1:15 صباحًا / 22 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

من قومية الى بيسان إلى الشتات ، بقلم : محمد توفيق صعابنة

من قومية الى بيسان إلى الشتات ، بقلم : محمد توفيق صعابنة


حين سقطت بيسان في الثاني عشر من أيار سنة ١٩٤٨، كان أهل قومية قد عرفوا التهجير قبل ذلك بأسابيع، خرجوا من قريتهم، وحمل كثير منهم ما استطاعوا حمله إلى بيسان، كأن المدينة كانت المحطة الأخيرة قبل أن تتشعب بهم طرق النزوح، لم يكونوا زائرين ولا جيرانًا عابرين، بل أهل قرية اقتلعوا من أرضهم ووجدوا أنفسهم مرة أخرى في قلب حرب تتبدل خرائطها من يوم إلى آخر.

كان أمين الحاج علي بين من بقوا في بيسان حتى اللحظات الأخيرة. وتروي الذاكرة العائلية أنه كان من آخر من سلّم سلاحه، بعدما اتخذ موضعه فوق مركز الشرطة في المدينة. وبعد سقوط بيسان ألقي القبض عليه مع أخيه توفيق، واقتيدا إلى مقر القائد الميداني داوود يزهار، المعروف أيضًا باسم دوديك يبزوري، وهو من تل يوسف، وكان من القادة الميدانيين في منطقة وادي بيسان، ثم أصبح نائب قائد الكتيبة الثالثة عشرة جدعون التابعة للواء غولاني.

لم يكن داوود مجهولًا لأهل قومية. فقد عرفوه منذ سنوات، وكان معروفًا بينهم بلقب مخضر، وكانت له صلات طيبة بأهالي القرية وبمختارها علي اليوسف السيد احمد لكن سقوط بيسان بدّل مواقع الرجال في لحظة واحدة، وصارت معرفة الأمس عاجزة أمام منطق الحرب. كان أمين أسيرًا، وكان القرار يتجه إلى إعدامه.

عندها تدخل مختار قومية، علي اليوسف، لم يدخل على داوود مستجديًا، بل خاطبه بلسان الجار الذي يعرف الرجل الذي أمامه ويعرف كذلك أن الحرب لم تقل كلمتها الأخيرة. ذكّره بالجوار الذي جمع قومية بتل يوسف، ثم قال له، كما بقيت العبارة في ذاكرة الأسرة، نحن جيران، وأنا اليوم أحتاج منك خدمة. بعد ثلاثة أيام ستدخل الجيوش العربية، وقد ينقلب الموقف، وربما تحتاج أنت إليّ يومًا لأنقذك، كما أطلب منك اليوم أن تنقذ أمين.

كانت العبارة ابنة لحظتها تمامًا، سقطت بيسان في الثاني عشر من أيار، ولم يكن يفصلهم عن الخامس عشر من أيار، موعد انتهاء الانتداب ودخول الجيوش العربية، إلا ثلاثة أيام. في تلك الساعات لم يكن أحد يعرف لمن ستكون اليد العليا بعد أيام قليلة، ولا إلى أي جهة ستدور الحرب.

استجاب داوود لطلب المختار، توقف تنفيذ الإعدام، وأطلق سراح أمين الحاج علي واخية توفيق.

غير أن النجاة من الموت لم تكن عودة إلى الحياة التي عرفها. كانت قومية قد أصبحت خلف أهلها، وكانت بيسان نفسها قد سقطت، فبدأ الرحيل مرة أخرى. اتجه كثير من أهالي قومية إلى الناصرة، يحملون معهم ما بقي من بيوتهم في الذاكرة وما استطاعوا حمله بأيديهم.

أما أمين الحاج علي، فقد كان يخشى أن يعاد اعتقاله، ولذلك لم يستقر مع بقية أهله في الناصرة، بل لجأ إلى الرينة شمال الناصرة. ولم يكن ذلك سوى محطة أخرى في رحلة النجاة. فمن الرينة مضى سيرًا على الأقدام نحو الجنوب اللبناني، ثم امتدت الرحلة حتى إربد. وكان برفقتهم علي سليمان الدهيمش، أبو فيصل، الذي رافقهم في الطريق حتى وصلوا إلى إربد، ثم عاد بعد ذلك إلى الناصرة واستقر فيها .

وفي الوقت نفسه كانت أم أمين قد أخذتها موجة النزوح في اتجاه آخر، فانتهى بها المطاف في قرية الباقورة شرق نهر الأردن. وفي أيام قليلة تفرقت الأسرة التي كانت تجمعها قومية بين الناصرة والرينة والجنوب اللبناني وإربد والباقورة. لم يعد الشتات كلمة تصف الرحيل، بل صار جغرافيا جديدة للعائلة، تتباعد فيها الوجوه كلما ابتعدت الخطوات عن القرية الأولى.

ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للشتات، لم يكن ما جرى انتقالًا واحدًا من مكان إلى آخر، بل سلسلة من الاقتلاعات المتلاحقةK قومية أولًا، ثم بيسان، ثم الناصرة والرينة والجنوب اللبناني وإربد والباقورة. وبين تلك الأماكن بقي اسم القرية حاضرًا بوصفه المكان الذي سبق كل هذا التفرق، والمكان الذي ظل يجمعهم في الذاكرة بعدما عجزت الجغرافيا عن جمعهم.

أما الرجل الذي يظهر في الصورة التاريخية لفرقة تل يوسف، وقد وضعت حول وجهه دائرة حمراء، فهو بحسب تحديد الرواية داوود يزهار، المعروف أيضًا باسم دوديك يبزوري، القائد الميداني الذي ارتبط اسمه في ذاكرة أهل قومية بتلك اللحظة الفاصلة في بيسان، حين وقف المختار علي اليوسف بين أمين الحاج علي والموت.

ملاحظة توثيقية
المصدر الأرشيفي الإسرائيلي المتعلق باسم داوود يزهار وصورته ومسيرته في تل يوسف ووادي بيسان هو مواد أرشيف تل يوسف والمصادر التاريخية.

من قومية الى بيسان إلى الشتات ، بقلم : محمد توفيق صعابنة

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم السبت

أسعار الذهب اليوم السبت

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم السبت 22 أغسطس كالتالي :عيار 22 96.300 دينارعيار 21 …