11:04 صباحًا / 22 يوليو، 2026
آخر الاخبار

الصين بعيون فلسطينية… رحلة علمية وإنسانية ألهمتني ، بقلم: مايرا حنضل


أخصائية علاج طبيعي في عيادة جامعة بيت لحم، ومحاضِرة في الجامعة

هناك رحلات نعود منها بصورٍ جميلة، وأخرى نعود منها بأفكارٍ تغيّر نظرتنا إلى العالم. أما رحلتي إلى جمهورية الصين الشعبية، فقد كانت من النوع الذي يترك أثرًا عميقًا في الفكر والإنسان معًا.

تشرفت بالمشاركة في البرنامج التدريبي المتخصص في تقنيات التمريض في الطب الصيني التقليدي، والذي أُقيم في مدينة تاييوان بجمهورية الصين الشعبية، وذلك في إطار التعاون بين محافظة بيت لحم وسفارة جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين، وبمشاركة متدربين من عدد من الدول النامية. وكانت هذه المشاركة بالنسبة لي أكثر من فرصة للتعلم؛ فقد كانت مسؤولية حمل اسم فلسطين وتمثيل جامعة بيت لحم في محفل دولي يجمع خبرات وثقافات متنوعة.

منذ اللحظة الأولى، أدركت أن هذا البرنامج لم يكن مجرد سلسلة من المحاضرات أو التدريب العملي، بل تجربة متكاملة جمعت بين المعرفة والثقافة والإنسانية. فقد أتيحت لنا الفرصة للتعرف على فلسفة الطب الصيني التقليدي، التي تنظر إلى الإنسان كوحدة متكاملة، وتسعى إلى تحقيق التوازن بين الجسد والعقل ونمط الحياة. وقد منحني ذلك منظورًا جديدًا حول أهمية التكامل بين الطب التقليدي والطب الحديث، وأثره في الارتقاء بجودة الرعاية الصحية.

وخلال فترة التدريب، تعرفنا إلى العديد من التقنيات العلاجية وأساليب الرعاية التقليدية، مثل الحجامة، والغوا شا، والموكسا، والوخز بالإبر، إضافة إلى أساليب التشخيص والتمريض المبنية على مفاهيم الطب الصيني التقليدي. كما أتيحت لنا فرصة زيارة المستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة، والاطلاع على كيفية دمج الطب التقليدي مع الطب الحديث في منظومة صحية متقدمة، الأمر الذي فتح أمامنا آفاقًا جديدة للتفكير في تطوير الممارسة المهنية والاستفادة من الخبرات العالمية.

ولم تقتصر التجربة على الجانب العلمي فحسب، بل امتدت إلى التعرف على الثقافة الصينية الغنية وتاريخها العريق. فقد زرنا عددًا من المعالم التاريخية والثقافية، وتعرفنا إلى العادات والتقاليد المحلية، ولمسنا عن قرب احترام الشعب الصيني للعلم والعمل، واعتزازه بإرثه الحضاري. كما كان لكرم الضيافة، وحسن التنظيم، والاهتمام الكبير الذي أولاه القائمون على البرنامج لجميع المشاركين، أثرٌ بالغ في جعل هذه التجربة أكثر تميزًا وإنسانية.

ومن أكثر الجوانب التي أعتز بها أيضًا، اللقاء مع مشاركين من ثقافات وخلفيات مختلفة، حيث تبادلنا الخبرات المهنية والإنسانية، واكتشفنا أن اختلاف اللغات والثقافات لا يمنع أبدًا من بناء علاقات صادقة قائمة على الاحترام والتعاون، وأن العلم يبقى اللغة المشتركة التي تجمع الجميع.

وعلى الصعيد الشخصي، منحتني هذه التجربة مساحة أوسع للنمو، ليس فقط كأخصائية علاج طبيعي، بل أيضًا كمحاضِرة تؤمن بأن المعرفة الحقيقية تزداد قيمة عندما تُنقل إلى الآخرين. وقد عدت وأنا أحمل أفكارًا جديدة وأساليب مختلفة أتطلع إلى توظيفها في عملي السريري، ونقلها إلى طلبتي في جامعة بيت لحم، بما يسهم في تطوير الممارسة الصحية والأكاديمية معًا.

كما عززت هذه الرحلة ثقتي بقدرة الشباب الفلسطيني على التميز في المحافل الدولية، وأكدت لي أن تمثيل الوطن لا يكون بالكلمات فقط، بل بالالتزام، والاجتهاد، واحترام الآخر، والسعي الدائم إلى نقل صورة مشرقة عن فلسطين وشعبها.

وفي عالمٍ تتسارع فيه المعرفة وتتقارب فيه الشعوب، تبقى مثل هذه البرامج فرصة حقيقية لبناء جسور التعاون وتبادل الخبرات بين الدول. وقد أدركت من خلال هذه التجربة أن قيمة أي معرفة لا تكتمل إلا عندما تعود بالنفع على المجتمع الذي ننتمي إليه.

عدت إلى فلسطين وأنا أحمل مسؤولية أكبر تجاه مهنتي ومجتمعي، وإيمانًا أعمق بأهمية التعلم المستمر والانفتاح على التجارب العالمية، بما يسهم في تطوير الممارسة الصحية والتعليمية، ويعكس الصورة المشرقة للكفاءات الفلسطينية القادرة على الحضور والمنافسة والتميز.

وأفتخر بأنني مثّلت فلسطين وجامعة بيت لحم في هذه التجربة، وأتطلع إلى أن تكون هذه المشاركة بداية لمزيد من التعاون العلمي والثقافي بين فلسطين والصين، وأن أتمكن من نقل ما اكتسبته من معرفة وخبرة إلى طلبتي وزملائي ومرضاي، إيمانًا بأن العلم رسالة، وأن أفضل ثماره هي تلك التي تنعكس أثرًا إيجابيًا على الإنسان والمجتمع.

وفي الختام، أتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى محافظة بيت لحم على إتاحة هذه الفرصة القيمة، وإلى سفارة جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين على جهودها في دعم وتعزيز التبادل العلمي والثقافي، كما أتوجه بالشكر إلى الحكومة الصينية والجهات المنظمة للبرنامج في مدينة تاييوان، على حسن الاستقبال والتنظيم وما قدموه من علمٍ وخبرةٍ ورعاية طوال فترة التدريب.

لقد كانت هذه الرحلة محطةً استثنائية في مسيرتي المهنية والإنسانية، وعدت منها وأنا أحمل معرفةً أوسع، وخبرةً أغنى، وإيمانًا أكبر بأن العلم والحوار والتعاون بين الشعوب هي جسورٌ تبني مستقبلًا أفضل. وستبقى هذه التجربة مصدر إلهام يدفعني إلى مواصلة التعلم والعطاء، وخدمة وطني ومجتمعي بكل ما اكتسبته من علم وخبرة، لأن الوطن يستحق دائمًا أن نعود إليه بما هو أكثر من الذكريات… أن نعود إليه بما ينفع الإنسان ويصنع المستقبل.

شاهد أيضاً

الأدوية المبتكرة الصينية الصين

قيمة صفقات الترخيص الخارجي للأدوية المبتكرة الصينية تسجل رقما قياسيا جديدا في النصف الأول من العام الحالي

شفا – أعلنت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية مؤخرا أن القيمة الإجمالية لصفقات الترخيص الخارجي …