12:56 صباحًا / 28 يونيو، 2026
آخر الاخبار

المساءُ الأخير ، بقلم : نوال إدريس

المساءُ الأخير ، بقلم : نوال إدريس

دخلتُ غرفتَه التي لم يغادرها منذ زمنٍ طويل، غرفةً يخيّم عليها الصمت، ويشهدُ ركنُها الخالي على عزلةٍ اختارها، أو لعلّ الحياةَ هي التي فرضتها عليه. لا أدري إن كان قد أحبَّ تلك الغرفةَ يومًا، أم أنها صارت قفصَ روحِه الأخير.


وقفْتُ عند رأسِه، لا أرى إلّا جسدًا هامدًا مستلقيًا، لا يشعر بمَن حولَه، وربما لا يشعر حتى بوجوده. كانت الحياةُ تنسحبُ من روحه تدريجيا، تاركةً جسدًا مثقلًا بالأوجاع، وربما بالخذلان. خانَتْه الصحةُ التي طالما تباهى بها، وشعرتُ للحظتها أنه فقدَ كلَّ شيء: الحركة، الشغف، وحتى الرغبةَ في البقاء.


تقدمتُ نحوَه ببطء، وكان ممدَّدًا على سريرٍ طبّي باردٍ اعتادَه بعد وعكةٍ صحيةٍ ألمَّت به. ألقيتُ عليه التحية: “كيف حالك يا عمي؟” فردَّ بصوتٍ ضعيفٍ يكاد لا يُسمع: “من أنتِ؟” قلتُ بصوتٍ هادئ: “نوال.” سألني: “بنت إدريس؟ كيف حالك؟ بخير؟” أجبته: “نعم، بخير، الحمد لله. وأنت؟ كيف حالك؟ هل تشعر بتحسن؟” صمت قليلًا ثم قال: “نعم… الحمد لله.”


كان صوتُه ضعيفًا كروحِه المتعبة، وكأنما جاء من عالمٍ بعيد. لم أرَ وجهَه؛ فقد تعمَّد تغطيتَه بالكامل وبإحكام، كمن يحاول أن يخبّئ نفسَه عن الواقع. جلستُ بجانبه في صمت، أتأمل الحياةَ التي يعيشها الآن. اقتربتُ بحذر، وحاولتُ أن أرفع الغطاء قليلًا، وما إن كشفتُ شيئًا منه حتى وجدتُ عينَين مفتوحتَين، متعبتَين، غارقتَين في حزنٍ عميق. كنتُ أرى في عينَيه قصةَ عمرٍ بأكمله، عمرًا مليئًا بأمنياتٍ ربما لم تتحقق، وصبرٍ كان ثقيلًا على روحه.


في لحظةِ صمت، أعدتُ السلامَ عليه وسألتُه ثانيةً: “كيف حالك يا عمي؟” فكرَّر الإجابةَ ذاتَها، لكن نبرتَه كانت مختلفة. بين الحالتين فرقٌ كبير: إجابتُه الأولى شعرتُ بها إشارةً لنهاية الزيارة، أما الثانيةُ فكانت سؤالَ عتابٍ واستفهامٍ عن أشياءَ تعشّش في رأسه وتكدّر خاطرَه: أين فلان وفلان؟ وكم الساعة الآن؟ تجمَّدتُ في مكاني، وصمتُّ، ثم اضطررتُ أن أرتب الكلمات، وأن أختلق بعض الأعذار البسيطة وأوهامًا صغيرة، كي أبقي الأملَ حيًّا في قلبه. أخبرتُه أنهم منشغلون، لكنهم يذكرونه دائمًا.


صمت مُجدَّدًا، وكأن كلماتي لم تُقنعه. ثم قال بهدوء: “الحمد لله أنك بخير.” وبدأ يسحب الغطاء حتى غطَّى نصفَ وجهِه، فلم أعد أرَ إلّا عينَيه، وكأنهما نافذتُه الأخيرة إلى العالم. شعرتُ أن هذه إشاراتٌ بأن أرحل، وفي صدري حرجٌ دفين. سألتُه: “هل تريد أن تنام قليلًا يا عمي؟” أجاب: “قليلًا.” ابتسمتُ رغم الألم وقلتُ: “طيب، سأتركك لترتاح.” وقبل أن أُكمل جملتي عاد يُحكم الغطاء على رأسِه من جديد.


قبَّلتُ رأسَه من وراء الغطاء، وابتعدتُ بخطواتٍ نحو الباب، لكنَّ الخطواتِ نفسَها ردَّتني إليه. قلت: “عمي، هل تريد شيئًا… في خاطرِك شيءٌ تحب قولَه لي؟” قال: “نعم… أن يرزقَكِ اللهُ ولدًا.” يتوجّع قلبي كلما سمعتُ هذه الأمنية، ويتسرّبُ داخلي أملٌ وطمأنينةٌ وثقةٌ كبيرةٌ بأن اللهَ سيستجيب، ليس من أجلي وحدي، بل من أجل شيخٍ كبيرٍ مُتأملا، أن تصعد امنيته إلى السماء.


وقفتُ مكاني أتأمَّلُه، شعرتُ أن الحياةَ لم تعُد تعني له شيئًا. بقي على هذه الحال، يختفي خلف غطائه، حتى استبدلَ غطاءَه الأخير بغطاءٍ أبيضَ لفَّ جسدَه بإحكام، مُعلنًا رحيلَه الأبدي.


وبرغم ألم الفقد، لازلت أتذكر دعواتِه أن يرزقَني الله ولدًا، وأتذكر كلماتِه التي تشعرني بالفخر والأمان، وأعتزُّ بالاسم الذي أحبَّ أن يناديني به، خالدًا في فكري وقلبي: “بنت المختار”. إلى جنّات الخلد يا عمّ مشعان

نوال إدريس

شاهد أيضاً

بلدية قلقيلية تختتم برنامج "الرياضة للجميع" بمهرجان رياضي بالشراكة مع الفيدرالية الفرنسية

بلدية قلقيلية تختتم برنامج “الرياضة للجميع” بمهرجان رياضي بالشراكة مع الفيدرالية الفرنسية

شفا – نظّمت بلدية قلقيلية، بالشراكة مع الفيدرالية الفرنسية، مساء اليوم السبت، مهرجان “الرياضة للجميع” …