10:53 صباحًا / 21 يوليو، 2026
آخر الاخبار

صافرة الدبلوماسية الشعبية الرقمية ، بقلم : مريم شومان

صافرة الدبلوماسية الشعبية الرقمية ، بقلم : مريم شومان


انتهت المباراة النهائية في أهم حدث رياضي عالمي، رُفع الكأس واحتفلت الجماهير، وانتشرت الجدالات والنقاشات على حساباتنا في وسائل التواصل الاجتماعي، وعاد الناس إلى حياتهم اليومية، لكن الحدث الحقيقي لم يكن في الهدف الفائز ولا في مراسم التتويج، بل في ذلك المشهد العالمي الذي كشف مرة أخرى أن الرياضة لم تعد مجرد منافسة بين أحد عشر لاعبا في كل منتخب، بل ساحة تتقاطع فيها السياسة والهوية والقيم والروايات والقوة الناعمة، لقد انتهى كأس العالم لكن ما تركه من رسائل يتجاوز حدود البطولة نفسها.


في المباراة النهائية بين إسبانيا والأرجنتين لم يكن جزء كبير من النقاش الدائر على منصات التواصل الاجتماعي يدور حول الخطط التكتيكية أو نجومية اللاعبين بل حول مواقف الدول وصورة قادتها وانعكاس ذلك على خيارات المشجعين، بالنسبة إلى كثيرين – وخاصة في الفضاء الرقمي العربي والفلسطيني- تحولت المباراة إلى مساحة لإسقاط المواقف السياسية؛ فإسبانيا ارتبطت في الوعي العام بمواقف حكومتها التي اتخذت خلال العامين الماضيين مواقف داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، بينما ارتبطت الأرجنتين بخطاب رئيسها الداعم لدولة الاحتلال وتصريحاته المتكررة المؤيدة للصهيونية، وبين هذين التصورين لم يعد التشجيع لدى بعض الجماهير مجرد انحياز رياضي بل أصبح تعبيرا عن موقف سياسي وأخلاقي.


ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده ليس اختلاف مواقف الجماهير العربية أو الدولية، وإنما الانقسام الذي ظهر داخل الجمهور الفلسطيني نفسه، فقد انشغل كثيرون في نقاشات تجاوزت كرة القدم؛ بين من رأى أن الرياضة يجب أن تبقى بمنأى عن السياسة ومن اعتبر أن العالم نفسه لم يعد يفصل بينهما وأن كل حدث عالمي أصبح مساحة للتأثير في الرأي العام سواء أراد المنظمون ذلك أم لم يريدوا.


هذه الحالة ليست استثنائية، بل تعكس تحولا بنيويا في النظام الاتصالي العالمي، ففي عصر المنصات الرقمية لم تعد القوة الناعمة حكرا على الحكومات ولم تعد الدبلوماسية تقتصر على السفارات والوزارات.


اليوم، يمكن لمنشور واحد أو صورة أو مقطع فيديو أو موقف يتبناه لاعب أو مشجع أو مؤثر أن يصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات وأن يؤثر في تشكيل الانطباعات أكثر مما تفعله البيانات الرسمية.


وهنا تحديدا، تبرز فكررة الدبلوماسية الشعبية الرقمية وهي ليست مجرد نشر محتوى داعم للقضية الفلسطينية عبر وسائل التواصل الاجتماعي – كما يُتزل المفهوم أحيانا – وإنما منظومة متكاملة لتوظيف الأدوات الرقمية في بناء علاقات مستدامة مع الشعوب وصناعة التعاطف وتوسيع دوائر التأصير وتحويل المؤيدين إلى شركاء فاعلين في نقل الرواية الفلسطينية داخل مجتمعاتهم، بمعنى هي انتقال من مفهوم إيصال الرسالة إلى منطق بناء الشبكات ومن ردود الفعل الموسمية إلى عمل تراكمي طويل الأمد.
وإذا كانت البطولة قد كشفت حجم التضامن الشعبي العالمي مع فلسطين، فإنها كشفت في الوقت ذاته هشاشة الأداء الفلسطيني في استثمار هذا التضامن، فالتفاعل الواسع الذي ظهر في المدرجات وعلى المنصات الرقمية وفي مواقف شخصيات رياضية وإعلامية حول العالم لم يجد في الغالب إطارا فلسطينيا منظما يستوعبه أو يحوله إلى مبادرات دائمة أو يبني عليه شبكات تعاون مستقبلية.


انتهى الحدث وانتهت معه معظم أشكال التفاعل لأن المؤسسة الفلسطينية لا تزال تتعامل مع الرأي العام العالمي بوصفه جمهورا يتفاعل تلقائيا لا شريكا يحتاج إلى رعاية وتنظيم واستدامة.


هذه ليست مشكلة إعلامية فحسب، بل فجوة استراتيجية، فبينما تستثمر دول عديدة الأحداث الرياضية والثقافية في تعزيز صورته الدولية، لا تزال فلسطين – رغم امتلاكها واحدة من أكثر القضايا حضورا في الضمير العالمي – تفتقر إلى بنية مؤسسية متخصصة في إدارة الدبلوماسية الشعبية الرقمية، ولا يتعلق الأمر بغياب الإمكانيات بقدر ما يتعلق بغياب الرؤية والتنسيق، فالجهود القائمة متفرقة يغلب عليها الطابع الموسمي وتعتمد في كثير من الأحيان على مبادرات فردية أكثر من اعتمادها على استراتيجية وطنية واضحة.


ويمكن البدء بخطوات عملية لا تحتاج إلى موارد ضخمة بقدر ما تحتاج إلى قرار سياسي وتنظيم مؤسسي، أول هذه الخطوات إنشاء وحدة وطنية متخصصة بالدبلوماسية الشعبية الرقمية، تكون مهمتها رصد فرص التأثير المرتبطة بالأحداث الرياضية والثقافية والفنية العالمية، وإدارة الحملات الرقمية بلغات متعددة، والتواصل مع الشخصيات والمؤثرين والمتضامنين مع فلسطين، كما ينبغي بناء قاعدة بيانات دولية للمبادرات والأفراد والمؤسسات المتضامنة، بما يسمح بتحويل التفاعل اللحظي إلى شبكة علاقات مستدامة.


وفي موازاة ذلك، تبرز الحاجة إلى الاستثمار في إنتاج محتوى رقمي احترافي، لا يقتصر على البيانات السياسية بل يقدم فلسطين من خلال الإنسان والثقافة والرياضة والابتكار والقصص الشخصية، وهي الأشكال التي أثبتت قدرتها على الوصول إلى الجمهور العالمي وكسب ثقته، كما ينبغي تدريب جيل من الشباب الفلسطيني على مهارات الاتصال الرقمي وإدارة الحملات العابرة للحدود وتحليل البيانات وصناعة السرديات حتى يصبحوا سفراء رقميين للقضية في الفضاء الالكتروني.
ولا يقل أهمية عن ذلك بناء شراكات مع أندية رياضية وروابط جماهير ومؤسسات ثقافية ومنظمات مجتمع مدني حول العالم، بحيث لا يبقى التضامن محصورا في لحظات الأزمات أو البطولات بل يتحول إلى مسار دائم من التعاون والتبادل والتأثير.


لقد أثبت هذا المونديال أن الرأي العام العالمي أكثر استعدادا للتفاعل مع فلسطين أكثر مما نعتقد، وأن المنصات الرقمية قادرة على اختصار المسافات التي كانت الدبلوماسية التقليدية تحتاج سنوات لقطعها، لكن هذه الفرصة لم تتكرر تلقائيا إذا بقي التعامل معها محصورا في الاحتفاء بالمواقف أو تداول الوسوم، فالتضامن مهما كان واسعا يظل رأسمالا سياسيا قابلا للتآكل إذا لم يجد من يستثمره ويطوره.


لقد انتهت البطولة، لكن ما انتهى على أرض الملعب يمكن أن يبدأ خارجها، وربما تكون صافرة النهاية هذه المرة هي الإشارة الأولى لانطلاق مشروع وطني فلسطيني جديد، مشروع يدرك أت معارك القرن الحادي والعشرين لا تُحسم في الملاعب وحدها، ولا في قاعات التفاوض فقط، بل في العقول والشاشات والشبكات الرقمية حيث تُصنع الصورة وتُبنى الثقة وتتشكل المواقف التي قد تتحول يوما إلى سياسات، ربما تكون هذه هي المرة في ألا يبقى هذا الكلام مجرد حبر على ورق وأن يجد في النهاية طريقه للبدء.

شاهد أيضاً

الحملة الأكاديمية الدولية تشارك في حفل بمناسبة الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني

الحملة الأكاديمية الدولية تشارك في حفل بمناسبة الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني

شفا – شاركت الحملة الأكاديمية الدولية في حفل الاستقبال الذي أقامه سعادة سفير جمهورية الصين …