
قاتل بلا محاسبة، ومقتول بلا حماية ، تأملات في أخلاقيات اللامبالاة العالمية ، بقلم : نسيم قبها
في شرعية الجريمة وسقوط الضحية بين عالمين:
في مشهد الضفة الغربية وغزة، يتجلى انقسام وجودي مذهل: قاتل يمارس القتل بلا خوف من حساب، ومقتول يُترك وحيداً في ساحات الموت، يتساءل عن سبب صمت العالم الذي يمتلئ بشعارات الحق والعدالة. هذه ليست مجرد حلقة من صراع سياسي عابر، بل هي مرآة تعكس أزمة عميقة في الضمير الإنساني المعاصر، حيث تتجرد النظريات الأخلاقية من مضمونها، وتتحول إلى خطابات تزيينية تُلفظ فوق الأنقاض.
فلسفة الشر في غزة: قراءة في مفاهيم هانا أرندت
عندما ننظر إلى المشهد الفلسطيني المكتظ من خلال عدسة الفيلسوفة هانا أرندت، نجد أن مفهومها عن “تفاهة الشر” يجد تجسيداً مرعباً له. فما يحدث في غزة والضفة ليس شراً استثنائياً يرتكبه وحوش، بل هو شر عادي وممنهج، يُرتكب بواسطة آليات بيروقراطية تتحول إلى أدوات قتل جماعي. كما تصف أرندت، يصبح القاتل مجرد ترس في آلة ضخمة، تفقد القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وتغرق في روتين القتل.
هنا يظهر التناقض الفلسفي: إذا كان الشر قد أصبح عادياً وتفاهياً، فلماذا لا يستطيع العالم رؤيته؟ الجواب يكمن في ما يصفه الفلاسفة بظاهرة “الاستثناء المأسس” التي ناقشها جيورجيو أجامبين. فلسطين، في هذا السياق، تتحول إلى “حالة استثناء” دائمة، حيث يصبح القانون معلقاً، وتتحول حياة الفلسطينيين إلى “حياة عارية” لا تستحق الحماية، “هومو ساكر” يمكن قتله دون أن يُعتبر ذلك جريمة. هذه الفلسفة تجيب عن سؤال “قاتل بلا محاسبة”: لأنه يقتل في منطقة فراغ قانوني، حيث الكلمة الفصل للمتفوق عسكرياً، وحيث يتم التعامل مع الفلسطينيين كتهديد أمني بدلاً من كونهم بشراً لهم حقوق.
قاتل بلا محاسبة: عندما يصبح القتل استثناءً مشروعاً
تكشف الوقائع على الأرض حجم هذه الجريمة الممنهجة. تشير بعض المصادر (الإسرائيلية) إلى أن أكثر من 200,000 فلسطيني قتلوا أو جرحوا في غزة خلال فترة قصيرة، وأن 83% من الضحايا هم مدنيون. وفي الضفة الأرقام تتصاعد ، هذه الأرقام لم تكن لتتحقق لولا حالة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها الجاني. إن الإفلات من العقاب ليس مجرد تقصير في تطبيق القانون، بل هو نتاج لتواطؤ دولي صريح، حيث تقدم الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغطاء السياسي والعسكري (لإسرائيل)، وتمنع أي قرار دولي حقيقي لوقف العدوان.
ويتم استخدام النظريات الفلسفية لتبرير هذا الإفلات، حيث يتم استثناء المحرقة النازية باعتبارها “شراً ميتافيزيقياً” لا يقاس به أي شر آخر، مما يقلل من أهمية جرائم الإبادة الجماعية الأخرى بما فيها الإبادة في فلسطين. وهذا ما يصفه ديفيد سكوت بـ “الاستثنائية المترابطة”، حيث يتم تهميش معاناة الفلسطينيين تاريخياً وفلسفياً.
مقتول بلا حماية: عندما تصبح الشعارات مجرد كلام
في الجانب الآخر من المعادلة، نجد المقتول الفلسطيني الذي يُترك وحيداً في مواجهة الموت. المجتمع الدولي، على الرغم من كثافة الخطاب الداعم لحقوق الفلسطينيين، يقف عاجزاً عن تقديم أي حماية حقيقية لهم. لا يوجد قرار أممي نافذ، ولا محكمة دولية رادعة، ولا حتى ممرات إنسانية آمنة. هذا الصمت ليس سلبياً، بل هو صمت فاعل، يساهم في استمرار الإبادة الجماعية بنجاح.
هنا يبرز السؤال الفلسفي الأكثر إيلاماً: أين مبدأ “مسؤولية الحماية” الذي تتبناه الأمم المتحدة؟ إن هذا المبدأ، الذي أقرته الجمعية العامة في عام 2005، تحول إلى مجرد شعار فارغ في مواجهة الإبادة في غزة. إن غياب الحماية هو دليل على انهيار المنظومة الأخلاقية العالمية، وتجسيد لنفاقها الفاضح. كما صرح أحد المحاضرين في العلاقات الدولية، “الاعتراف بدون حماية يخلق فقط شرعية رمزية تفشل في حماية الحياة البشرية”.
ازدواجية المعايير في الحياة والموت: جثة تُستعاد وأخرى تنهشها الكلاب
إن المشهد الأكثر قسوة في هذا التجريد الإنساني يتجلى في التباين الصارخ في التعامل مع الموتى أنفسهم. فبينما أصرت (إسرائيل) على استعادة رفات آخر جندي لها، وخاضت مفاوضات معقدة ودفعت ثمنها بالأسرى الأحياء، لتدفنه في مراسم عسكرية مهيبة وسط تغطية إعلامية عالمية، نجد جثث الفلسطينيين متناثرة تحت الأنقاض، تنهشها الكلاب الضالة في شوارع غزة، أو تبتلعها جرافات الاحتلال في مقابر جماعية مجهولة الهوية، وتتعرقل بها آلية رفع الدمار كما لو انها أكياس لم تعد لها حاحة ، دون أن يحرك العالم ساكناً. هذا التباين ليس مجرد مشهدية مؤلمة تثير الاشمئزاز، بل هو فلسفة متكاملة في تقييم الحياة والموت: حياة تستحق التضحية من أجل رفاتها، وأخرى لا تستحق حتى دفناً لائقاً، وكأن الفلسطيني في موته كما في حياته، مجرد رقم يضاف إلى إحصاء، أو عائق يُزال دون أثر. إنه الإعلان الصريح بأن كرامة الإنسان ليست حقاً عاماً، بل امتيازاً للبعض دون البعض، وأن النظريات الأخلاقية التي تتغنى بحرمة الجثث واحترام الموتى تسقط أمام واقع تختلف فيه قيمة التراب الذي يغطي الموتى، وتتباين فيه أحقية الذكرى والتخليد.
وهذا التجريد لا يتوقف عند حدود الجثث، بل يمتد ليشمل كل تفاصيل الحياة الفلسطينية، حيث يُحرم الملايين من أبسط مقومات الوجود، بينما تُعبّأ كل إمكانات العالم لضمان رفاهية القاتل وأمنه. إن ازدواجية المعايير هذه هي ذروة التناقض التي تصل إليها المنظومة الأخلاقية الغربية.
ازدواجية المعايير وانكشاف الضمير الغربي
يصل التناقض ذروته عندما نقارن بين ردود الفعل الغربية تجاه الحروب في أوكرانيا وغزة. بينما حظيت أوكرانيا بدعم عسكري وسياسي لا محدود، تُركت فلسطين تواجه مصيرها وحدها، مع ازدواجية معايير صارخة تكشف عن نية استعمارية مستمرة. هذا السلوك ليس مجرد موقف سياسي، بل هو انعكاس لرؤية عنصرية متأصلة، تعتبر حياة الفلسطينيين أقل قيمة من حياة الآخرين، وتؤكد أن النظريات الأخلاقية الغربية هي مجرد أدوات لتبرير الهيمنة، وليست مبادئ عالمية.
من النظري إلى العملي.. واجب التحرر
إن واقع “قاتل بلا محاسبة، ومقتول بلا حماية” ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج لخيارات أخلاقية وسياسية قابلة للتغيير. الفلسفة، هنا، ليست مجرد تأمل نظري، بل هي دعوة للفعل. إنها تكشف زيف الشعارات وتدعو إلى تجاوزها نحو تضامن فعلي، يتخذ شكل مقاطعة اقتصادية وعقوبات سياسية، ويطالب بتحقيق العدالة الانتقالية والمحاسبة، ويؤكد على حق الفلسطينيين في الوجود وتقرير المصير.
لقد آن الأوان لأن يدرك العالم أن صمته تواطؤ، وأن نظرياته الأخلاقية لا تساوي شيئاً أمام جثث الأطفال تحت الأنقاض، وأمام الكلاب التي تنهش الموتى بينما ترفرف أعلام الدول الكبرى فوق مراسم دفن جنود الاحتلال. وحده الفعل الجاد، وليس القول الأجوف، هو الكفيل بتحويل شعارات العدالة إلى حماية حقيقية للمقتول، وتحويل الشر من تفاهة معفاة من العقاب إلى جريمة يعاقب عليها التاريخ والضمير الإنساني. وحينها فقط، ستتوقف الكلاب عن نهش الجثث، وتبدأ المحاكم في محاسبة القتلة.
لخيارات أخلاقية وسياسية قابلة للتغيير. الفلسفة، هنا، ليست مجرد تأمل نظري، بل هي دعوة للفعل. إنها تكشف زيف الشعارات وتدعو إلى تجاوزها نحو تضامن فعلي، يتخذ شكل مقاطعة اقتصادية وعقوبات سياسية، ويطالب بتحقيق العدالة الانتقالية والمحاسبة، ويؤكد على حق الفلسطينيين في الوجود وتقرير المصير.
لقد آن الأوان لأن يدرك العالم أن صمته تواطؤ، وأن نظرياته الأخلاقية لا تساوي شيئاً أمام جثث الأطفال تحت الأنقاض، وأمام الكلاب التي تنهش الموتى بينما ترفرف أعلام الدول الكبرى فوق مراسم دفن جنود الاحتلال. وحده الفعل الجاد، وليس القول الأجوف، هو الكفيل بتحويل شعارات العدالة إلى حماية حقيقية للمقتول، وتحويل الشر من تفاهة معفاة من العقاب إلى جريمة يعاقب عليها التاريخ والضمير الإنساني. وحينها فقط، ستتوقف الكلاب عن نهش الجثث، وتبدأ المحاكم في محاسبة القتلة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.