
إلى أين نحن ذاهبون؟ بقلم: أحمد سليمان
فلسطين بين صمت العرب، وعجز العالم، وإعادة رسم خرائط المنطقة
لم يعد السؤال الفلسطيني اليوم: ماذا يحدث؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً وخطورة: إلى أين نحن ذاهبون؟
في ظل صمت عربي غير مسبوق، وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، وعجز أوروبي عن اتخاذ مواقف حازمة تجاه الاحتلال وسياساته، يواجه الشعب الفلسطيني واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الوطني، مرحلة تتشابك فيها مشاريع الضم والاستيطان والتهجير مع تحولات إقليمية كبرى تعيد رسم خرائط المنطقة وتوازناتها السياسية.
على أرض الضفة الغربية، يتقدم المشروع الاستيطاني بسرعة كبيرة، وتُصادر الأراضي الفلسطينية بشكل يومي، فيما يتسارع الضم الزاحف للمدن والقرى الفلسطينية، في محاولة إسرائيلية واضحة لإنهاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. المستوطنات تتوسع، والطرق الالتفافية تتمدد، والحواجز العسكرية تخنق حياة الفلسطينيين، بينما يقف العالم متفرجاً على أكبر عملية تغيير ديموغرافي وجغرافي تشهدها الأراضي الفلسطينية منذ عقود.
أما القدس، قلب القضية الفلسطينية وعنوانها السياسي والروحي، فتعيش حالة من العزلة والإهمال العربي والدولي. تتواصل عمليات التهويد والاستيطان، وتتزايد الاقتحامات للمسجد الأقصى، وتتصاعد سياسة هدم المنازل وتهجير السكان، في وقت تغيب فيه المدينة المقدسة عن أولويات النظام العربي الرسمي وعن أجندة المجتمع الدولي.
وفي الضفة الغربية أيضاً، يزداد الوضع الأمني تعقيداً وخطورة، مع استمرار الاقتحامات العسكرية والاعتقالات والاغتيالات، وارتفاع منسوب التوتر والاحتقان الشعبي، في ظل حالة من الانقسام السياسي والتراجع الاقتصادي، الأمر الذي يهدد النسيج الوطني الفلسطيني ويضعف قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة التحديات القادمة.
وفي السجون الإسرائيلية، يخوض آلاف الأسرى الفلسطينيين معركة الكرامة والحرية في ظروف إنسانية بالغة القسوة. رجال ونساء وأطفال دفعوا حريتهم ثمناً للدفاع عن وطنهم، بينما يتراجع ملف الأسرى على سلم الأولويات الدولية، رغم أنه يمثل أحد أكثر الملفات الإنسانية عدالة وإلحاحاً.
أما غزة، فقد تحولت إلى عنوان للمأساة الإنسانية الفلسطينية. سنوات من الحصار والحروب والدمار تركت آثاراً كارثية على الإنسان والبنية التحتية ومستقبل الأجيال. يعيش سكان القطاع أوضاعاً إنسانية واقتصادية غير مسبوقة، بينما تبقى الحلول السياسية بعيدة المنال، وتبقى معاناة أكثر من مليوني فلسطيني رهينة الحسابات الإقليمية والدولية.
لكن غزة ليست مجرد أزمة إنسانية أو ملف إغاثي، بل هي جزء أصيل من الوطن الفلسطيني، ولا يمكن الحديث عن أي مشروع وطني فلسطيني أو مستقبل سياسي للقضية الفلسطينية دون أن تكون غزة حاضرة في قلب هذا المشروع، جنباً إلى جنب مع القدس والضفة الغربية واللاجئين في الشتات.
وفي الخارج، يعيش ملايين اللاجئين الفلسطينيين حالة من القلق المشروع على مستقبل قضيتهم، في ظل محاولات متكررة لتهميش قضية اللاجئين وتقليص دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وتراجع الحديث عن حق العودة، الذي يشكل أحد الثوابت الوطنية الفلسطينية التي لا تسقط بالتقادم ولا بالمساومات السياسية.
كل ذلك يحدث فيما تشهد المنطقة إعادة رسم لخرائطها السياسية وتحالفاتها الإقليمية. دول تصنع تفاهمات جديدة، وتحالفات تتشكل، وموازين قوى تتغير، فيما تبدو القضية الفلسطينية في كثير من الأحيان خارج دائرة الاهتمام، أو مجرد ملف مؤجل على طاولات السياسة الدولية.
إن الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في الاحتلال والاستيطان والحصار، بل في غياب رؤية وطنية فلسطينية جامعة قادرة على مواجهة هذه التحديات التاريخية. فالقضية الفلسطينية تمر بمنعطف خطير يتطلب إعادة بناء البيت الفلسطيني، وإنهاء الانقسام، وتجديد المؤسسات الوطنية، وإشراك أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات في صناعة القرار الوطني.
لقد أثبت الشعب الفلسطيني، في القدس والضفة وغزة ومخيمات اللجوء والشتات، أنه شعب لا ينكسر، وأنه قادر على الصمود رغم النكبات والحروب والمؤامرات. لكن الصمود وحده لم يعد كافياً، فالمطلوب اليوم مشروع وطني جديد يعيد الاعتبار للوحدة الوطنية، ويحمي الهوية الفلسطينية، ويضع فلسطين مجدداً في قلب الاهتمام العربي والدولي.
ويبقى السؤال الكبير الذي يفرض نفسه على الجميع:
هل سنبقى نراقب ضياع الجغرافيا الفلسطينية وتآكل الحقوق الوطنية بصمت، أم أن اللحظة التاريخية تفرض علينا إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وإنقاذ ما تبقى من الحلم الوطني قبل فوات الأوان؟
فلسطين لا تحتاج إلى إدارة للأزمة، بل إلى مشروع وطني جامع يعيد للشعب الفلسطيني وحدته وكرامته وحقه في الحرية والاستقلال.
- – أحمد سليمان – حركة فتح .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.