10:46 مساءً / 16 مايو، 2026
آخر الاخبار

التغيير أكثر من مجرد تجاوز للروتين والجمود ، بقلم : د. زبيدة صبحي سلمان

التغيير أكثر من مجرد تجاوز للروتين والجمود ، بقلم : د. زبيدة صبحي سلمان


يرتبط التغيير بالإنسان ارتباطًا وثيقًا، فهو محور العملية ووسيلتها وغايتها في آنٍ واحد. فالتحولات الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الإنسان القادر على مراجعة أفكاره، وتطوير سلوكياته، والانفتاح على الجديد، والتفاعل الإيجابي مع المتغيرات المحيطة به. ومن ثم فإن نجاح التغيير يعتمد بدرجة كبيرة على وعي الأفراد واستعدادهم لتقبّل التحول، والتخلي عن الجمود والأنماط التقليدية التي تعيق التطور.


ويُفهم التغيير بوصفه عملية انتقال مقصودة من واقع قائم إلى واقع أكثر تطورًا وفاعلية خلال فترة زمنية محددة، عبر الاستخدام الواعي والمنظم للإمكانات المتاحة. وغالبًا ما تنشأ الحاجة إلى التغيير نتيجة ظهور تحديات جديدة، أو رغبة في تحسين جودة الحياة، أو السعي إلى تجاوز الروتين والجمود، أو مواكبة التطورات المتسارعة في العالم المعاصر. كما يسهم التغيير في رفع الكفاءة، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز الإبداع والابتكار، وتحسين مستوى الأداء الفردي والجماعي.


وتبرز أهمية التغيير في عالمنا اليوم، عالم يتسم بالحركة المستمرة والتطور المتسارع في مختلف جوانب الحياة. فقد أصبحت المجتمعات الإنسانية تواجه تحولات عميقة ومتلاحقة بفعل التقدم التكنولوجي، والثورة المعلوماتية، والانفتاح الثقافي، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أعادت تشكيل أنماط الحياة وأساليب التفكير والعلاقات الإنسانية. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد التغيير خيارًا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة حتمية لضمان التكيف والاستمرار وتحقيق التقدم.


من يستطيع التغيير؟ وهل كل شخص قادر على التغيير؟


التغيير يتمحور في شخص هو قائد يعترف بأن الواقع ليس قدرًا نهائيًا، هو شخص لا يحمّل الظروف، ولا الناس، ولا الماضي كل العبء، ولا يقبل الألم المؤقت مقابل النمو الدائم. صاحب التغيير هو شخص يملك صورة أو معنى يقوده، ولا يتغير من أجل التغيير، بل لأنه يرى شيئًا يستحق أن يتغير من أجله.


يحتاج المجتمع إلى قادة يمتلكون رؤية واضحة وقدرة على توجيه الأفراد وتحفيزهم نحو التحول الإيجابي. فالقائد الفعّال لا يفرض التغيير بالقوة، بل يعمل على بناء القناعة الداخلية لدى الناس، ويشجعهم على المشاركة، ويعزز لديهم الشعور بالمسؤولية تجاه المستقبل. كما يسهم في خلق بيئة قائمة على الحوار والتعاون وتبادل الأفكار، بما يدعم روح المبادرة والإبداع.


وفي هذا السياق، قدّم جون كوتر (John Kotter) واحدة من أكثر الرؤى تأثيرًا في فهم التغيير وإدارته، حيث يؤكد أن التغيير الناجح لا يحدث بشكل عشوائي، بل يمر عبر مراحل متسلسلة تبدأ بخلق شعور حقيقي بضرورة التغيير (إحساس الاستعجال)، ثم بناء تحالف قوي يقود التغيير، يلي ذلك صياغة رؤية واضحة للمستقبل، ثم التواصل الفعّال لهذه الرؤية مع الآخرين. وبعد ذلك تأتي مرحلة تمكين الأفراد وإزالة العوائق أمامهم، ثم تحقيق إنجازات سريعة لتعزيز الثقة، وصولًا إلى ترسيخ التغيير في الثقافة العامة لضمان استمراريته. ويرى كوتر أن تجاهل أي مرحلة من هذه المراحل قد يؤدي إلى فشل عملية التغيير أو تراجعها.


كما يركز كوتر على أن التغيير لا ينجح بالقرارات الإدارية وحدها، بل يحتاج إلى قيادة قادرة على إلهام الآخرين وتحريك دوافعهم الداخلية، وتحويل الرؤية إلى ممارسة واقعية. وهذا يتطلب بناء الثقة، وتعزيز التواصل، وتوفير بيئة داعمة تشجع على التعلم والتجريب وتقبّل الأخطاء باعتبارها جزءًا من عملية التطور.


وتكمن أهمية التغيير في كونه أداة أساسية للحفاظ على حيوية المجتمعات وقدرتها على التطور، إذ يعزز الابتكار، وينمّي القدرة على التكيف مع المتغيرات، ويساعد على اكتشاف نقاط الضعف ومعالجتها، وتعزيز نقاط القوة وتطويرها. ومن هنا، فإن المجتمعات التي تتقن إدارة التغيير بوعي ومرونة هي الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار الديناميكي وبناء مستقبل أكثر تقدمًا وإنسانية واستدامة.

شاهد أيضاً

المؤتمر الثامن لـحركة فتح يعلن أن نسبة المشاركة في الاقتراع للجنة المركزية والمجلس الثوري بلغت 94,64%

المؤتمر الثامن لـحركة فتح يعلن أن نسبة المشاركة في الاقتراع للجنة المركزية والمجلس الثوري بلغت 94,64%

شفا – أعلن المؤتمر الثامن لحركة “فتح”، مساء اليوم السبت، أن نسبة المشاركة في الاقتراع …