
“مِن مِعاجمِ الشُّعور” ، بقلم : الأديبة إيمان مرشد حمّاد
في معاجمِ الُّلغة، وتحديداً في بابِ “الذال ” مع فصل “الباء” ، تَجِدُ الفعلَ “ذَبَحَ” ، ويستفادُ مِن المعنى قَطعُ الحلقومِ وسَيلانُ الدَّمِ خارج الجسم ولكن نسيَّ علماءُ النحوِّ نوعاً أبشعُ مِن هذا وهو الذبحُ دونَ القطع، ودونَ سيلانِ الدَّم .فمُعجمُ الشعورِ يُخبِرُكُ عن ذبحٍ تُحسُّ بهِ بكلِّ جوارحك ، ولكنَّ دمكَ لا يُراقُ، ولا يجري بل يبقى محبوساَ داخلك دماً فاسداً يورثُكَ السَّقَام؛ تُذبحُ لكنَّكَ لا تتشحطُ في دمكِ ولا تتمرغُ على الأرضِ ولا تَذرعُها طولاً وعرضاً، تُذبَحُ هكذا بكلِّ بساطة بسكينٍ مَثْلُومَة على يد جزّارٍ لهُ مِنَ الرعونةِ ما يجعلهُ يهملُ شَحذَ سكينة، وبدلاً مِن أن تفتحَ حنجرتك ، وتُخرجَ الدَّمَ حاراً تبقى حنجرتُكَ سليمة والدّمُ يغلي داخلها، يفورُ فيبلغُ حَلقك، تَغصُّ به ويحرقكَ حرقاً مِن الدرجةِ الثالثةِ دونَ أن يَلحظَ ذلكَ أحد.
ومع أنَّ البشرَ حريصونَ على إراقةِ دمِ ما يأكلونَ من الأَنعامِ خارجَ الجسمِ فإنَّهم ُلا يحرصونَ على ذلكَ عندما تكونُ الذَبيحة آدمية. ولماذا يحرصون؟ فالذبيحةُ الآدميةُ لن تُؤكل، وبالتالي فدمها الفاسد لن يُسَمَّمَهم، ولذا يتركونَ دمها داخلها يَكويها دونَ أن يَجِدَ مخرجاً ويَبقَى غيرَ مَرْئِيٍّ لأحدٍ فلا يقالُ هذهِ ذبيحةٌ أو ذاكَ مذبوح.
أما صيغةُ الفعلِ المضارع “يُذبَح” فيُفهمُ منها أنَّ الذبحَ عمليةٌ بسيطةٌ تحتاجُ الى بضع دقائق تلقي الذَبيحةُ بعدها سيقانَها للريحِ وتخمدُ حركتُها للأبد. أما مُعجَمُ الشعورِ فيخبُرَكَ عَن ذَبحٍ يحافظُ على ديمومتِهِ فهو ذبحٌ مكرَّر، متجددٌ يقطرُ ألماً وعذاباً وبؤساً.
أما مصَدرُ الفعلِ ذَبَحَ فهو ذَبْح ، ولكن معاجمُ اللغةَ لا تُنسقُ مفرداتٍ لفنونِ الذبح ، فالذبحُ فَنٌ تتقنُهُ فئةٌ معينةٌ مِنَ الناسِ بطرائقهِ وقدرتهِ على الإيلام، فالذبح قد لا يُوجَهُ بالضرورة إلى أضحيةِ العيد أو إلى دجاجةٍ مسكينةٍ بل قد يكونُ ذبحاً لروحِ إنسانٍ وعقلِهِ وقلبه وكيانِهِ واعتدادهِ بنفسه ، وقِلَّةٌ هم الجزارون الذين يتقنون ذَبحَ هذهِ النفائس، وإسمُ الفاعلُ “ذابح”، ومنها قيلَ “سعد الذابح “لأنه يذبحُنا ببردِ أيامه وزمهريرِ لياليه، والذابِح قد لا يكون جزاراً يكسبُ قوتِه من الذبح أو شهراً يشتدُ به البَردُ، بل قد يكونُ ذابحاً لبريقِ الحياة في العيون او للرغبةِ في الكينونة او للأمل في بقايا الذات.
أما اسمُ المَرةِ فهو “َذبْحَةٌ ” فيقرّرُ بأنَّ الذَبحَ لا يكونُ إلا مرةً واحدةً ولم تتطرق اللغة الى ذَبحٍ تُعاودُ فيهِ الذَّبِيحَةُ النهوضَ على قدمين قويتين لمعاركةِ الحياة ،والدمُ غير المَسفوحِ داخلها يكوي أضلعها، ومن ثم تُذبحُ مرة أخرى حتى غدا الذَّبحُ مِن شعائرِ الدنيا المتكررة التي لا يحدُّها حَدٌّ ولا يفرضها طقسٌ احتفاليٌّ أو ديني. ومن مشتقات “ذَبحَ” كلمة “تذبيح” وتفيدُ المبالغة والقيام بالفعل عدة مرات لعدة ذبائح بحيثُ تُذبحُ الواحدةُ مرة واحدة ثم ينتقلُ الذابح للذبيحةِ الأخرى وهكذا. أما في معجمِ الشُّعورِ فنجدُ أنَّ التذبيحَ قد يكونُ لمراتٍ عديدةٍ ولنفسِ الضحيةِ فيمتدُ الذَّبحُ ليشملَ التهشيم والتحطيم والتقسيم والتكسير والتهشيم والتشويه وكلّ ما كانَ على وزنِ “تفعيل”.
إيمان مرشد حمّاد
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.