12:42 مساءً / 25 مايو، 2026
آخر الاخبار

في ضرورة الأنسنه.. نحو مشروع إنساني جديد ، بقلم : ابتهال عبدالوهاب

في ضروره الأنسنه.. نحو مشروع إنساني جديد ، بقلم : ابتهال عبدالوهاب


لا ينهض مجتمع وهو غارق في إنكار ذاته، متصالح مع ترديه، مأسور في دائرة مغلقة من الاجترار العقيم للماضي، والتوجس المزمن من المستقبل. إذ لا تبنى الأمم على التقديس الأعمى ، ولا على المواعظ المتكلسة، بل على جرأة النقد، وعمق الوعي


و لا يمكن لمجتمع أن يخطو نحو المستقبل بثبات ما دام أسير رؤى ماضوية، تسبغ القداسة على كل فكره، وتلبس الجمود ثوب الأصالة.
فالأزمات التي تتخبط فيها مجتمعاتنا العربية ليست طارئة ولا عابرة بل هي نتاج طبيعي لبنى فكرية وسياسية واقتصادية لم تواكب تحولات العالم، ولم تنتج أدواتها الخاصة للفهم والتجاوز


إن أخطر ما يصيب الأمم ليس الاحتلال العسكري، بل الاحتلال الذهني؛ ذلك الذي يجعل الإنسان خائفا من السؤال، مرتابا من العقل، مذعورا من الحرية.
وحين يتحول التفكير إلى تهمة، والنقد إلى خيانة، والاجتهاد إلى خروج عن القطيع، تدخل المجتمعات طورا طويلًا من العطب الحضاري، حيث يتكرر التاريخ بوصفه مأساة لا درسا، ويصبح الماضي جدارا يحجب الضوء بدل أن يكون نافذة للفهم.


لقد ورثنا تاريخا طويلا ، لكن المأساة أننا لم نتعامل معه بوصفه تجربة إنسانية قابلة للفهم والنقد والتجاوز، بل بوصفه نصًا مغلقا مكتملا لا يجوز الاقتراب منه
إننا نعيش في زمن تتراجع فيه أسس الأنسنة تراجعا مخيفا حيث يختزل الانسان إلى رقم، أو تابع، أو حامل لهوية مغلقة. وحين تغيب الأنسنة تغيب الحرية بوصفها فعلا وجوديا


حين تقصى الحداثة بدعوى الأصالة، وتجهض الأنسنة تحت شعارات الخصوصية أو الهوية، يصبح العقل مشتبها به، والمستقبل مؤجلا إلى أجل غير مسمى. ويتحول التاريخ من مدرسة للتعلم إلى سجن ذهني، يملينا دروسا منتهية الصلاحية، ويرهبنا من الخروج عن نصوصه


لقد صار الإنسان العربي معلقا بين ماض يطالبه بالطاعة، وحاضر يطالبه بالاستهلاك، ومستقبل لا يملك أدوات الوصول إليه. ولهذا تتآكل روحه شيئا فشيئا
ما نحياه اليوم من تراجع ليس إلا نتيجة منطقية لتكلس العقل، وعجز الخيال، وخوف الجموع وحتى النخب من التحرر من السائد والمألوف
فمن دون وعي تاريخي نقدي، يغدو الماضي عبئً لا ميراثا ومن دون خيال مستقبلي يصبح الغد نسخة باهتة من الأمس.
هكذا فقط، تستعيد الأمة قدرتها على النهوض: حين تفكر، لا حين تتعصب. حين تبني لا حين تتحسر. حين تؤنسن وجودها، لا حين تقدسه


والأنسنة ليست دعوه ضد الدين.. ولا تمردا على الهوية، كما يتوهم الكثيرين، بل هي إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه القيمة العليا في العمران والتاريخ. أن يكون الإنسان غاية لا وسيلة، صوتا لا صدى، ذاتا حرة لا مجرد تابع في قطيع الأيديولوجيا أو الطائفة أو السلطة
، بل هي جوهر كل نهضة حقيقية. أن نعيد الإنسان إلى مركز الوجود، لا كظل للمقدس ولا كترس في آلة السلطة، بل ككائن حر يحيا ليبدع، لا ليطيع؛ يتألم ليفهم لا ليقمع. يقرأ ليرتقي، لا ليتحجر. تلك هي المفارقة التي لا تزال مجتمعاتنا تتعر فيها: نقدس الأطر ونهمل الإنسان. نرفع الشعارات ونكسر الكائن، نتمسك بالقيم لفظا وننسى من خلقت لأجله


فالمجتمعات لا تقوم بالبنى التحتية فقط بل بالبنى الإنسانية: كيف ننظر إلى أنفسنا؟. . كيف ننظر الي الآخر المختلف؟
كيف نربي أبناءنا؟ كيف نعرف معنى الحريه والكرامة الإنسانية ؟


من هنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة الأنسنة في وجه التشييء، الحداثة في وجه التحجر، الحب في وجه الخوف
فلا خلاص من التردي إلا حين نصوغ مشروعا إنسانيا يحرر الإنسان لا من ماضيه فقط بل من اثار القراءة المغلقة لهذا الماضي، حينها فقط يمكن أن يخرج من كهف الظلال إلى ساحة الضوء والحريه


مشروعا حضاريا يعيد بناء الإنسان من الداخل فكرا، ووجدانا وكرامة
مشروع يربط الحداثة بالعدالة، والعقل بالمعنى، والحرية بالمسؤولية… فهل نستطيع ؟؟

شاهد أيضاً

د. مجدلاني يلتقي السفير المغربي ويطلعه على اخر المستجدات السياسية ويبحثان تطوير العلاقات الثنائية

د. مجدلاني يلتقي السفير المغربي ويطلعه على اخر المستجدات السياسية ويبحثان تطوير العلاقات الثنائية

شفا – التقى عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، …