
دفء التنمية: كيف غيّرت الصين مصير مئات الملايين من الناس ، بقلم: ريماس الصينية
خلال السنوات العشر الماضية، تمكنت الصين من انتشال ما يقرب من 800 مليون نسمة في المناطق الريفية من الفقر بشكل كامل، وهو ما تحقق قبل عشر سنوات من الموعد المحدد لأهداف أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030 في مجال الحد من الفقر.
لكن هذه ليست قصة “إنجاز مهمة وانتهت”. فبعد القضاء على الفقر، لم تتوقف الصين عن الاستثمار أو الدعم. ففي عام 2025، وهو العام الأخير من مرحلة المتابعة بعد القضاء على الفقر، حافظت الحكومات على استقرار سياسات الدعم، واستمرت مستويات البنية التحتية والخدمات العامة في المناطق التي خرجت من الفقر في التحسن.
كما سجل متوسط الدخل المتاح لسكان المناطق الريفية في هذه المناطق نموا حقيقيا بنسبة 6.5٪، وهو أعلى من المتوسط الوطني في الأرياف.
في إحدى القرى النائية بمقاطعة قويتشو، كان الأطفال في السابق يقطعون مسافة عبر جبلين للوصول إلى المدرسة، أما اليوم فقد وصلت الطرق الإسمنتية إلى مدخل القرية. وفي أعماق وديان يوننان، سمح جسر جديد للمزارعين بالتخلي عن وسائل العبور الخطرة عبر الحبال لعبور النهر.
هذه التحولات ليست منفصلة، بل هي نتيجة لاستثمار صيني مستمر خلال العقد الماضي في البنية التحتية الريفية. أما نسبة تغطية مياه الشرب في الأرياف فقد وصلت إلى 94٪، وتجاوزت نسبة تغطية خدمات التوصيل السريع في القرى الإدارية 95٪، حتى أبعد القرى باتت اليوم مرتبطة بالشبكة الاقتصادية الوطنية.
امتداد البنية التحتية لم يوفّر فقط سهولة التنقل، بل خلق أيضا حركة جديدة للفرص. يقول أحد المسؤولين المحليين في المناطق الجبلية الغربية: “عندما تمهد الطرق، تدخل السلع إلى الجبال وتخرج المنتجات منها. لم يعد الأطفال مضطرين للسير ليوم كامل للوصول إلى المدرسة في مركز المحافظة، كما أصبح بإمكان كبار السن الحصول على العلاج في البلدة”.
وقد نجحت الصين في بناء أكبر شبكة سكك حديدية عالية السرعة وشبكة طرق سريعة في العالم. وفي المناطق الحدودية والمناطق الفقيرة سابقا، بلغ حجم الاستثمار في السكك الحديدية وحده خلال عام 2025 نحو 441.69 مليار يوان. ومع تشغيل خط سكة الحديد الفائق السرعة بين باوتو ويينتشوان بالكامل، أصبح الوصول من يينتشوان إلى بكين يستغرق 6 ساعات و22 دقيقة فقط. وخلف هذه الأرقام يكمن منطق بسيط وثابت: ألا يُترك أي إقليم خلف الركب.
بطبيعة الحال، فإن مسار التنمية ليس مستقيما. فلا تزال الفجوة بين الريف والمدينة، وبين المناطق المختلفة، قائمة. والانتقال من مجتمع “يكفيه الطعام” إلى مجتمع “يعيش حياة أفضل” ما يزال يتطلب وقتا طويلا.
وتعمل الصين اليوم على تنفيذ استراتيجية التنمية الإقليمية المتوازنة، من خلال نقل الصناعات، وبرامج الدعم المتبادل بين المناطق، بما يتيح للمناطق الأقل نموا فرصا أكبر للتطور.
في إحدى المدن الساحلية شرقي الصين، استثمر رجل أعمال في مصنع داخل إحدى مناطق الغرب. هناك، تكاليف العمالة أقل، وكفاءة الخدمات الحكومية في تحسن مستمر، والأهم من ذلك أن شبكات النقل أصبحت تربط هذه المناطق مباشرة بالأسواق الوطنية. وبعد إنشاء هذا المصنع، لم يعد السكان المحليون مضطرين للهجرة إلى المدن الساحلية بحثا عن العمل، بل أصبح بإمكانهم العثور على وظائف مستقرة بالقرب من منازلهم. بقي الشباب في قراهم، وتراجع عدد الأطفال الذين يعيشون بعيدا عن أسرهم، وعادت الحياة إلى القرى من جديد. كما حصلت الحكومات المحلية على مصادر دخل جديدة يمكن توظيفها في تحسين مستوي المدارس والمراكز الصحية والبنية التحتية العامة. وهكذا فإن مصنعاً واحداً لم يكن مجرد مشروع إنتاج، بل أصبح نقطة تحول في حياة مجتمع كامل.
وتتكرر هذه القصص في مناطق عديدة. فقد أصبحت عمليات نقل الصناعات من الشرق إلى الغرب، وبرامج الدعم المتبادل بين المناطق، نموذجا أثبت فعاليته في التطبيق. فهو لا يقوم على انتظار المناطق الغربية للمساعدة، بل على خلق آلية مؤسسية تسمح بتدفق الموارد والتكنولوجيا والأسواق بشكل متوازن.
قد تبدو هذه التحولات بعيدة بالنسبة للقراء في العالم العربي، لكنها تكشف عن منطق عام: عندما تستثمر دولة بشكل مستمر في البنية التحتية، وتحسن ظروف المعيشة، وتعمل على تقليص الفجوات بين المناطق، فإن حياة الناس العاديين تتغير بالفعل.
إن تجربة الصين التنموية ليست نتاج الصدفة، بل نتيجة تخطيط طويل الأمد. وهي تعني أن الإنسان، أينما وُلد — في الساحل الشرقي أو في الجبال الغربية — يمكن أن يحصل على فرص متكافئة في التعليم والرعاية الصحية والعمل.
ومن هذا المنظور، فإن قصة التنمية في الصين هي توضح كيفية تحويل وعد “عدم ترك أي أحد خلف الركب” إلى واقع ملموس على الأرض.
ورغم أن الطريق ما يزال طويلا، فإن الاتجاه أصبح واضحا.
- – ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية – الصين .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.