
التعليم كعنفٍ إبستمولوجي: في تشريح عقم النهضة العربية ، بقلم : نسيم قبها
تمهيد في انكسار الأفق
ليس النهضةُ مشروعاً سياسياً أو اقتصادياً فحسب، بل هي انقلابٌ إبستمولوجي في بنية العقل نفسه. فحين نتأمل مسارنا الحضاري، نكتشف أن أزمتنا ليست في تأخرنا عن ركب الحداثة، بل في تمركزنا حول ذواتنا كمرجعية نهضوية، دون امتحانٍ جذري لمنطق هذه الذاتانية. إنّ سؤال النهضة، في عمقه الفلسفي، هو سؤال عن شرط إمكان العقل العربي في سياق كوني متحوّل.
تفكيك المركزيات الوهمية
لطالما اعتدنا مقاربة النهضة من بوابة “اللحاق بالغرب”، وكأنّ الحداثة كينونة جاهزة يمكن استيرادها. لكنّ هذه النظرة تُخفي عُقمَها الأنطولوجي، إذ تفترض وجود “جوهر” عربي ثابت يقابل “جوهراً” غربياً. والحال أنّ الهويات ليست جواهر، بل فعاليات متسيّبة في تيّار التاريخ. إنّ ما نسمّيه “العقل العربي” ليس بنيةً ثابتة، بل نسقاً من الممارسات الخطابية التي تشكّلت في سياق تحوّلاتها.
نقد العقل العربي إذن ليس إدانةً ذاتية، بل هو تفكيكٌ ديكوّني للمنطق الذي يضمره هذا العقل في علاقته بالآخر والذات. فالمشكلة أننا نعيد إنتاج آليات التفكير ذاتها التي نتوهم أنّنا ننقدها، وندور في حلقة مفرغة من الاعتراف بالآخر ونبذِه معاً.
التعليم: مسرح الصراع الإبستمولوجي
يكمن الخطر الأعمق في مؤسسة التعليم، حيث تُمارَس عنفٌ رمزي على العقول الناشئة. فمناهجنا التربوية، باستثناءات محدودة، تُعيد إنتاج ثنائيات جامدة: التراث/الحداثة، الدين/العلم، الذات/الآخر. وهذا يُولّد في المتعلّم انفصاماً معرفياً، إذ يُطلب منه أن يكون وارثاً لتقاليدٍ ماضوية، وفاعلاً في عالمٍ حاضر، دون أن نزوده بآليات التوفيق النقدي بين هذين الأُفُقين.
ما نفتقر إليه حقاً هو تعليم يُؤسِّس لذاكرة نقدية، بدل الذاكرة الاستظهارية. تعليم يُدرِّب على التفكير في شروط التفكير، على امتحان مسلّمات العصر والتراث معاً. النهضة الحقيقية تبدأ من فصل التعلم عن التلقين، ومن جعل المعرفة رحلة تساؤل مستمر لا وصولاً إلى حقائق نهائية. حين يصبح الطالب مفكّراً ناقداً قبل أن يكون مُستوعِباً للمعلومات، عندها فقط يمكن الحديث عن نهضة أنطولوجية لا شكلية.
نحو تأويل وجودي جديد
إنّ مشروع النهضة الذي ننشده يحتاج إلى انقلابٍ تأويلي في علاقتنا بتراثنا. ليس المطلوب إحياء الماضي، بل خلقه من جديد بوصفه مُمكناتٍ لم تُستنفَد بعد. هذا يتطلب جرأةً إبستمولوجية في التعامل مع النصوص التأسيسية، قراءتها لا كـ”مرجعيات” مقدسة، بل كـ”آثار” تحتمل تأويلات متعدّدة.
وهنا يبرز دور الفلسفة بوصفها فعلَ تفكيكٍ وتحرّر من سلطة البداهات. إنّ انعتاق العقل العربي لن يتحقّق بانسلاخه عن تراثه، ولا بتقديسه، بل بامتحان شروط إمكان وجوده في عالم تتداعى فيه اليقينيات. النهضة ليست حالةً نصل إليها، بل هي حركة أبدية من التجاوز والنقد، تقوم على الاعتراف بشرطنا الإنساني المشترك: أننا كائناتٌ ناقصة، تتعرّف على ذاتها عبر الآخر، وتتحقّق في حركة تجاوزٍ لا تنتهي.
خاتمة: في انتظار مفكرين لا قادة
ربما يكون خلاصنا في أن نُنتج فلاسفة النهضة لا قادتها السياسيين. فلطالما أخفقت النخب السلطوية في حمل مشاريع التغيير لأنها ظلّت أسيرة لعقلية المركزية والتمركز الذاتي. التغيير الحقيقي يبدأ من تحرير العقل في مناهجنا التعليمية، ومن إعادة الاعتبار للفلسفة بوصفها فعل مقاومة ضد كل أشكال الجمود الفكري والثقافي.
النهضة ليست حلاً بل سؤالاً متجدداً، وشرطها الأوحد أن نتعلم كيف نتساءل.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.