
شفا – أكد محمد علوش، أمين سر المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، أن الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة لا ينبغي أن تختزل في كونها استحقاقاً انتخابياً دورياً أو منافسة على مقاعد المجلس التشريعي، بل يجب أن تشكل محطة سياسية ووطنية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وتجديد شرعية مؤسساته، واستعادة ثقة المواطن بالعملية السياسية، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة تقوم على الديمقراطية والتعددية والشراكة الوطنية.
وقال علوش في حوار خاص مع شبكة فلسطين للأنباء – شفا، إن أهمية الانتخابات تتضاعف في ظل التعقيدات السياسية والوطنية والاجتماعية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، في ظل استمرار الاحتلال وتداعيات الحرب والانقسام والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وما رافق ذلك من تراجع في أداء المؤسسات وتآكل الثقة العامة بالعمل السياسي، ورأى أن الانتخابات يمكن أن تكون فرصة لإعادة تنظيم العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وبين السلطة والمجتمع، وبين مختلف مكونات الحركة الوطنية، على أساس الشراكة والمسؤولية الوطنية.
وشدد على أن الانتخابات ليست غاية في ذاتها، وإنما مدخل لمسار إصلاحي أوسع يعيد الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، ويكرس سيادة القانون، ويعزز الفصل والتوازن بين السلطات، ويصون الحريات العامة وحق التنظيم والعمل السياسي والنقابي والمجتمعي، ويؤسس لعلاقة أكثر توازناً بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
وأوضح أن الأزمة التي يعانيها النظام السياسي الفلسطيني ليست أزمة قانون انتخابي أو مؤسسة بعينها، وإنما أزمة مركبة تستدعي مراجعة شاملة لبنية النظام السياسي وآليات عمله، والانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، ومن الاستقطاب والإقصاء إلى التعددية والشراكة، ومن الشخصنة إلى ترسيخ المؤسسة، ومن تعطيل الاختلاف إلى إدارته بالوسائل الديمقراطية.
إنهاء الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي
واعتبر علوش أن إنهاء الانقسام الفلسطيني يمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي عملية إصلاح سياسي، مؤكداً أن الانقسام لم يعد مجرد خلاف بين قوى أو سلطات، بل أصبح عاملاً بنيوياً أضعف المؤسسات وأرهق المجتمع وأضر بصورة النظام السياسي وقدرته على مواجهة التحديات الوطنية.
ورأى أن الانتخابات يمكن أن تشكل مدخلاً مهماً لإنهاء الانقسام وإعادة بناء الحياة السياسية على أساس التعددية، شريطة توافر إرادة سياسية حقيقية لدى مختلف الأطراف لاحترام قواعد العملية الديمقراطية ونتائجها، والاتفاق على أن صندوق الاقتراع هو المرجعية في التنافس السياسي، وأن الخلافات تُدار داخل المؤسسات وبالوسائل الديمقراطية، بعيداً عن منطق القوة والإقصاء.
وأكد أن إصلاح النظام السياسي لا يمكن أن يقتصر على مؤسسات السلطة الوطنية، بل يجب أن يترافق مع إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتطوير مؤسساتها ودورها، باعتبارها الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني وممثله الشرعي، بما يمكنها من استعادة دورها القيادي في النضال الوطني وتمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات.
وقال إن الفلسطينيين بحاجة إلى صيغة سياسية جديدة تعيد تنظيم العلاقة بين مكونات النظام السياسي، وتضع قواعد واضحة للشراكة الوطنية والمساءلة والمحاسبة وتداول المسؤولية السياسية، مؤكداً أن الديمقراطية ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد التحرر الوطني، وإنما هي أحد عناصر القوة الوطنية في مواجهة الاحتلال.
الانتخابات واستحقاقات المرحلة المقبلة
وأشار علوش إلى أن تحديد موعد الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل يمثل، في هذا السياق، فرصة لإعادة تجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية وفتح الطريق أمام تحول ديمقراطي حقيقي، والحفاظ على وحدة الشعب والأرض من خلال نظام انتخابي يقوم على التمثيل النسبي الكامل، واعتبار الوطن دائرة انتخابية واحدة، وفق القانون.
وأضاف أن بدء الترتيبات والتحضيرات للانتخابات أطلق عملياً مرحلة جديدة من الحراك السياسي، مع توجه القوى السياسية والمكونات الاجتماعية إلى الحوار وبحث إمكانات التحالف وتشكيل القوائم الانتخابية، وأوضح أن هذه الانتخابات تجري في ظروف مختلفة عن التجارب السابقة، بفعل جملة من المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية التي ستؤثر في المشهد الانتخابي وفي طبيعة الخيارات السياسية المطروحة أمام الناخب الفلسطيني.
وفي هذا الإطار، حذر علوش من مخاطر التدخلات الإقليمية في الشأن الفلسطيني، ومحاولات توظيف الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لإعادة تشكيل النظام السياسي وفق حسابات ومصالح خارجية، وقال إن المطلوب هو حماية القرار الوطني الفلسطيني المستقل، ومنع تحويل الانتخابات إلى أداة لإعادة هندسة الحياة السياسية الفلسطينية بما يتعارض مع المصالح الوطنية.
وأضاف أن حق أي قوة سياسية أو تحالف في الوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع هو حق ديمقراطي مشروع، لكن التنافس الانتخابي يجب أن يبقى محكوماً ببرنامج وطني واضح، وباحترام استقلال القرار الفلسطيني، ورفض استخدام المال السياسي أو الأزمات المعيشية للتأثير في إرادة الناخبين.
ورأى أن المشهد الانتخابي قد يتأثر بما يمكن تسميته بـ«التصويت العقابي»، نتيجة حالة السخط المتراكمة تجاه أداء القوى السياسية المختلفة، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، الأمر الذي قد يدفع قطاعات من الناخبين إلى التصويت ضد القوى التي تحملها مسؤولية الأوضاع القائمة، بدلاً من التصويت انطلاقاً من قناعة إيجابية ببرنامج بديل.
وأكد أن هذه الحالة تفرض على القوى الديمقراطية والوطنية تقديم بديل سياسي حقيقي، لا يقوم على استثمار الغضب الشعبي فحسب، بل على برنامج قادر على استقطاب المواطنين وإعادة بناء الثقة بالعمل السياسي والمؤسسات العامة.
اليسار أمام اختبار استعادة دوره
وفيما يتعلق بدور اليسار الفلسطيني، قال علوش إن ضعف القوى التي كان يفترض أن تشكل تياراً مجتمعياً ثالثاً يمثل أحد أبرز تحديات المرحلة، مشيراً إلى أن اليسار بحاجة إلى مراجعة فكرية وسياسية وتنظيمية عميقة تستعيد استقلاليته وتعيد تعريف دوره في المجتمع.
وأوضح أن التاريخ النضالي، على أهميته، لا يكفي لصناعة المستقبل، وأن اليسار مطالب بتجديد خطابه وأدواته وعلاقته بالمجتمع، والإجابة عن الأسئلة التي تفرضها التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، بما فيها قضايا العمل والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتغير طبيعة سوق العمل.
وقال إن المطلوب هو بناء يسار فلسطيني حديث، ديمقراطي، وطني واجتماعي، يجمع بين مقاومة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الاجتماعية، ويحوّل الفكرة اليسارية من مجرد إرث نضالي إلى مشروع سياسي واجتماعي للمستقبل.
الشباب والمرأة في قلب التجديد الديمقراطي
وشدد علوش على ضرورة إعادة الاعتبار لدور الشباب في الحياة السياسية، مؤكداً أن استمرار التعامل معهم باعتبارهم «جيل المستقبل» لم يعد مقبولاً، لأن الشباب هم حاضر المجتمع الفلسطيني، ومن حقهم المشاركة الفعلية في صنع القرار والوصول إلى مواقع المسؤولية.
ودعا إلى تجديد النخب السياسية والتنظيمية وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة، وتطوير أدوات العمل السياسي بما يتلاءم مع تحولات المجتمع ووسائل التواصل الحديثة، مشيراً إلى أن عزوف قطاعات من الشباب عن العمل الحزبي التقليدي يرتبط، في جانب منه، بفجوة الثقة بينهم وبين المؤسسات والقوى السياسية، وليس بغياب اهتمامهم بالشأن العام.
كما أكد ضرورة تعزيز المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية، معتبراً أن دورها التاريخي في النضال الوطني والاجتماعي يجب أن ينعكس حضوراً حقيقياً ومستداماً في مواقع صنع القرار، بعيداً عن التمثيل الشكلي أو الرمزي.
برنامج وطني واجتماعي يلامس حياة المواطنين
وأوضح علوش أن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني تتعامل مع الانتخابات باعتبارها معركة سياسية لا يجوز للقوى الوطنية والديمقراطية أن تغيب عنها، وأن قيادة الجبهة ومؤسساتها تواصل التحضير لخوض الاستحقاق الانتخابي بما يعكس رؤيتها السياسية والاجتماعية.
وبيّن أن الجبهة تدرس مختلف الخيارات المتعلقة بشكل مشاركتها، بما في ذلك خوض الانتخابات بقائمة مستقلة، إلى جانب بحث إمكانات بناء صيغ انتخابية مشتركة مع قوى وشخصيات وطنية وديمقراطية تتقاطع معها في الرؤية والبرنامج.
وأكد أن أي تحالف انتخابي لا ينبغي أن يكون مجرد ترتيب حسابي لتجميع الأصوات والوصول إلى المقاعد، وإنما يجب أن يستند إلى برنامج سياسي واجتماعي واضح، ورؤية مشتركة للإصلاح الديمقراطي والعدالة الاجتماعية ومواجهة الاحتلال، وأن يكون قابلاً للاستمرار والعمل المشترك بعد الانتخابات.
وقال إن الجبهة لا تنظر إلى مشاركتها الانتخابية باعتبارها بحثاً عن مقاعد نيابية، بقدر ما تراها فرصة لتقديم مشروع سياسي واجتماعي متكامل، يربط بين التحرر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويضع قضايا المواطنين اليومية في صلب العمل السياسي.
وأوضح أن الأولوية ستبقى للمشروع الوطني الفلسطيني ومواجهة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وحق اللاجئين في العودة، بالتوازي مع برنامج واضح لإصلاح النظام السياسي وتعزيز الحريات والمؤسسات الديمقراطية.
وأضاف أن العدالة الاجتماعية يجب أن تكون ركناً أساسياً في أي برنامج سياسي جاد، من خلال حماية حقوق العمال، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ومواجهة الفقر والبطالة والتهميش، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتطوير التعليم والتدريب المهني، وخلق فرص العمل أمام الشباب، وبناء اقتصاد وطني أكثر قدرة على الإنتاج والصمود وأقل تبعية.
وأكد أن المواطن الفلسطيني لا يريد خطاباً سياسياً منفصلاً عن حياته اليومية؛ فهو معني بمواجهة الاحتلال والدفاع عن حقوقه الوطنية، لكنه يريد أيضاً فرصة عمل، وتعليماً جيداً، وخدمات صحية، وحماية اجتماعية، وبيئة اقتصادية عادلة، ومؤسسات يشعر من خلالها بأن صوته السياسي مؤثر وفاعل.
انتخابات بلا إقصاء أو استقطاب
وحذر علوش من تحويل الانتخابات إلى ساحة جديدة للاستقطاب والانقسام، داعياً القوى السياسية إلى الالتزام بقواعد المنافسة الديمقراطية والابتعاد عن خطاب التخوين والتحريض والإقصاء، وجعل البرامج والسياسات معياراً للتنافس، بدلاً من الانتماءات الفئوية أو العائلية أو الجهوية.
وشدد على ضرورة وضع ضوابط واضحة للتمويل الانتخابي، وضمان شفافية مصادر الأموال وأوجه إنفاقها، ومنع شراء الأصوات أو استغلال النفوذ السياسي والإداري والمالي للتأثير في إرادة الناخب، إلى جانب حماية القرار الوطني الفلسطيني من أي تدخلات أو تأثيرات خارجية.
وأكد أن الجبهة ستتعامل مع نتائج الانتخابات باعتبارها تعبيراً عن إرادة الناخبين، وستكون مستعدة للتعاون مع مختلف القوى داخل المؤسسة التشريعية في كل ما يخدم المصلحة الوطنية والاجتماعية، مع الاحتفاظ بحقها في المعارضة والرقابة عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك.
وقال إن المطلوب تجاوز منطق «الفائز يملك كل شيء والخاسر لا يملك شيئاً»، لأن هذا المنطق لا ينتج نظاماً ديمقراطياً مستقراً، وإنما المطلوب حكومة فاعلة، وبرلمان قوي، ومعارضة مسؤولة، وقضاء مستقل، وإعلام حر، ومجتمع مدني قادر على الرقابة والمساءلة.
حماية الانتخابات من التعطيل والتدخل الخارجي
وأكد علوش أن نجاح العملية الانتخابية يتطلب إجراءات وطنية جادة، إلى جانب تحرك سياسي ودبلوماسي دولي يحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته، وفي مقدمتها الضغط على حكومة الاحتلال لتمكين الفلسطينيين من ممارسة حقهم الديمقراطي وإجراء الانتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
وحذر من أن حكومة الاحتلال الإسرائيلية قد تسعى إلى تعطيل العملية الانتخابية أو عرقلة إجرائها، في إطار سياسات تستهدف تقويض السلطة الوطنية الفلسطينية وإضعاف النظام السياسي الفلسطيني ومنع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
وقال إن السياسات الإسرائيلية القائمة على الضم والاستيطان والتهجير وتقويض حل الدولتين تشكل تهديداً مباشراً ليس فقط للمشروع الوطني الفلسطيني، وإنما أيضاً لأي مسار ديمقراطي داخل المجتمع الفلسطيني، الأمر الذي يستدعي موقفاً دولياً واضحاً يرفض التدخل في الإرادة السياسية للشعب الفلسطيني.
وأضاف أن المجتمع الدولي، الذي يواصل الحديث عن إصلاح النظام السياسي الفلسطيني وتجديده، مطالب بأن يدرك أن الإصلاح الحقيقي يمر عبر صناديق الاقتراع والطرق الديمقراطية، وليس عبر الإقصاء أو التهميش أو فرض ترتيبات سياسية من خارج الإرادة الشعبية.
الديمقراطية مدخل لإعادة بناء المشروع الوطني
وختم علوش بالتأكيد أن الانتخابات المقبلة ينبغي ألا تكون مناسبة لإعادة إنتاج الماضي، وإنما فرصة لفتح الطريق أمام المستقبل، وإعادة بناء النظام السياسي وتجديد المشروع الوطني واستعادة ثقة المواطن بالمؤسسات.
وقال إن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني لا تريد أن تدخل الانتخابات مستندة فقط إلى رصيدها التاريخي والنضالي، وإنما تسعى إلى تحويل هذا الرصيد إلى مشروع سياسي جديد يواكب تحولات المجتمع الفلسطيني، ويمنح الأجيال الجديدة مساحة أوسع للمشاركة، ويضع قضايا العمال والفئات الشعبية والشباب والنساء في قلب البرنامج الوطني.
وأضاف أن المعركة الحقيقية لا تنتهي يوم إعلان النتائج، بل تبدأ بعد ذلك، عندما تتحول الإرادة الانتخابية إلى مؤسسات فاعلة وسياسات عامة وإصلاحات ملموسة.
وأكد أن الشعب الفلسطيني الذي يناضل من أجل الحرية والاستقلال يستحق نظاماً سياسياً يحترم حريته وكرامته وحقه في الاختلاف والمشاركة وصناعة القرار، مشدداً على أن إصلاح النظام السياسي ليس ترفاً ولا قضية مؤجلة، بل جزء من معركة التحرر الوطني وشروط القدرة على مواجهة الاحتلال وبناء الدولة والمجتمع اللذين يناضل الشعب الفلسطيني من أجلهما.
وختم بالقول: لا خيار ولا طريق سوى الاحتكام إلى الشعب وصناديق الاقتراع لدمقرطة النظام السياسي الفلسطيني وتطويره وإصلاحه، باعتبار ذلك حاجة وطنية تفرضها حالة تآكل النظام السياسي القائم وتقادم آلياته وطرق التمثيل فيه، وبما ينسجم مع التحول الطبيعي للحركة الوطنية الفلسطينية وانتقالها من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.