
أصلُ كُلِّ شيء: المعنى المَستباح والمولدُ المُغترِب ، بقلم : ماتيلدا عواد
كلُّ شيءٍ يبدأ بفكرة. قبل الكتاب، واللوحة، والمشروع، ثمة فكرة عاشت طويلًا في مكان لا يراه أحد: داخل إنسان. الفكرة ليست خيطًا عابرًا، بل هي أصل كل شيء، والاعتداء عليها ليس اعتداءً على مجرد محتوى، بل اقتلاعٌ للبذرة من رحمها الأول قبل أن تكتمل.
في جلسة عابرة جمعتني بكاتبة معروفة من بلدي واصلت طريق النشر والتحصيل الأكاديمي، بينما أخذتني ظروف الحياة بعيدًا عن المنصات ليظل ما أكتبه حبيس الأدراج، اندفعتُ تحت طائلة دفاعٍ هش عن النفس إلى شرح امتلائي. تكلمتُ أكثر مما ينبغي، وكشفتُ عن ثلاثة مشاريع أحملها منذ سنوات, مشروعٌ خاص أحتفظ بفكرته منذ زمن بعيد، وفكرتان أخريان لمشاريع كتب تفاعلية موجهة للأطفال سبق أن أرسلتهما عبر البريد الإلكتروني إلى أكثر من شخص طلباً للمساعدة في تطويرهما أو إيجاد جهة تتبناهما ضمن برامج كـ “السلة الثقافية”.
كان خطئي أنني تكلمت. غفلتُ عن أن بعض ما لم يولد بعد يحتاج إلى الحراسة والصمت أكثر مما يحتاج إلى الحماس. لكنّ خطئي في الحديث لا يمنح أحدًا حق محو المصدر، وتأخري في التنفيذ لا يجعل الجهد الفكري مشاعًا يُستباح.
بعد فترة، رأيت إحدى تلك الأفكار تتحول إلى واقع، محتوى وفيديوهات تُقدم للجمهور وكأنها نبتت من العدم. لم يكن الوجع ناجمًا عن نجاح المشروع.. فالكاتب الحق لا يحسد فكرته حين ترى الضوء.. إنما كان الوجع في اغتراب الفكرة، أن تراها تنظر إليك تحمل اسمًا آخر، بعدما أُسقط منها أصلها وصاحبها الأول.
إن هناك سرقةً أشدَّ قسوة وأسوأ من أي سرقة أخرى, فمن يسرق بيضة اليوم قد يستسهل سرقة الجمل غدًا، والسرقة من الفم والأحاديث أشد جُرمًا من سرقة النص المكتوب. النص المكتوب يُقارن، والكتب لها تواريخ نشر، أما الفكرة قبل تجسدها فلا تملك سوى ذاكرة صاحبها، ورسائله، ومجلّداته التي تنتظر.
وهنا تحديدًا تتجلى أخلاق الإبداع. ليس كل تشابه سرقة، لكن حين يتلقى المرء الفكرة مباشرة من صاحبها ثم يقدمها للناس دون إشارة، تُصبح القضية قضية أمانةٍ لا شطارة تنفيذ. السرعة ليست ابتكارًا، والإشهار لا يمنح شهادة ميلاد جديدة للمشروع. المبدع الحقيقي هو من يجلس أمام صفحة بيضاء ليولد أفكاره الخاصة، لا من يقتنص ما سمع في المجالس المغلقة ليصوغ منه نجاحه المستعار.
أنا لا أطالب باسترداد ما صار مشهورًا، ولا أبحث عن عتابٍ مباشر. أكتب فقط لتثبيت أصل الفكرة وحقها في نسبها، ليعلم كل من أخذ حق غيره أن النجاح المكتسب بسلب الأفكار يظل خاوياً من الروح. فالنجاح لا يعيد كتابة الماضي، ولا يستطيع أحدٌ مصادرة اللحظة التي ولدت فيها الفكرة في رأسي أول مرة. الأدراج ليست مقابر للأفكار بل أرحامها، والفكرة التي اغتربت تعرف جيدًا من أي قلب خرجت أول مرة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.