11:13 مساءً / 3 يوليو، 2026
آخر الاخبار

تحولات في آلية صرف مخصصات الأسرى الفلسطينيين ، من الاستحقاق القانوني إلى منظومة الحماية الاجتماعية ، بقلم : وصال أبو عليا

تحولات في آلية صرف مخصصات الأسرى الفلسطينيين ، من الاستحقاق القانوني إلى منظومة الحماية الاجتماعية ، بقلم : وصال أبو عليا


شكّل قرار القيادة الفلسطينية مطلع عام 2025 بتعديل آلية صرف مخصصات الأسرى وعائلاتهم أحد أبرز التحولات في هذا الملف خلال السنوات الأخيرة، لما يحمله من أبعاد قانونية وسياسية واجتماعية. فقد أنهى المرسوم الرئاسي النظام السابق الذي كانت تُصرف بموجبه المخصصات استناداً إلى قانون الأسرى، ونقل إدارة البرنامج إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي ضمن منظومة الحماية الاجتماعية.

وتؤكد القيادة أنّ هذا التحول يهدف إلى حماية المال العام الفلسطيني من الاقتطاعات الإسرائيلية، فيما ترى مؤسسات الأسرى وعائلاتهم أنه غيّر طبيعة المخصصات من حق وطني وقانوني إلى مساعدات اجتماعية مرتبطة بمعايير الاحتياج، ما أثار جدلاً واسعاً.

دوافع التحول في آلية صرف المخصصات


جاء القرار في ظل ضغوط مالية وسياسية متصاعدة، أبرزها استمرار إسرائيل في اقتطاع مبالغ من أموال المقاصة الفلسطينية بذريعة مخصصات الأسرى، إلى جانب ضغوط دولية ربطت استمرار بعض أشكال الدعم بإصلاح آلية الصرف.

ومنذ عام 2019، اقتطعت إسرائيل نحو 542 مليون شيكل من أموال المقاصة، ما ساهم في تفاقم الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية.

وفي هذا السياق، أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً يقضي بإلغاء الإطار القانوني السابق للمخصصات، ونقل البرنامج إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي، بهدف تقليل الاقتطاعات وتعزيز فرص استعادة الدعم الدولي وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية.

آلية صرف المخصصات والجهة المسؤولة


أصبحت المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي الجهة المسؤولة عن إدارة البرنامج، بعد دمج ملف المخصصات ضمن منظومة الحماية الاجتماعية.

وتعتمد الآلية الجديدة على نظام البحث الاجتماعي الموحد، حيث يتم تقييم الأسر وفق مستوى الدخل والاحتياج، بدلاً من معيار صفة الأسير أو مدة الاعتقال.

“وللاستفادة من البرنامج، يتعين على عائلات الأسرى التقدم بطلب إلى المؤسسة، واستكمال نموذج البحث الاجتماعي الموحد، وإرفاق الوثائق المطلوبة، ومنها إثباتات الدخل وأفراد الأسرة ومكان السكن، قبل إجراء تقييم اجتماعي يحدد مدى الاستحقاق وقيمة الدعم وفق معايير الحماية الاجتماعية المعتمدة. كما قد يتطلب الأمر تحديث البيانات بشكل دوري لضمان استمرار الاستحقاق.”

وتشير بيانات سابقة إلى أنّ فاتورة مخصصات الأسرى كانت تقارب 50 مليون شيكل شهرياً، مع نحو 7500 حساب بنكي قبل إغلاقها عام 2020 نتيجة الضغوط الإسرائيلية، ما أدى لاحقاً إلى الاعتماد على البريد الفلسطيني كوسيلة صرف.

التغييرات في شروط الاستحقاق وقيمة المخصصات


انتقلت المخصصات من نظام يعتمد على الاستحقاق القانوني المرتبط بصفة الأسير ومدة الاعتقال، إلى نظام يعتمد على الاحتياج الاجتماعي.

في النظام السابق، كانت قيمة المخصصات ترتفع وفق سنوات الأسر. أما في النظام الجديد، فتحدد قيمة الدعم وفق نتائج التقييم الاجتماعي لكل أسرة.

وتشير مؤسسات الأسرى إلى أنّ بعض الأسر تتلقى دعماً أقل من السابق، بينما تؤكد المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي أنّ قيمة الدعم تختلف بحسب درجة الاحتياج، وليس وفق أي معيار نضالي.

موقف عائلات الأسرى


ترفض عائلات الأسرى ومؤسساتهم هذا التحول، معتبرة أنّ المخصصات تمثل حقاً وطنياً مرتبطاً بتضحيات الأسرى، وليس برنامجاً اجتماعياً.

كما ترى أنّ تحويلها إلى مساعدات اجتماعية يغيّر مكانة قضية الأسرى ويؤثر على طبيعة التعامل معها.

وقد عبّر رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين آنذاك، قدورة فارس، عن رفضه للقرار، مؤكداً أنّ إخضاع المخصصات للبحث الاجتماعي يمس جوهر القضية الوطنية.

وتشير العائلات إلى أنّ التحول انعكس على أوضاعها المعيشية، خاصة لدى الأسر التي تعتمد على هذه المخصصات كمصدر دخل أساسي، ما زاد من الضغوط الاقتصادية.

“كما أعرب عدد من العائلات عن استيائهم مما يرونه تفاوتاً في صرف المخصصات، سواء من حيث قيمة الدعم أو توقيت الحصول عليه، وهو ما أثار تساؤلات بشأن آلية التطبيق. وتتداول بعض العائلات تفسيرات مختلفة لهذا التفاوت، إلا أنه لا توجد معطيات موثقة تثبت ارتباطه باعتبارات سياسية أو شخصية.

وفي المقابل، تؤكد المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي أن تحديد الاستحقاق وقيمة الدعم يتم وفق نتائج البحث الاجتماعي ومعايير الدخل والاحتياج المعتمدة على جميع المتقدمين.”

التحديات المالية والإدارية


أدى النظام الجديد إلى تحديات أبرزها تأخر صرف المخصصات في بعض الحالات بسبب إجراءات البحث الاجتماعي وتحديث البيانات، إضافة إلى إلزام الأسر بتقديم وثائق إثبات الدخل والخضوع لتقييمات ميدانية.

كما خلق التحول حالة من عدم اليقين لدى بعض الأسر بشأن استمرار الاستحقاق أو قيمة الدعم، بعد انتقاله من معيار ثابت إلى معيار مرتبط بالتقييم الاجتماعي.

أسباب الاعتراض على آلية الصرف الجديدة


يتركز الاعتراض على البعد القانوني والوطني لقضية الأسرى، حيث تعتبر هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير وعدد من مؤسسات حقوق الإنسان أنّ المخصصات حق قانوني ثابت أقرته التشريعات الفلسطينية، ولا يجوز تحويله إلى مساعدات اجتماعية.

كما تؤكد الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ضرورة استمرار الدعم بما ينسجم مع القانون الأساسي الفلسطيني، فيما يحذر مركز حقوقي من تأثير الضغوط السياسية والمالية على طبيعة الملف.


في المقابل، تؤكد الحكومة الفلسطينية أنّ التعديل يهدف إلى حماية الموارد المالية من الاقتطاعات، واستعادة الدعم الدولي، وتوحيد برامج الحماية الاجتماعية.

تطلعات الأسرى وعائلاتهم


تطالب عائلات الأسرى بإعادة صرف المخصصات باعتبارها حقاً قانونياً ووطنياً غير مرتبط بمعايير الفقر أو البحث الاجتماعي، وضمان استمرارها دون انقطاع.

كما تدعو إلى صيغة توازن بين حماية الحقوق المالية ومنع الاقتطاعات الإسرائيلية.

وتؤكد المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي استمرار العمل بنظام الحماية الاجتماعية الموحد، مع توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجاً وتوسيع برامج التمكين الاقتصادي.

الأبعاد القانونية والسياسية للقرار


يحمل القرار أبعاداً قانونية وسياسية مهمة، إذ ألغى المرسوم الرئاسي الإطار التشريعي السابق للمخصصات وأحال الملف إلى منظومة الحماية الاجتماعية بموجب القرار بقانون رقم (4) لسنة 2025.

وترى مؤسسات الأسرى أنّ هذا التحول غيّر الطبيعة القانونية للمخصصات من استحقاق خاص إلى دعم اجتماعي قائم على الاحتياج.


أما سياسياً، فتؤكد القيادة الفلسطينية أنّ القرار جاء لمواجهة الضغوط المالية المرتبطة بالاقتطاعات الإسرائيلية، واستعادة الدعم الدولي، وتعزيز قدرة الحكومة على تلبية الاحتياجات الاجتماعية المتزايدة.

في المقابل، يحذر معارضون من أنّ إعادة تصنيف المخصصات قد تؤثر على البعد السياسي لقضية الأسرى.

في المحصلة، يمثل تعديل آلية صرف مخصصات الأسرى تحولاً حساساً في السياسات الفلسطينية، يجمع بين اعتبارات مالية واجتماعية وقانونية.

فبينما ترى القيادة الفلسطينية أنه خطوة ضرورية لحماية المال العام وتوسيع الحماية الاجتماعية، تتمسك مؤسسات الأسرى وعائلاتهم باعتبار المخصصات حقاً وطنياً وقانونياً ثابتاً، في حين تؤكد الجهات الرسمية أن معايير الصرف الحالية تستند إلى البحث الاجتماعي والاحتياج، وليس إلى اعتبارات سياسية أو شخصية. ويبقى هذا الملف مفتوحاً أمام نقاش مستمر حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية الموارد المالية والحفاظ على الحقوق الوطنية والاجتماعية لعائلات الأسرى.

برأيي، فإنّ الجدل الدائر حول آلية صرف مخصصات الأسرى يعكس حساسية هذا الملف وارتباطه بأبعاد وطنية واجتماعية وقانونية في آنٍ واحد. ومن الطبيعي أن يثير أي تغيير في نظام الصرف مخاوف عائلات الأسرى، خاصة إذا نتج عنه تفاوت في قيمة الدعم أو تأخر في الحصول عليه.

وفي المقابل، لا أرى أنه من الصحيح تبني الادعاءات المتداولة بشأن وجود تمييز في الصرف دون وجود أدلة موثقة تثبت ذلك. لذلك، فإنّ تحقيق الشفافية في معايير الاستحقاق، وإتاحة آليات واضحة للتظلم والاعتراض، يعدان السبيل الأمثل لتعزيز الثقة وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بعدالة.

شاهد أيضاً

محمد علوش : الحزب الشيوعي الصيني يقدم نموذجاً متفرداً في بناء الدولة وتحقيق التنمية

محمد علوش يغادر إلى الصين ممثلاً لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني للمشاركة في وفد الأحزاب اليسارية العربية

شفا – غادر اليوم الجمعة محمد علوش، أمين سر المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، …