9:38 مساءً / 14 أبريل، 2026
آخر الاخبار

من أعمدة الاقتصاد إلى حاوية النفايات… حين تُهان الكرامة، ويُختبر الوطن، ويسقط المعنى ، بقلم : الدكتور عماد سالم

من أعمدة الاقتصاد إلى حاوية النفايات… حين تُهان الكرامة، ويُختبر الوطن، ويسقط المعنى ، بقلم : الدكتور عماد سالم

لم تعد الكلمات تكفي…ولم يعد الوصف يحتمل التجميل.
الصورة وحدها تصرخ:
مركبة نقل نفايات، وفي جوفها ما لا يقل عن أربعين عاملاً… ليسوا نفايات، بل بشرٌ أنهكهم الانتظار، وسحقتهم الحاجة، وأُغلقت في وجوههم كل السبل.
تم ضبطهم داخل المكان المخصص للنفايات…داخل حاويةٍ يفترض أن تُلقى فيها الأشياء الفائضة عن الحاجة، لا من ضاقت بهم الحياة بحثًا عن لقمة العيش.
هنا……..
تسقط كل المسميات، تتهاوى الرتب، وتتقزم الألقاب، وتفرغ كلمات “الكرامة” و”الصمود” من معناها، وتتحول إلى هشيـمٍ تذروه الرياح.
في هذه اللحظة، لا معنى لكل ما يُقال على المنابر، ولا قيمة لكل الشعارات التي تُرفع في الساحات.
حين تصبح مركبة القمامة طريقاً إلى العمل… فاعلم أننا لم نعد في القاع، بل في قاع القاع.

أيُّ وجعٍ هذا الذي يدفع إنساناً لأن يختبئ بين النفايات؟
أيُّ قهرٍ يجعل أربعين رجلاً أو اكثر يقبلون أن يتحولوا إلى “حمولة”؟
الجواب واضح… ومؤلم:
لم يعد لديهم خيار.
هؤلاء العمال لم يبحثوا عن الإهانة…
بل بحثوا عن الحياة.
لم يختاروا هذا الطريق لأنهم يريدونه،
بل لأن كل الطرق الأخرى أُغلقت في وجوههم.

“لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟”
صورة اليوم لعمالنا وهم في سيارة النفايات مؤلمة. تحمل في تفاصيلها أموراً عميقة موجعة. عفواً يا غسان كنفاني.. فهي أكثر إيلاماً من رواية “رجال في الشمس”. مع اختلاف هذه المرة أنهم منذ وقت طويل دقوا جدران الخزان مراراً وتكراراً.. بل وحاولوا كسرها، لكن جدران الخزان هذه المرة لم تكن من صفيح، بل من جدار الفصل والعزل والحصار، ومن صمت العالم، ومن سياسات لم تبنِ بدائل حقيقية.

لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
هؤلاء لم يكونوا يوماً عبئاً على هذا الوطن…
بل كانوا أحد أعمدته الاقتصادية الأساسية.
لسنوات طويلة، كانوا الرافد الأكبر للناتج المحلي الإجمالي،
وكانت أجورهم التي يجنونها تُضخ في السوق الفلسطينية،
فتحرك التجارة، وتنشط الخدمات، وتُبقي الاقتصاد حيًا رغم كل الأزمات.
بيوتٌ بُنيت من تعبهم، تعليمٌ استمر من عرقهم، قطاعاتٌ نمت من إنفاقهم.
فكيف نتركهم اليوم؟
كيف نسمح أن يتحولوا من قوة اقتصادية إلى مشهدٍ داخل مركبة نفايات؟

هنا، لا بد من مواجهة الحقيقة دون مواربة:
لم تكن لدينا منذ البداية سياسات واضحة وجدية لتقليل الاعتماد على العمل داخل اقتصاد الاحتلال.
تركنا الأمر للزمن… حتى أصبحنا تابعين، ليس فقط في ملف العمل، بل في ملفات متعددة.
وما نراه اليوم ليس حادثة طارئة…بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الغياب والتأجيل.
لم نُخطط للاستقلال الاقتصادي… فدفع الإنسان الثمن من كرامته.

نعم، عدونا يمارس سياسات قاسية ومجرمة، وهذه حقيقة لا جدال فيها…
لكن في المقابل، كان يجب أن نكون أكثر منعة، أكثر صلابة، وأكثر قدرة على حماية إنساننا من هذا السقوط.

أربعون عاملاً أو اكثر داخل مركبة نفايات… ليست صورة، بل محاكمة.
محاكمة لسنوات من السياسات المرتجلة.
محاكمة لاقتصاد لم يُبنَ على الإنتاج.
محاكمة لمنظومة تعليم لم ترتبط بسوق العمل.
محاكمة لتهميش التعليم والتدريب المهني والتقني، وكأنه خيار ثانوي لا يستحق الاستثمار.

واليوم، لا يمكن أن نكتفي بالحزن أو الغضب…
بل يجب أن نطرح الأسئلة التي تأخرنا كثيرًا في طرحها:
متى سنتحرك؟
متى سنبحث بجدية عن حلول؟
متى سنعيد بناء اقتصاد يحمي أبناءه؟
متى ستتم مساءلة من أوصلنا إلى هذا الوضع؟
متى… ومتى… ومتى؟
هذه ليست أسئلة عابرة…
بل أسئلة وجود.

نطالب الناس بالصمود…
لكننا لا نوفر لهم أسباب الصمود.
نطالبهم بالكرامة…
لكننا لا نحمي هذه الكرامة من الانهيار.

في مثل هذه اللحظة، لا تقل لي إن الصوت يصل،
ولا تحدثني عن الشعارات،
ولا تطلب من إنسانٍ يبحث عن لقمة العيش أن ينتظر خطاباً جديداً.
ما نحتاجه اليوم ليس كلمات… بل تحوّل حقيقي:
اقتصاد إنتاجي يقلل التبعية ويخلق فرص عمل داخلية.
إعادة الاعتبار للتعليم والتدريب المهني والتقني كخيار وطني استراتيجي.
شراكات فاعلة مع القطاع الخاص.
منظومة حماية اجتماعية تحفظ الحد الأدنى من كرامة الإنسان.
وقبل كل ذلك…
نحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن ما حدث ليس استثناءً… بل إنذار أخير.

في النهاية،
قد تُنسى هذه الصورة كما نُسيت غيرها…
لكن الحقيقة التي يجب أن تبقى:
حين يهرب الإنسان داخل مركبة نفايات من أجل لقمة العيش… فالمشكلة لم تعد في الناس، بل في واقعٍ فقد بوصلته.

وإلى الله المشتكى…
ولا حول ولا قوة إلا بالله.

شاهد أيضاً

كبير المشرعين الصينيين يلتقي رئيس وزراء إسبانيا

كبير المشرعين الصينيين يلتقي رئيس وزراء إسبانيا

شفا – التقى تشاو له جي، رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، رئيس …