في تجربة تعكس تزايد التفاعل بين السينما الصينية والعالم العربي.
ويمزج الفيلم بين المطبخ الصيني ورسالة تدعو إلى السلام، ويروي قصة الطاهي الصيني “شيوي فو” الذي يسافر إلى بلد افتراضي في الشرق الأوسط ويتولى إدارة مطبخ “مطعم التنين” هناك، حيث تتقاطع مصائر شخصيات من خلفيات مختلفة، وتصبح المائدة مساحة للتعارف والتواصل فيما بينهم.
وبعد 13 يوما فقط من طرحه في دور السينما الصينية، تجاوز إجمالي إيرادات شباك التذاكر 1.5 مليار يوان (حوالي 223 مليون دولار أمريكي)، وفقا لمنصة بيع التذاكر “ماويان”، وسط تفاعل واسع وإشادة من الجمهور.
حضور عربي لافت.. حين تتحدث السينما الصينية بلسان الضاد
قبل مجيئه إلى الصين، لم يكن الممثل المصري الشاب عمر شريف يعرف عن الصين سوى بروس لي وعبارة “صنع في الصين”. أما اليوم، فأصبح أحد الوجوه العربية في فيلم صيني، ويؤدي شخصية “سيف”، الطفل اليتيم الذي يجد في مطعم صيني مأوى له ويتعلم الطبخ على يد الطاهي “شيوي فو”، الذي يؤدي دوره الممثل الصيني شن تنغ.
ولم يكن الطريق لاختيار عمر شريف لأداء هذا الدور أمرا هينا، حيث قام فريق الفيلم بالبحث عن ممثل لشخصية “سيف” من بين نحو ستة آلاف طفل عربي، قبل أن يقع الاختيار على عمر.
وخلال مقابلة أجرتها معه وكالة أنباء شينخوا تذكر عمر أن لقاءه الأول بالمخرج ون مو يه في مصر صادف يوم عيد ميلاده، وأن المخرج أهداه “مكعب روبيك” بعدما علم بهذه المناسبة. وقال إن شعوره عندما علم باختياره للدور كان مزيجا من السعادة وعدم التصديق، مضيفا: “كانت فرصة كبيرة بالنسبة لي أن أمثل في فيلم صيني”.
لكن العناصر المألوفة الموجودة في الفيلم بالنسبة إلى الجمهور العربي لا تتعلق فقط بوجود ممثلين عرب أمام الكاميرا، بل أيضا بالحضور اللافت للغة العربية في الفيلم، فقد شارك في العمل ممثلون وفنانون من مصر والعراق والأردن ودول أخرى، فيما تعلم عدد من الممثلين الصينيين اللغة العربية استعدادا لأدوارهم.
وقال عمر إن تبادل اللغة مثل جزءا من الحياة اليومية أثناء التصوير، وفي بعض الأحيان، كان يتحدث مع الممثل الصيني جيانغ تشي مينغ، الذي تعلم العربية لعدة أشهر قبل المشاركة في الفيلم، باللغة الصينية، بينما يرد الأخير بالعربية، “وكان باستطاعة كل منا أن يفهم الآخر”.
ويرى دينغ لونغ، الأستاذ في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شانغهاي للدراسات الدولية، أن الحضور العربي في الفيلم لافت على نحو خاص، قائلا إنه رغم دراسته وتعليمه العربية لأكثر من 30 عاما، فإنه لم يشاهد من قبل فيلما صينيا بهذا القدر من الحوار باللغة العربية.
ولا تتوقف عناصر العالم العربي عند اللغة والشخصيات، بل تمتد إلى الموسيقى أيضا. ففي نهاية الفيلم، تصدح أغنية “نور العين” للمغني المصري عمرو دياب، لتضفي على الحكاية لمسة مألوفة لدى الجمهور العربي.
كما تحمل القصة عناصر يمكن للجمهور العربي أن يجد فيها شيئا قريبا من حياته اليومية. فطبق “هوي فان” الذي يعده الطاهي الصيني للأطفال في الفيلم، والذي يشبه في بعض جوانبه أطباق “الكبسة” في المنطقة العربية، يتحول من وجبة بسيطة إلى ذكرى مشتركة بين الشخصيات.
ولدى إشارته إلى أن ” الطعام الجيد رمز من رموز الحياة ورمز للسعادة”، قال عمر إن الرسالة التي يحملها الفيلم تتجاوز الطعام نفسه وتتمثل في أن “أكثر من يتأثر بالحروب هم الأطفال والمدنيون، ورسالة الفيلم هي أننا نتمنى أن تنتهي الحرب وأن ننعم بحياة يملؤها السلام”، معربا عن تمنياته بأن ينعم الجميع بحياة هانئة وسعيدة.
أما المخرج ون مو يه، فيرى أن الطعام كان مدخلا إنسانيا للحكاية، موضحا أن “الحرب قاسية، أما الطعام فيمثل شكلا من أشكال السعادة”، وأن فريق الفيلم أراد أن يجعل من مطعم صيني في منطقة تشهد اضطرابات مسرحا للحكاية، وأن يجعل الطعام وسيلة لمواساة القلوب وتخفيف وطأة المعاناة.
وبالنسبة إلى الشاب العراقي أمين منير محمد العبيدي، واسمه الصيني فانغ هاو مينغ، الذي شارك في الفيلم ويقوم بدور أحد العاملين في المطعم، فإن بعض مشاهد الفيلم أعادت إليه ذكريات من طفولته. وقال: “قد يكون تناول وجبة أمرا بسيطا بالنسبة إلى كثير من الناس، لكن بالنسبة لمن يعيشون في أجواء الحرب، فإن مجرد تناول الطعام بهدوء قد يكون نوعا من الترف”.
ويرى أمين أن الفيلم يختلف عن الأعمال التي تجعل من البطل الخارق محور الحكاية، إذ يركز على أناس عاديين لا يريدون الحرب، ويحاولون الحفاظ على حياتهم وإنسانيتهم في ظروف صعبة.
من الشاشة إلى الحياة.. ممثلون عرب يواصلون قصتهم في الصين
لم تنته حكاية الممثلين العرب في الصين بعد انتهاء تصوير الفيلم، بل امتدت إلى ما وراء الشاشة، فمنذ طرح “مرحبا بكم في مطعم التنين”، بدأ عدد من الممثلين العرب المشاركين فيه بفتح حسابات على منصات التواصل الاجتماعي الصينية، ليتحولوا من وجوه ظهرت على الشاشة إلى أشخاص يتواصلون مباشرة مع الجمهور الصيني.
ومن أبرز هؤلاء الممثل المصري شريف صبحي، الذي أدى شخصية “زيد”. وبعد فتح حسابه على منصة “شياوهونغشو” (ريد نوت)، جذب اهتماما واسعا من المستخدمين الصينيين الذين تعرفوا إليه من خلال الفيلم، وبدأ يتفاعل معهم مباشرة عبر المنصة.
أما عمر شريف، البالغ من العمر 16 عاما، فحملت تجربته بُعدا شخصيا إضافيا، إذ ذكر خلال الجولة الترويجية الأخيرة للفيلم في الصين أن جد جده كان صيني الأصل، وأن مشاركته في فيلم صيني منحته فرصة للاقتراب من جذوره العائلية، واصفا أصوله الصينية بأنها “قدر مكتوب”.
وخلال الجولة الترويجية الأخيرة، زار عمر مدنا صينية عدة، وكانت مدينة تشنغدو الأقرب إلى قلبه، ليس فقط بسبب طعامها الحار الذي يحبه، بل أيضا بسبب ما وصفه بود سكانها وطيبتهم، وهي صفات وجد فيها شبها بالمصريين.
من “نه تشا 2” إلى “حليمة”.. تبادل سينمائي يسير في اتجاهين
ويأتي هذا الفيلم في سياق أوسع للتطور ثنائي الاتجاه للتبادل السينمائي بين الصين والدول العربية، إذ ثمة أفلام صينية تصل إلى الجمهور العربي، وأفلام عربية تجد طريقها إلى الجمهور الصيني.
ففي العام الماضي، عُرض فيلم الرسوم المتحركة الصيني “نه تشا 2” في السعودية وعدد من دول الخليج بنسخة عربية. واستخدم فريق الدبلجة العربية الفصحى إلى جانب لهجات محلية، في محاولة لتقريب القصة المستوحاة من الثقافة الصينية إلى الجمهور العربي.
وفي الاتجاه الآخر، تواصل السينما العربية حضورها في الصين. ففي الدورة الـ28 لمهرجان شانغهاي السينمائي الدولي في يونيو الماضي، فاز الفيلم المغربي “حليمة” بجائزتي أفضل مخرج وأفضل ممثلة. كما شهد “أسبوع الحزام والطريق السينمائي” مشاركة متزايدة للأفلام والمؤسسات السينمائية العربية، فيما انضمت الهيئة الملكية الأردنية للأفلام هذا العام إلى تحالف مهرجان “الحزام والطريق” السينمائي ضمن مهرجان شانغهاي السينمائي الدولي، بما يعزز فرص التعاون في مجالات الإنتاج والتوزيع والتبادل السينمائي.
ومن “نه تشا 2” إلى “مرحبا بكم في مطعم التنين”، ينتقل التعاون السينمائي بين الصين والعالم العربي من مجرد تبادل عرض الأفلام إلى نطاق العمل السينمائي المشترك، ليصبح الفن السابع مساحة يلتقي فيها الصينيون والعرب حول قصص ومشاعر إنسانية مشتركة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.