
نغادر الصين.. لكن الرحلة لم تنتهِ ، بقلم : محمد علوش
نغادر الصين، لكننا لا نغادر التجربة، فالرحلات الكبرى لا تقاس بعدد المدن التي نزورها، ولا بالمؤسسات التي ندخلها، بل بما تتركه في العقل من أسئلة، وفي الوعي من مراجعات، وفي الإرادة من تصميم على الفعل.
جاءت زيارتنا، بدعوة من دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، ضمن وفد ضم ممثلين عن عدد من الأحزاب اليسارية في البلدان العربية، في لحظة تاريخية تتسارع فيها التحولات الدولية، وتتراجع فيها منظومة الهيمنة الأحادية، فيما تتقدم قوى دولية جديدة لإعادة تشكيل موازين العالم، ولم تكن هذه الزيارة مناسبة بروتوكولية عابرة، بل فرصة حقيقية للاحتكاك المباشر بتجربة ما تزال تستقطب اهتمام اليسار العالمي، بما حققته من إنجازات اقتصادية واجتماعية وعلمية، وبما تثيره من أسئلة نظرية حول تطور الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين.
اعتادت بعض القراءات أن تتناول التجربة الصينية بمنطق الثنائيات الجامدة؛ فهي، بالنسبة للبعض، انتصار كامل للاشتراكية، وبالنسبة لآخرين انحراف كامل عنها، غير أن المنهج الماركسي يعلمنا أن الحقيقة لا تُدرك بالأحكام المجردة، بل بالتحليل الملموس للواقع الملموس، وفهم التناقضات التي تحكم حركة المجتمع وتطوره.
وهذا ما لمسناه في التجربة الصينية؛ فلا أحد يدّعي اكتمالها أو خلوها من التحديات، لكنها تؤكد أن الاشتراكية ليست حالة نهائية، بل عملية تاريخية متواصلة، تتجدد مع تطور القوى المنتجة، وتتفاعل مع المتغيرات الوطنية والدولية، وتحافظ، في الوقت ذاته، على هدفها المركزي: بناء مجتمع أكثر عدالة، وأكثر قدرة على تحرير الإنسان من الفقر والاستغلال والتهميش.
لقد أدرك الحزب الشيوعي الصيني أن أخطر ما يواجه الماركسية ليس النقد، بل الجمود، فالماركسية ليست نصوصاً جامدة ولا عقيدة مغلقة، وإنما منهج نقدي ثوري، يختبر نفسه في الواقع، ويتطور بالممارسة، ويصحح أخطاءه باستمرار، ومن هنا جاءت مقولة «تكييف الماركسية مع الواقع الصيني» تعبيراً عن فهم خلاق للماركسية، لا خروجاً عليها.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن التنمية في الصين ليست هدفاً اقتصادياً مجرداً، بل مشروعاً سياسياً واجتماعياً وثقافياً متكاملاً، فالتخطيط الاستراتيجي، والاستثمار في الإنسان، والثورة العلمية والتكنولوجية، والقضاء على الفقر، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التصنيع، ليست سياسات متفرقة، وإنما حلقات مترابطة في مشروع وطني طويل النفس، تقوده دولة تمتلك رؤية استراتيجية، وحزب يمتلك القدرة على التنظيم والاستشراف والتجديد.
لقد نجحت الصين في تحقيق معادلة بالغة التعقيد؛ إذ أطلقت دينامية السوق، مع الحفاظ على الدور القيادي للدولة في توجيه الاقتصاد وخدمة التنمية الشاملة، دون إخضاع المجتمع لمنطق الربح المجرد، وهي تجربة تستحق الدراسة بعقل نقدي منفتح، بعيدًا عن الانبهار غير الواعي، كما بعيداً عن الرفض الأيديولوجي المسبق.
أما نحن، كيساريين عرب، فإننا نغادر الصين بأسئلة لا تقل أهمية عن الانطباعات، فهل استطاعت أحزابنا أن تجدد أدواتها الفكرية والتنظيمية؟ وهل ما زلنا نقرأ مجتمعاتنا بمنهج مادي جدلي، أم أصبحنا أسرى الشعارات والتكرار؟ وهل نجحنا في إعادة بناء صلاتنا بالعمال والفلاحين والشباب والنساء والفئات المهمشة، أم ابتعدنا عن القاعدة الاجتماعية التي نشأت الحركة اليسارية للدفاع عن مصالحها؟
إن الأزمة التي يعيشها اليسار العربي ليست أزمة مبادئ، بقدر ما هي أزمة تجديد، فالقيم التي قامت عليها الحركة الاشتراكية، وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والمساواة، والتحرر الوطني، وكرامة العمل، تزداد راهنيتها في عالم يتسع فيه الاستغلال، وتتعمق فيه الفجوات الاجتماعية، وتتركز فيه الثروة والسلطة في أيدي رأس المال الاحتكاري العالمي.
ومن فلسطين، حيث يتداخل النضال الوطني مع النضال الاجتماعي، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً، فالتحرر من الاحتلال لا ينفصل عن بناء مجتمع ديمقراطي مقاوم، يصون حقوق العمال والفلاحين، ويكفل العدالة الاجتماعية، ويؤمن بأن التحرير والتنمية وجهان لمشروع وطني واحد.
لقد لمسنا في الصين موقفاً ثابتاً من القضية الفلسطينية، يستند إلى دعم حق شعبنا في تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، ولم يكن هذا الموقف منفصلًا عن رؤية أشمل لعالم يقوم على احترام سيادة الدول، ورفض سياسات القوة والإملاء، وتعزيز التعاون الدولي على أساس المنفعة المتبادلة والعدالة في العلاقات الدولية.
ونحن نغادر الصين، لا نحمل وصفة جاهزة لمستقبل اليسار العربي، ولا ندعو إلى استنساخ أي تجربة؛ فالماركسية نفسها ترفض الاستنساخ، لأنها تنطلق من خصوصية كل واقع، لكننا نحمل قناعة راسخة بأن أي مشروع يساري معاصر لا يمكن أن ينهض من دون فكر نقدي متجدد، وتنظيم ديمقراطي حي، وانحياز واضح لقضايا العمل والإنتاج والعلم، وقدرة على استيعاب التحولات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية التي تعيد تشكيل العالم.
لقد غادرنا الصين، لكن الرحلة الحقيقية تبدأ الآن؛ رحلة المراجعة والنقد والتجديد، وإعادة بناء الثقة بقدرة اليسار على أن يكون قوة تاريخية فاعلة في التغيير، لا مجرد شاهد على تحولات التاريخ.
ذلك هو الدرس الأهم الذي نحمله معنا: أن الاشتراكية ليست ماضياً نتحسر عليه، ولا تجربة تستنسخ بحذافيرها، بل مشروعاً إنسانياً متجدداً، يتطور مع تطور الحياة، ويستمد شرعيته من قدرته على تحقيق الحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والسلام، وصناعة مستقبل أكثر إنصافاً للشعوب.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.