11:44 صباحًا / 16 مايو، 2026
آخر الاخبار

من الاحتواء إلى الاعتراف: التحول الأمريكي تجاه الصين ، بقلم : د. رمزي عودة

من الاحتواء إلى الاعتراف: التحول الأمريكي تجاه الصين ، بقلم : د. رمزي عودة

غادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العاصمة الصينية بكين مؤخراً، بعد أن عقد خلالها قمة أمريكية – صينية استمرت يومين، التقى فيها الزعيم الصيني شي جين بينغ. وتُعدّ هذه القمة مرحلة تاريخية متقدمة في العلاقات الأمريكية الصينية، تعكس بشكل واضح تراجعاً كبيراً في سياسات الرئيس ترامب منذ بداية ولايته الثانية بشأن احتواء النفوذ والقوة الصينية المتنامية.

لقد فرض الرئيس ترامب رسوماً جمركية مرتفعة على البضائع الصينية، الأمر الذي ألقى بظلاله سلباً على العلاقات الأمريكية الصينية، وتحولت هذه العلاقات خلال العقد الأخير من علاقات تنافس إلى علاقات صراع. إلا أن الصين لم تكن دولة قابلة للاحتواء كما تصورتها الإدارة الأمريكية؛ إذ سارعت إلى التوجه نحو أسواق جديدة، لا سيما في آسيا وأفريقيا، وفرضت جمارك مرتفعة على البضائع الامريكية كرد على الاجراء الأمريكي ، كما طورت علاقاتها الاقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي، وبدا الاتحاد الأوروبي أقرب إلى اختيار الصين شريكاً استراتيجياً رئيسياً له بدلاً من الولايات المتحدة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل استغلت الصين حاجة الولايات المتحدة إلى المعادن الأرضية النادرة، ونجحت في استخدامها كورقة ضغط تتعلق بالرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات. كما قطعت شوطاً مهمًا في إنتاج مكائن عملاقة لصناعة هذه الرقائق، بدلاً من الاعتماد على الشركات الهولندية التي كانت واقعة تحت ضغط أمريكي مباشر لمنعها من توريد تلك التقنيات إلى الصين.

في الواقع، خرجت الصين من قمة ترامب–بينغ بوصفها دولة عظمى فرضت شروطها على الولايات المتحدة وفقاً لمصالحها الوطنية والعالمية. ومن بين هذه الشروط قضية تايوان، حيث حذر الرئيس بينغ الولايات المتحدة بشدة من دعم انفصال تايوان عن الصين، مؤكداً أن مثل هذا التصرف قد يدفع الصين إلى مواجهة عالمية. وبالطبع، لن تخاطر الولايات المتحدة بهذا السلوك العدائي تجاه الصين، كما أن الصين نفسها لا تسعى، في الوقت الحالي، إلى تغيير الأمر الواقع في تايوان ما دامت الولايات المتحدة ملتزمة بعدم دعم الانفصال. فالصين تدرك أن تايوان تسقط تدريجيًا في حضن الدولة الأم، من خلال النفوذ الاقتصادي والاستثمارات الصينية المتزايدة، وبالتالي فإن مسألة تايوان بالنسبة إلى الصين هي مسألة وقت لا أكثر.

من جانب آخر، دخلت الصين في مفاوضات مباشرة مع الرئيس ترامب بشأن قضايا لم يكن يُسمح لها سابقاً بالخوض فيها، ولا سيما ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، التي تُعدّ تاريخياً منطقة نفوذ استراتيجية للولايات المتحدة. إلا أن المعطيات تبدو اليوم مختلفة؛ إذ أعرب ترامب عن تقديره للدور الصيني في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز ومنع فرض رسوم عبور فيه، كما أعلن أن الصين والولايات المتحدة متفقتان على ضرورة بقاء إيران من دون سلاح نووي. ويُعدّ هذا التوافق إنجازاً بالنسبة إلى ترامب، الذي أكد أن لا قوة في العالم قادرة على إقناع إيران بالتخلي عن برنامجها النووي أو ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز سوى الصين.

وفي السياق ذاته، تحدث الزعيم الصيني بينغ عن ضرورة حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً يقوم على مبدأ حل الدولتين، واحترام سيادة الدول، ومنع انتهاك القانون الدولي. وتعكس هذه السياسة الاستراتيجية الصينية تجاه القضية الفلسطينية رفض بكين لأي حلول أمريكية مجتزأة لا تستند إلى مبدأ حل الدولتين.

وفي المحصلة، فإن محادثات ترامب–بينغ، ولا سيما بشأن قضايا الشرق الأوسط، تمثل اعترافاً أمريكياً رسمياً ومباشراً بأن الصين أصبحت قوة عظمى لا يمكن استبعادها أو احتواؤها، وأن معالجة قضايا العالم وصراعاته، بما في ذلك صراعات الشرق الأوسط، لم تعد ممكنة من دون الدور الصيني.

ومن جهة أخرى، أصبحت الصين أكثر قدرة على قيادة تحالفات إقليمية كبرى في الشرق الأوسط، ويبدو أن هذه التحالفات بدأت تتشكل في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الايرانية، وأخذت تكتسب أهمية متزايدة في مجالات حفظ الاستقرار والأمن والتبادل الاقتصادي.


ولذلك، بات الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة، مثل المملكة العربية السعودية، أكثر قرباً من الصين من أي وقت مضى، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى مراجعة أدواتها الاستراتيجية في المنطقة، إدراكاً منها أنها لا تستطيع الحفاظ على دورها القيادي العالمي من دون الاعتراف بالصين بوصفها قوة عظمى اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً.


وعليه، فإن قمة ترامب–بينغ في أيار/مايو 2026 قد تشكل عنواناً لمرحلة جديدة، ليس فقط في تاريخ العلاقات الثنائية بين الصين والولايات المتحدة، بل أيضاً في نمط توزيع القطبية في النظام الدولي، بوصفها بداية مرحلة القطبية الثنائية الجديدة في العالم، وهما الصين والولايات المتحدة الأمريكية.

شاهد أيضاً

مستوطنون يحرقون غرفة زراعية ويخطون شعارات عنصرية في ترمسعيا شمال رام الله

شفا – أحرق مستوطنون، فجر اليوم السبت، غرفة زراعية، وخطوا شعارات عنصرية في بلدة ترمسعيا …