12:21 مساءً / 18 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

البدلة التي تحمي الحياة: رجل الشرطة الفلسطيني بين واجب الأمن واستهداف الصورة ، بقلم: د. لؤي زيدان زعول

البدلة التي تحمي الحياة: رجل الشرطة الفلسطيني بين واجب الأمن واستهداف الصورة

البدلة التي تحمي الحياة: رجل الشرطة الفلسطيني بين واجب الأمن واستهداف الصورة ، بقلم: د. لؤي زيدان زعول

ملخص المقال:

  1. رجل الشرطة إنسان قبل أن يكون رجل أمن، ولكنه عندما يرتدي البدلة يحمل مسؤولية حماية الناس والممتلكات والنظام العام.
  2. البدلة العسكرية ليست مجرد لباس؛ إنها رمز للانضباط والقانون والخدمة والتضحية، ويجب أن تبقى صورتها شامخة في وعي المواطن.
  3. الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية جزء من قوة المجتمع النفسية والاجتماعية، وحمايتها تعني حماية السلم الأهلي والقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات.
  4. رسالة إلى رجل الشرطة الفلسطيني: نحن نرى جهودكم، ونقدّر تضحياتكم، ونؤمن بأنكم جزء أصيل من هذا المجتمع، وأن الحفاظ على صورتكم ومكانتكم هو حفاظ على الثقة بالقانون والمؤسسة والدولة.

في المجتمعات التي تبحث عن الاستقرار، لا يُقاس حضور المؤسسة الأمنية فقط بقدرتها على مواجهة الجريمة أو حفظ النظام، بل بقدرتها على حماية الإنسان، وصون الممتلكات، وإسناد المواطنين في تفاصيل حياتهم اليومية، والحفاظ على السلم الأهلي في أصعب الظروف. ومن هنا تبرز مكانة المؤسسة الأمنية الفلسطينية، وفي مقدمتها جهاز الشرطة، باعتبارها جزءًا أصيلًا من بنية المجتمع، ومكوّنًا أساسيًا من مقومات استمرار الحياة العامة.

وتزداد أهمية هذا الدور في ظل الظروف الفلسطينية شديدة التعقيد، وما تشهده المدن والقرى والمخيمات والتجمعات الفلسطينية من اعتداءات وانتهاكات متواصلة من جيش الاحتلال والمستوطنين، وما يرافق ذلك من ضغوط أمنية ونفسية واجتماعية واقتصادية متراكمة على المواطن ورجل الأمن في آن واحد.

وفي الفترة الأخيرة، برز نمط مقلق يتمثل في استهداف رجال الشرطة والأجهزة الأمنية الفلسطينية، وملاحقتهم أثناء قيامهم بمهامهم، ونشر صور ومشاهد تظهر رجل الأمن الفلسطيني في حالات توقيف أو تفتيش أو تقييد، في محاولة تتجاوز استهداف الفرد إلى التأثير في الصورة الذهنية التي يحملها المواطن عن مؤسسته الأمنية.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي ، فإن الصورة لا تُعد مجرد مشهد عابر؛ فالصور المتكررة قادرة على صناعة الانطباعات، وترسيخ الصور النمطية، والتأثير في مشاعر الثقة والانتماء والقدرة على الصمود. وعندما يتم تكرار مشاهد الإهانة أو الإضعاف أو العجز أمام الجمهور، فإن الرسالة المقصودة قد لا تكون موجهة إلى رجل الشرطة وحده، وإنما إلى المجتمع بأكمله؛ في محاولة لإضعاف ثقته بمؤسساته، وإشعاره بالعجز، وزعزعة شعوره بالأمان.

ولهذا، فإن التعامل مع هذه المشاهد يجب ألا يكون من زاوية الحدث الأمني فقط، وإنما من زاوية الحرب على الصورة والوعي والمشاعر الجماعية.

أولًا: رجل الشرطة هو إنسان يحمي حياة الناس قبل أن يكون صاحب بدلة رسمية.

رجل الشرطة الفلسطيني ليس مجرد فرد يرتدي زيًا عسكريًا، وإنما هو ابن هذا المجتمع، يعيش بين الناس ويعرف احتياجاتهم وتحدياتهم، ويخرج إلى عمله في ظروف قد لا يعرف فيها إن كان سيعود إلى أسرته سالمًا.

إنه موجود في الشوارع والطرقات، ينظم حركة الناس، ويحمي الممتلكات، ويتعامل مع الحوادث، ويسند المواطنين في الظروف الإنسانية، ويشارك في تنظيم المناسبات، ويحافظ على النظام العام، ويتدخل عند وقوع الخلافات والأزمات، ويعمل على حماية الأرواح والممتلكات العامة والخاصة.
وقد دفع العديد من أبناء المؤسسة الأمنية الفلسطينية أثمانًا كبيرة من أجل القيام بهذا الواجب؛ فمنهم من استشهد، ومنهم من أصيب، ومنهم من تعرض للاعتقال، ومنهم من عاش سنوات طويلة في ظروف بالغة الصعوبة.

لذلك، فإن احترام رجل الشرطة لا يعني احترام شخص بعينه فحسب، بل يعني احترام الوظيفة التي يقوم بها، والواجب الذي يؤديه، والمجتمع الذي يخدمه.

ثانيًا: البدلة العسكرية صورة وطنية يجب أن تبقى شامخة في وجدان المواطن.

للزي الرسمي في علم النفس الاجتماعي دلالة تتجاوز شكله الخارجي؛ فهو يمثل سلطة القانون والانضباط والمسؤولية والحماية. ولهذا فإن محاولة إظهار رجل الأمن بصورة مهينة أو عاجزة لا تستهدف شخصه فقط، بل تستهدف المعنى الذي تمثله البدلة في ذهن المواطن.
وهنا تقع مسؤولية المجتمع والإعلام والمؤسسات الوطنية ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في عدم التحول إلى أدوات لنشر الصورة التي يريدها المعتدي.

فليس كل مشهد يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي حقيقة مكتملة، وليس كل صورة يجب أن تتحول إلى مادة للسخرية أو الإحباط أو التشكيك. وأحيانًا تكون الصورة نفسها جزءًا من رسالة نفسية مقصودة تهدف إلى إضعاف الثقة بالمؤسسة وإرباك العلاقة بين المواطن ورجل الأمن.

ومن هنا، فإن حماية صورة رجل الشرطة لا تعني إخفاء الأخطاء أو منع النقد البناء، بل تعني التمييز بين النقد المسؤول وبين حملات الإهانة والتشهير والتضليل التي تستهدف المؤسسة الأمنية والمجتمع معًا.
فالمواطن بحاجة إلى أن يرى في رجل الشرطة صورة الإنسان الذي يقف إلى جانبه، لا صورة الشخص الذي جرى تجريده من مكانته أمام الآخرين.

ثالثًا: حماية المؤسسة الأمنية هي حماية للسلم الأهلي والتماسك الاجتماعي.

في علم النفس الاجتماعي، ترتبط المجتمعات المستقرة بدرجة الثقة بين أفرادها ومؤسساتها. وكلما ازدادت الثقة، أصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والصدمات، وكلما تراجعت الثقة انتشرت مشاعر الخوف والعجز والشك والانقسام.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية المؤسسة الأمنية الفلسطينية.

إن رجل الأمن الذي يعمل تحت الضغط، وفي ظل الاحتلال والاعتداءات المتواصلة، يحتاج إلى أن يشعر بأن المجتمع يقف إلى جانبه، وأن المواطن يقدّر تضحياته، وأن النقد الذي يوجَّه إليه هو نقد يهدف إلى الإصلاح وليس أداة للإهانة والتحريض.

إن تعزيز العلاقة بين المواطن ورجل الشرطة ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية ونفسية واجتماعية.

كما أن المجتمع الدولي مطالب بالنظر بجدية إلى ما يتعرض له أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية أثناء قيامهم بالمهام المرتبطة بحماية المدنيين وتنظيم الحياة العامة، والعمل على احترام القواعد والمبادئ التي تحكم حماية الأشخاص القائمين بمهام إنفاذ القانون، وعدم السماح بأن تتحول الاعتداءات على رجل الأمن إلى وسيلة لإرباك الحياة المدنية أو تقويض الاستقرار المجتمعي.

رابعًا: رسالة إلى رجل الشرطة الفلسطيني.

إلى كل رجل شرطة يقف على حاجز أو في شارع، أو ينظم حركة السير، أو يستجيب لنداء مواطن، أو يحمي مؤسسة، أو يتعامل مع حادث، أو يسند عائلة في ظرف صعب.

نحن نراك:

نعرف أن المهمة ليست سهلة، ونعرف أن الظروف التي تعمل فيها ليست طبيعية، ونعرف أن وراء هذه البدلة إنسانًا له أسرة وأبناء وأحلام ومخاوف، لكنه اختار أن يؤدي واجبه تجاه الناس.

ولا ينبغي لصورة عابرة أو مشهد صادم أن يمحو تاريخًا طويلًا من العمل والتضحية والخدمة.

فقد تُقيّد يد رجل الشرطة في لحظة، لكن لا يمكن تقييد قيمة الواجب الذي حمله، ولا يمكن إلغاء المعنى الذي تمثله البدلة التي ارتداها آلاف الفلسطينيين وهم يؤمنون بأن حماية المجتمع مسؤولية وشرف.

ثلاث رسائل يجب أن تبقى حاضرة:

  1. رجل الشرطة إنسان قبل أن يكون رجل أمن، ولكنه عندما يرتدي البدلة يحمل مسؤولية حماية الناس والممتلكات والنظام العام.
  2. البدلة العسكرية ليست مجرد لباس؛ إنها رمز للانضباط والقانون والخدمة والتضحية، ويجب أن تبقى صورتها شامخة في وعي المواطن.
  3. الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية جزء من قوة المجتمع النفسية والاجتماعية، وحمايتها تعني حماية السلم الأهلي والقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات.

وفي النهاية: فإن الاحتلال قد يحاول استهداف رجل الأمن، وقد يحاول كسر صورته في عيون الناس، وقد يسعى إلى صناعة مشاهد الإحباط والعجز؛ لكن وعي المجتمع قادر على إفشال هذه الرسائل.

نحن، كباحثين وأكاديميين وفاعلين في المجتمع الفلسطيني، نؤكد تقديرنا واحترامنا لكل الجهود التي تبذلها المؤسسة الأمنية الفلسطينية وجهاز الشرطة في حماية المواطنين والحفاظ على الحياة العامة والسلم الأهلي، وندعو إلى مزيد من الالتفاف المجتمعي حول هذه المؤسسة، وإلى خطاب مسؤول يحمي هيبتها دون أن يمنع النقد، ويعزز الثقة دون أن يلغي المساءلة.
ففلسطين تحتاج في هذه المرحلة إلى مجتمع متماسك، ومواطن واعٍ، ومؤسسة أمنية قوية مهنيًا، وصورة وطنية لا تنكسر أمام محاولات الإهانة والإحباط.

وسيظل رجل الشرطة الفلسطيني، رغم كل الظروف، جزءًا من هذا الشعب، يعيش ألمه ويحمل همومه، ويقف إلى جانب مواطنيه في أصعب اللحظات.

فحين نحمي صورة رجل الأمن، فإننا لا نحمي شخصًا فحسب؛ بل نحمي فكرة القانون، وهيبة المؤسسة، وثقة المواطن، وسلامة المجتمع والدولة.

فالبدلة التي يرتديها رجل الشرطة الفلسطيني ليست مجرد زيّ رسمي، بل هي ذاكرة من التضحية، وعنوان للخدمة، ورمز لحضور الدولة، وصورة يجب أن تبقى شامخة في وجدان المواطن.

وسيأتي اليوم الذي تنتهي فيه هذه الظروف، وتبقى فلسطين لأبنائها، ويبقى الوطن بحاجة إلى مؤسسات قوية، ومجتمع متماسك، ورجل أمن يرفع رأسه عاليًا؛ لأن البدلة التي يرتديها كانت وستبقى عنوانًا للخدمة والتضحية والانتماء.

  • – د. لؤي زيدان زعول – دكتوراه في علم النفس الاجتماعي والعملي – عضو المجلس الأكاديمي الفلسطيني – منسق تجمع العلاقات العامة / بيت لحم

شاهد أيضاً

مبادرة الحزام والطريق الصينية تحقق إنجازات بعد 10 سنوات من تأكيد شي جين بينغ على التعاون متبادل المنفعة

مبادرة الحزام والطريق الصينية تحقق إنجازات بعد 10 سنوات من تأكيد شي جين بينغ على التعاون متبادل المنفعة

شفا – CGTN – يوافق اليوم الاثنين مرور عشر سنوات على الخطاب المهم الذي ألقاه …