
كيف تعتزم الصين تعزيز الاستهلاك؟ بقلم: تشنغ خه
أعلنت الصين مؤخراً بياناتها الاقتصادية للنصف الأول من العام، والتي أظهرت تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.3 بالمائة خلال الربع الثاني، في ظل ضعف الاستثمار واستمرار فتور الاستهلاك المحلي. وفي المقابل، ظل قطاع التجارة الخارجية المحرك الأبرز للنمو، إذ ارتفعت الصادرات بنسبة 13.4 بالمائة، بينما زادت الواردات بنسبة 22.1 بالمائة.
وبفضل سلاسلها الصناعية المتكاملة وعالية الكفاءة، حافظت الصين على مكانتها كأكبر دولة صناعية في العالم، وواصلت تسجيل أداء قوي في الصادرات رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية واستمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي. غير أن الاعتماد على الطلب الخارجي لتعويض ضعف الطلب المحلي لا يمثل حلاً طويل الأمد، وهو ما يدفع صناع القرار في الصين إلى إعادة موازنة محركات النمو، من خلال جعل تعزيز الاستهلاك أولوية رئيسية في السياسات الاقتصادية.
وقبل يومين فقط من إعلان بيانات الاقتصاد للنصف الأول من العام، وافقت الحكومة الصينية على خطة شاملة لتعزيز الاستهلاك خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030). وترسم الخطة أولويات السياسة الاقتصادية، والإصلاحات المؤسسية، والإجراءات الموجهة لمختلف القطاعات، مع هدف يتمثل في رفع إجمالي مبيعات التجزئة للسلع الاستهلاكية إلى حوالي 60 تريليون يوان (9 تريليونات دولار) بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 50 تريليون يوان في عام 2025.
وتعني زيادة الاستهلاك بنسبة 20 بالمائة خلال خمس سنوات تحقيق معدل نمو سنوي مركب يقارب 3.7 بالمائة، وهو هدف طموح، لا سيما في ظل نمو مبيعات التجزئة بنسبة 1.3% فقط على أساس سنوي خلال النصف الأول من العام الجاري. ولهذا السبب، ما لفت انتباهي بشكل خاص في خطة تعزيز الاستهلاك، هو تعزيز قدرة المواطنين على الاستهلاك.
فالرغبة في الإنفاق والقدرة عليه وجهان لعملة واحدة. فبينما تؤثر الثقة وتوقعات المستهلكين في قرارات الشراء، تظل القدرة الفعلية على الاستهلاك مرتبطة في المقام الأول بمستويات الدخل، والثروة، وشبكات الحماية الاجتماعية. وانطلاقاً من هذا الإدراك، خصصت الخطة محوراً رئيسياً لتعزيز القدرة الاستهلاكية للسكان.
ويتمثل أحد أبرز محاور الخطة في زيادة دخل الأسر عبر قنوات متعددة. فهي تدعو إلى الرفع التدريجي للحد الأدنى للأجور، إلى جانب تحسين آليات توزيع الدخل بما يكفل مكافأة العمل الجاد، والمهارات المهنية، والابتكار بعوائد مالية أفضل.
ويُعدّ سوق العقارات محوراً رئيسياً آخر في خطة تنشيط الاستهلاك، نظراً لارتباطه الوثيق بثروة الأسر. فالعقارات تمثل الحصة الأكبر من أصول الأسر الصينية، وتشير التقديرات إلى أنها تشكل نحو 70 بالمائة من إجمالي ثروة الأسر. وخلال سنوات الازدهار السريع لسوق العقارات، أسهم الارتفاع المستمر في أسعار المساكن في خلق «أثر الثروة»، ما شجع الأسر على زيادة الإنفاق والاستهلاك.
لكن استمرار التباطؤ في سوق العقارات أدى إلى نتائج معاكسة. فلم يقتصر تأثيره على إضعاف الطلب على المساكن، بل امتد أيضاً إلى تقويض ثقة المستهلكين على نطاق أوسع. ونظراً إلى التفاوت الكبير بين المدن والمناطق، يصعب قياس متوسط الانخفاض في أسعار العقارات على المستوى الوطني. ومع ذلك، تشير تقديرات العديد من المحللين إلى أن الأسعار في بعض الأسواق تراجعت بنسبة تتراوح بين 20 و30 بالمائة مقارنة بذروتها المسجلة في عام 2021.
وفي بعض الدول، قد يؤدي تراجع بهذا الحجم في سوق العقارات إلى أزمة مالية واسعة النطاق، مع ما يترتب عليها من تداعيات خطيرة على الأسر والمؤسسات المالية. إلا أن تباطؤ سوق العقارات في الصين ظل حتى الآن ضمن نطاق السيطرة، ويعود ذلك جزئياً إلى الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة في وقت مبكر للحد من الإفراط في الاقتراض والمضاربة، بما في ذلك رفع الحد الأدنى للدفعة المقدمة وفرض قيود على شراء المساكن. وقد أسهمت هذه السياسات في الحد من المخاطر النظامية، وتجنب انهيار مالي واسع النطاق على غرار أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة عام 2008.
وبعد عدة سنوات من التصحيح، بدأت سوق العقارات الصينية تُظهر مؤشرات أولية على الاستقرار، مع تباطؤ وتيرة تراجع أسعار المساكن خلال الأشهر الأخيرة. وفي الوقت الذي ساهمت فيه هذه المرحلة في تصحيح بعض الاختلالات التي شهدها السوق سابقاً، بدأت تظهر في المقابل موجة جديدة من الطلب، تتركز على المساكن الأكبر مساحة، والمساكن المطورة، والمشروعات السكنية التي توفر جودة أعلى وخدمات أفضل.
وفي هذا السياق، تحولت أولويات الحكومة نحو تطوير ما يُعرف بـ «المساكن عالية الجودة»، وهي مساكن تتميز بمستويات أعلى من السلامة والراحة والكفاءة البيئية والذكاء التقني. ومن المرجح أن يواصل قطاع العقارات أداء دور مهم في الاقتصاد الصيني، إلا أن وظيفته ونموذج نموه يشهدان تحولاً نحو مرحلة جديدة.
ويشكل سوق رأس المال المحور الآخر الذي تعول عليه الحكومة لتعزيز القدرة الاستهلاكية للأسر. فعلى خلاف الاقتصاد الأمريكي، الذي يشهد مستوى مرتفعاً من الاعتماد على الأنشطة المالية، لا يزال سوق رأس المال في الصين أقل تطوراً مقارنة بحجم اقتصادها الحقيقي. وخلال العقد الماضي، ارتفع مؤشر شنغهاي المركب بنحو 28% فقط، في حين تضاعف الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للصين أكثر من مرتين خلال الفترة نفسها.
وتدعو الخطة إلى ترسيخ الزخم الإيجابي الذي يشهده سوق رأس المال، وزيادة العائد على الأصول التي يمتلكها السكان، بما يعزز قدرتهم على الاستهلاك. وخلال موجة التعافي التي يشهدها السوق منذ عام 2024، لعبت صناديق استثمار مدعومة من الدولة، مثل شركة سنترال هويجين للاستثمار المحدودة (Central Huijin Investment Ltd.)، دوراً في دعم ثقة المستثمرين من خلال شراء الأسهم وصناديق الاستثمار خلال وجهات البيع، مع العمل في الوقت نفسه على الحد من المضاربات المفرطة عند ارتفاع السوق بوتيرة سريعة.
ويُنظر إلى بناء سوق رأسمال يتسم بالاستقرار والنمو التدريجي باعتباره جزءاً من الجهود الرامية إلى تعزيز دخل الأسر وقدرتها على الاستهلاك، بحيث يتيح للمستثمرين الأفراد الحفاظ على ثرواتهم وتنميتها على المدى الطويل، والاستفادة في الوقت نفسه من ثمار التنمية الاقتصادية القائمة على الابتكار.
كما تتضمن الخطة تعزيز منظومة الضمان الاجتماعي، من خلال تحسين نظامي التأمين الصحي الأساسي والمعاشات التقاعدية، إلى جانب زيادة الإنفاق العام على مجالات مثل التعليم، والرعاية الصحية، ورعاية كبار السن. وتنسجم هذه الإجراءات مع التوجه العام الذي تطرحه الخطة الخمسية الخامسة عشرة، والقائم على «الاستثمار في الإنسان» باعتباره ركيزة أساسية لتحقيق تنمية عالية الجودة.
وفي الوقت نفسه، ستواصل الصين جهودها لتسهيل قدوم الزوار الدوليين وتعزيز جاذبيتها كوجهة للسياحة والاستهلاك، من خلال توسيع نطاق سياسات الإعفاء من التأشيرة، وتحسين خدمات التخليص الجمركي، وتيسير إجراءات استرداد الضرائب للمغادرين.
وبفضل عدد سكانها البالغ 1.4 مليار نسمة، إلى جانب تقاليدها الراسخة في الادّخار، تمتلك الصين إمكانات استهلاكية هائلة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الطلب، بل في كيفية إطلاق هذه الإمكانات من خلال تعزيز ثقة المستهلكين، وتحسين آفاق الدخل، ورفع القدرة الشرائية للأسر.
وفي نهاية المطاف، لا يقتصر تعزيز الاستهلاك على تشجيع الناس على زيادة الإنفاق، بل يتطلب تهيئة بيئة تمنح الأسر قدراً أكبر من الطمأنينة تجاه المستقبل، وثقة أكبر في أوضاعها المالية، واستعداداً أكبر للمشاركة في المرحلة المقبلة من النمو الاقتصادي.
- – تشنغ خه، رئيسة تحرير في قسم الأعمال العالمية بشبكة CGTN – سي جي تي إن – الصين .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.