4:09 مساءً / 17 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

جمال أبو رقعة… حين يصبح العطاء وطنًا، ويصبح الرحيل شهادة ، بقلم: سامي إبراهيم فودة

جمال أبو رقعة… حين يصبح العطاء وطنًا، ويصبح الرحيل شهادة

جمال أبو رقعة… حين يصبح العطاء وطنًا، ويصبح الرحيل شهادة ، بقلم: سامي إبراهيم فودة


لم يكن جمال محمد درويش أبو رقعة رجلًا عابرًا في حياة من عرفوه، ولم تكن مسيرته مجرد صفحاتٍ من العمر تُطوى برحيله؛ فقد كان من أولئك الذين يتركون خلفهم أثرًا أكبر من أعمارهم، وذكرياتٍ أوسع من حضورهم، وسيرةً طيبةً لا تستطيع الأيام أن تطمس ملامحها.
كان جمال ابن خانيونس، المدينة التي أنجبت من رحم الألم رجالًا عرفوا معنى الانتماء، وُلد في 10 يناير/كانون الثاني 1971، وكان أصغر إخوته الشباب، ونشأ على حب العلم والاجتهاد، متسلحًا بالأخلاق قبل المعرفة، وبالإصرار قبل الشهادة.
درس في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وكان من الطلبة المتفوقين المتميزين، ثم واصل طريقه العلمي حتى حصل على دبلوم المعلمين في تخصص اللغة العربية من معهد المعلمين؛ ليحمل رسالة التربية والتعليم، لا بوصفها مهنةً فحسب، وإنما باعتبارها رسالةً لبناء الإنسان وصناعة المستقبل.
ومنذ سنوات شبابه الأولى، لم يكن جمال بعيدًا عن هموم وطنه وشعبه. شارك في الانتفاضة الفلسطينية، وكان سندًا للمطاردين وأبناء الحركة الجماهيرية، ثم انضم إلى كتائب الأقصى – فلسطين، ومضى في طريقٍ آمن بأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بكثرة الكلام، وإنما بما يقدمه الإنسان لوطنه وشعبه حين تشتد المحن.
وكان فتحاويًا حتى النخاع؛ ناشطًا في الإطار التنظيمي لحركة فتح، وعضوًا في لجنة الحصر والتنظيم، يحمل انتماءه بوصفه جزءًا من هويته الوطنية، دون أن يسمح للانتماء التنظيمي أن يحجب عنه إنسانيته أو أن يضيّق قلبه عن أبناء شعبه.
جمال… الرجل الذي اختار الأطفال أبناءً لقلبه
في عام 2012، أسس جمال جمعية مركز يافا الشبابي، وتولى رئاستها حتى يوم استشهاده، فتحولت الجمعية إلى مساحةٍ نابضة بالحياة، ومنارةٍ لخدمة الأطفال والشباب، من خلال الحضانة والبرامج التعليمية والثقافية والترفيهية.
كان جمال يحب الأطفال بصورةٍ استثنائية.
ولأنه لم يُرزق بأبناء، فتح قلبه لكل أطفال المركز، وكأن القدر عوّضه عن الأبناء الذين لم يحملهم بين ذراعيه، بعشرات ومئات الأطفال الذين وجدوا فيه أبًا حنونًا، وصديقًا قريبًا، ووجهًا يبعث الطمأنينة والفرح.
كان يعرف تفاصيلهم، يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويبحث دائمًا عن مساحةٍ صغيرة للابتسامة وسط عالمٍ أثقلته الحرب.
لم يكن يرى الطفل رقمًا في سجل، ولا اسمًا في قائمة؛ كان يرى فيه إنسانًا صغيرًا يستحق أن يحلم، وأن يتعلم، وأن يضحك، وأن يعيش طفولته بعيدًا عن الخوف.
وهكذا أصبح مركز يافا الشبابي أكثر من جمعية؛ أصبح جزءًا من روحه، وامتدادًا لقلبه، ومكانًا يترجم فيه جمال إيمانه بأن خدمة الإنسان هي واحدة من أصدق صور الانتماء للوطن.
في زمن النزوح… ظل جمال واقفًا
حين جاءت الحرب، وسقطت البيوت، وضاقت الأرض بأهلها، وبدأت رحلة النزوح والتهجير، كان بإمكان جمال أن يكتفي بالنجاة، لكنه لم يعرف لنفسه طريقًا سوى طريق الناس.
خلال فترة النزوح، واصل خدمة النازحين والمجتمع، وساهم في توزيع المساعدات الإغاثية، ومدّ يده لكل من احتاج إليه، دون تمييز أو تحيز.
كان يساعد من يطلب منه المساعدة، ويقف إلى جانب الناس بصمت، دون أن ينتظر شكرًا أو مديحًا.
كان ذلك هو جمال الذي عرفه الناس:
قلبٌ طيب، ويدٌ ممدودة، ووجهٌ بشوش، وروحٌ لا تعرف إلا العطاء.
وفي أشد أيام الحرب قسوة، ظل على تواصل مع وزارة الثقافة الفلسطينية من أجل تنظيم الأنشطة، وكان يستعد لإقامة نشاطٍ بمناسبة اليوم الثقافي الفلسطيني؛ وكأن جمال كان يريد أن يقول للحرب: إننا وإن فقدنا البيوت، فلن نفقد الثقافة، وإن حاصرتنا الخيام، فلن نتخلى عن حق أطفالنا في الفرح والحياة.
يوم الرحيل… 25 فبراير 2024
في 25 فبراير/شباط 2024، كان جمال يقيم في خيام مواصي رفح، وسط نزوحٍ قاسٍ، وتعبٍ لا يعرفه إلا من عاشه، وطائراتٍ لا تفارق سماء غزة.
بعد صلاة العصر، ورغم التعب، أصر على الذهاب إلى منزله لإحضار بعض الاحتياجات الضرورية الخاصة بالمركز والأنشطة.
رافقه ابن أخيه خميس، الذي كان شديد التعلق به، يلازمه ويناديه بحب: “يا با”.
خرج جمال وخميس، ولم يكونا يعلمان أن الطريق القصير الذي سلكاه سيكون طريقهما الأخير في هذه الدنيا.
وبين المارة، كان قناص الاحتلال يتربص.
أطلق الرصاص بصورة مباشرة، فسقط جمال وخميس.
كان محمود، والد خميس، قريبًا منهما، وظن في البداية أن إطلاق النار يستهدفه، فاحتمى خلف جدار، قبل أن يدرك أن الرصاص كان قد اختار جمال وخميس هدفًا له.
حاول محمود الاقتراب لإنقاذهما، لكن رصاص القناص منعه من الوصول.
وفي تلك اللحظات التي تفصل الإنسان عن الدنيا، وحيث لا يبقى للمرء إلا صدق الكلمة الأخيرة، التفت جمال إلى من حوله ونادى:
“اذهب إلى الخيمة… اذهب وأخبرهم أننا شهداء عند الله.”
كانت تلك آخر كلماته.
كلمات رجلٍ أدرك أن الرحيل قد اقترب، فلم يترك خلفه صرخة خوف، ولا وصية دنيا، وإنما ترك شهادةً وإيمانًا وطمأنينة.
استشهد جمال محمد درويش أبو رقعة، واستشهد معه ابن أخيه خميس، لتكتب غزة فصلًا جديدًا من حكاية الشهداء الذين خرجوا لقضاء حاجة، فعادوا إلى الله شهداء.
ميسون… المرأة التي كانت نصف الطريق ونصف الحكاية
وحين نكتب عن جمال، لا يمكن أن نمرّ على اسم ميسون جمال أبو رقعة مرورًا عابرًا.
فهي زوجته، ورفيقة دربه، والمناضلة التي كانت إلى جواره في العمل الاجتماعي والإنساني والنضالي، وكانت واحدةً من خيرة ماجدات حركة فتح، حاضرةً في ميادين العطاء، ناشطةً على مختلف الأصعدة، تحمل في قلبها من الإصرار ما يجعلها جديرةً بأن تكون شريكة رجلٍ اختار أن يجعل حياته في خدمة الناس.
كانت ميسون بالنسبة لجمال أكثر من زوجة؛ كانت شريكة الرسالة، ورفيقة الطريق، والحاضرة إلى جواره في مساحات العمل المجتمعي والإنساني.
وحين كان جمال يفتح أبواب مركز يافا للأطفال والشباب، كانت ميسون تواصل حضورها في ميادين العمل والعطاء، وكأن الاثنين كانا يؤمنان بأن الوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالأيدي التي تخدم، والقلوب التي تصبر، والنساء والرجال الذين يواصلون الطريق مهما اشتدت العواصف.
هي امرأة فلسطينية بامتياز؛ في العطاء، والصبر، والتضحية، والفداء، وفي المواقف الشجاعة التي تُثبت أن المرأة الفلسطينية لم تكن يومًا على هامش الحكاية، بل كانت في قلبها.
رحل جمال… وبقيت الحكاية
رحل جمال، لكن الأشياء التي أحبها لم ترحل معه.
بقي الأطفال الذين أحبهم، وبقيت أروقة مركز يافا شاهدةً على رجلٍ جعل من العمل المجتمعي رسالة، وبقيت ذاكرة من ساعدهم، ووجوه من أفرحهم، ودعوات الذين وجدوا يده ممدودةً إليهم في زمنٍ عزّت فيه الأيدي.
بقيت سيرته بين أبناء شعبه، وبقي اسمه في ذاكرة فتح وأبناء الحركة، وبقيت قصته شاهدًا على جيلٍ لم يكن يرى في خدمة الناس فضلًا، بل واجبًا.
لقد كان جمال من أولئك الذين لا يحتاجون إلى كثير من الكلمات كي يُعرَفوا؛ يكفي أن تسأل طفلًا عرفه، أو شابًا خدمه، أو نازحًا أعانه، أو إنسانًا طرق بابه يومًا، لتكتشف أن الرجل الذي غاب جسده ما زال حاضرًا في قلوب كثيرة.
هكذا يكون الإنسان حين يجعل حياته للناس؛ لا ينتهي حين يموت، وإنما يبدأ حضوره الحقيقي في ذاكرة الذين ترك فيهم أثرًا جميلًا.
رحم الله الشهيد القائد المجتمعي
جمال محمد درويش أبو رقعة،
ورحم الله ابن أخيه الشهيد خميس،
وتقبلهما الله في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وربط الله على قلب زوجته ورفيقة دربه، المناضلة ميسون جمال أبو رقعة، وعلى قلوب أهلهما ومحبيهما وكل من عرف جمالًا وأحبّه.
سلامٌ على جمال يوم وُلد،
وسلامٌ عليه يوم حمل رسالة العلم،
وسلامٌ عليه يوم حمل هموم الناس،
وسلامٌ عليه يوم خرج إلى طريقٍ لم يعد منه،
وسلامٌ عليه يوم قال كلمته الأخيرة:
“أخبرهم أننا شهداء عند الله.”
فطوبى لرجلٍ عاش للناس،
ورحل شهيدًا،
وبقيت سيرته تقول للأجيال:
إن أجمل ما يتركه الإنسان خلفه ليس المال ولا الجاه… بل أثرٌ طيبٌ في حياة الآخرين.

شاهد أيضاً

نشرة أخبار اقتصادية صينية

نشرة أخبار اقتصادية صينية

نشرة أخبار اقتصادية صينيةنقلاً عن شينخوا 1.8 بالمائة زيادة في استثمارات السكك الحديدية في الصين …