2:59 مساءً / 22 مايو، 2026
آخر الاخبار

الإختبار الأخير للحسم في المفاوضات الإيرانية – الأمريكية ، بقلم : راسم عبيدات

الإختبار الأخير للحسم في المفاوضات الإيرانية – الأمريكية ، بقلم : راسم عبيدات


المفاوضات الإيرانية – الأمريكية تجري على حافة الهاوية، وتتواصل بوساطات عدة باكستانية وصينية وربما خليجية ،ويجري فيها الشد والمد والجزر ، وسعي حثيث لتقليص الفجوات ومنع انفجار يطال الاقتصاد العالم وسلاسل توريد الطاقة وأسعار النفط والغاز، ويواصل فيها ترامب تهديداته بالقضاء على ايران واعادتها الى العصر الحجري، ونشر تغريداته المتواصلة عن هزيمة ايران، وتدمير قدراتها العسكرية الجوية والبحرية ومخزوناتها من الصواريخ البالستية والمسيرات الإنقضاضية، وتحقيق للنصر وأن القيادة الإيرانية تترنح ومهزومة، واذا لم تستجب لشروطه، فهو مستعد وبفترة وجيزة للقضاء عليها، وكلما اقترب موعد تنفيذ تهديداته يتراجع عن خياره العسكري ،ويواصل فترة هدنه اللامنتهية، والتي باتت مثار تندر الصغير قبل الكبير.

ايران لم تعد تخشى تلك التهديدات، فهي تدرك بأن هذه الحرب، تحولت الى حرب استنزاف ضاغطة على عنق ترامب واقتصاده والإقتصاد العالمي، وأسعار الطاقة، وهي تمسك بورقة مضيق هرمز ،القنبلة النووية الإقتصادية، والأخطر من السلاح النووي، وتواصل التحدي بعدم الخضوع للشروط والإملاءات الأمريكية، في قضايا استراتيجية وجزء من السيادة الوطنية الإيرانية، الحق في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، وعدم اخراج المخصب منه على درجة عالية الى الجهة التي تريدها واشنطن، ومضيق هرمز يخضع للإشراف والإدارة الإيرانية وفق ترتيبات ملاحية خاصة، ووقف الحرب على كل الجبهات برية وجوية وبحرية وعدم العودة اليها مجدداً، وبما يشمل الوقف بقية الساحات الأخرى، وخاصة لبنان.

تبدو أمريكا في “غزوة” عقوباتها التي أعلنتها الخزانة الأمريكية على عدد من الشخصيات السياسية والنيابية والعسكرية اللبنانية، تريد ان تقطع الطريق على ايران، في ان يكون لبنان جزء من ترتيبات التفاوض الأمريكي- اللبناني، وأن تأخذ لبنان بعيداً، نحو التحالف العسكري والأمني مع إسرائيل وعلى قاعدة العداء لحزب الله اللبناني،و تغيير هوية الدولة اللبنانية بإسقاط مكون أساسي من مكوناتها الوطنية والسياسية وعقيدة جيشها .

تبدو المنطقة أمام أيام حاسمة فعلاً، ليس فقط لأن المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية تقف على حافة الاختبار الأخير بين الحرب والتسوية، بل لأن ما يجري يتجاوز الملف النووي الإيراني إلى محاولة إعادة رسم خرائط النفوذ والهوية السياسية والأمنية في الشرق الأوسط كله. ولهذا تتقاطع اليوم ثلاثة مسارات كبرى: تفاوض أميركي ـ إيراني يبحث عن مخرج من الحرب، وشراكة روسية ـ صينية تتشكل على قاعدة بناء عالم متعدد الأقطاب، وضغط أميركي لإعادة تشكيل لبنان سياسياً وأمنياً بصورة تعيد التوازنات إلى ما يشبه مرحلة ما قبل الطائف.

في التفاوض الأميركي ـ الإيراني، تبدو الصورة مختلفة جذرياً عن بداية الحرب. واشنطن دخلت المواجهة على قاعدة فائض القوة، اغتيالات، تدمير منشآت، حصار بحري، وضغط اقتصادي يفترض أن يقود سريعاً إلى انهيار إيراني أو استسلام سياسي. لكن بعد أشهر من الحرب، لم يتحقق شيء من ذلك. إيران لم تنهَر، الصواريخ لم تتوقف، والحصار البحري لم ينجح في خنق الاقتصاد الإيراني، بينما تحول هرمز والخليج إلى مصدر تهديد دائم للاقتصاد العالمي. ولهذا بدأت واشنطن تخفض سقف أهدافها تدريجياً من الحديث عن تفكيك البرنامج النووي ومحور إيران الإقليمي إلى أولوية منع الانفجار الكبير وحماية هرمز ومنع انهيار الأسواق.

لكن العقدة الأساسية لم تعد تقنية بل رمزية وسياسية. إدارة دونالد ترامب تريد من ملف اليورانيوم المخصّب صورة نصر سياسي شخصي، أي صورة “إخضاع إيران” وإجبارها على التخلي عن رمز سيادتها النووية تحت الضغط والحرب. حيث يقول بعض العارفين بشخصية الرئيس دونالد ترامب إنه يستعد إذا حصل على اليورانيوم العالي التخصيب أن يخلد ذكره عبر نصب يتضمن متحفاً يعرض فيه اليورانيوم الإيراني ويصف نفسه بالرئيس الذي هزم الإمبراطورية الفارسية، أما طهران فترى أن تسليم اليورانيوم أو إخراجه بطريقة مهينة يعني الاعتراف بالهزيمة بعد أشهر من الصمود، ولهذا تصرّ على أن يبقى داخل إيران باعتباره رمزاً للسيادة والانتصار المعنوي لا مجرد مادة نووية، وإن تم نقله أو نقل بعضه إلى خارج إيران فيتم ذلك بأن تختار إيران وجهة الترحيل، وبالتأكيد لن تكون أمريكا.

في موازاة ذلك، تتحرك موسكو وبكين بسرعة لرسم عالم مختلف. فقمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ لم تُقرأ في الصحف الأميركية والبريطانية والروسية والصينية بوصفها مجرد لقاء ثنائي، بل باعتبارها اجتماعاً لإدارة مرحلة انتقالية في النظام الدولي. الصحافة الأميركية تحدثت عن فشل سياسة فصل روسيا عن الصين، فيما ركزت الصحافة البريطانية على الخطر الذي يمثله بناء شبكات مالية وتجارية خارج الدولار والعقوبات الأميركية. أما في موسكو وبكين، فجرى تقديم القمة باعتبارها لحظة تأسيسية لعالم متعدّد الأقطاب يقوم على إعادة رسم خرائط الطاقة والتجارة بعيداً عن السيطرة البحرية الأميركية.

ولهذا عاد مشروع “قوة سيبيريا 2” بقوة إلى الواجهة لنقل نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً إلى الصين، في محاولة لبناء نظام طاقة بري لا يعتمد على هرمز وباب المندب والممرات البحرية التي تستطيع واشنطن تهديدها. أي إن الحرب نفسها تدفع خصوم واشنطن إلى بناء عالم :- نقل الطاقة فيه يتم عبر البر لا البحار، – والتبادل التجاري فيه يتم بالعملات الوطنية لا بالدولار، – والحماية فيه تقوم على الجغرافيا الأوراسية لا على الأساطيل الأميركية.

أما لبنان، فيبدو بدوره جزءاً مباشراً من هذه المعركة. حيث بدا أن العقوبات الأميركية الأخيرة لا تستهدف فقط حزب الله أو حركة أمل، بل تكشف مشروعاً لإعادة تشكيل الدولة اللبنانية نفسها.

استهداف النائب حسن فضل الله لا يتعلق فقط بكونه نائباً في حزب الله، بل لأنه يمثل قناة التواصل مع رئاسة الجمهورية. واستكمال استهداف الدائرة القريبة من نبيه بري يحمل رسالة سياسية واضحة بأن واشنطن تقترب تدريجياً من رأس التمثيل السياسي الشيعي نفسه، لتضع الطائفة الشيعية خارج النظام السياسي الجديد الذي تعيد تشكيله كثمرة لرعاية التفاوض المباشر اللبناني الإسرائيلي.

وعلى خلفية ثمرات التفاوض المباشر جاء التنسيق العسكري والأمني بين لبنان و”إسرائيل” برعاية أميركية لإعادة صياغة العقيدة العسكرية اللبنانية على قاعدة التنسيق مع “إسرائيل” بدل اعتبارها عدواً، وهنا جاءت أخطر العقوبات، حيث الرسالة إلى الجيش والأجهزة الأمنية تقول إن المطلوب لم يعُد مجرد ترتيبات جنوب الليطاني أو ضبط الحدود، بل إعادة هيكلة المؤسسات على قاعدة العداء لحزب الله وتحويل التنسيق الأمني مع “إسرائيل” إلى جزء من العقيدة الأمنية الجديدة للدولة. وهنا يبدو أن المشروع الأميركي يتجاوز الضغط على المقاومة إلى محاولة إعادة لبنان عملياً إلى ما قبل الطائف، أي إلى صيغة سلطة تقوم على ثنائية سنية ـ مسيحية مرتبطة بالغرب والخليج، مع تقليص الوزن السياسي والأمني للشيعة الذين كرّس الطائف شراكتهم الكاملة في النظام والدولة.

ولهذا تبدو الأيام المقبلة حاسمة فعلاً. فالفشل في التوصل إلى تفاهم أميركي ـ إيراني لن يعني فقط استمرار الحرب، بل تسريع الانتقال إلى عالم جديد يتشكل تحت ضغط الطاقة والحروب والعقوبات، فيما يتحوّل لبنان إلى أحد أبرز ميادين إعادة رسم التوازنات السياسية والطائفية والأمنية في المنطقة كلها.
فلسطين – القدس المحتلة

شاهد أيضاً

مبعوث الصين لدى الأمم المتحدة يدعو إلى تعزيز التعددية من أجل السلم والأمن الدوليين

مندوب الصين في مجلس الأمن : بكين مستعدة للعمل مع المجتمع الدولي لتحقيق وقف شامل ودائم لإطلاق النار في غزة وتخفيف الأزمة الإنسانية وتنفيذ حل الدولتين

شفا – قال مندوب الصين في مجلس الأمن الدولي، خلال جلسة مخصصة للقضية الفلسطينية عُقدت …