
الناس في فلسطين… حين يصبح التعب أسلوب حياة ، بقلم : الكاتبة البروفسورة عطاف الزيات
في فلسطين اليوم، لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الشرح ليقول: “الناس دايخة”. فالتعب لم يعد حالة طارئة، بل أصبح شعورًا عامًا يسكن التفاصيل اليومية، ويظهر في الوجوه، وفي الحديث، وفي الصمت الطويل الذي يسبق أي إجابة عن سؤال بسيط: كيف الحال؟
الظروف الراهنة لا تُختصر بعنوان واحد؛ فهي مزيج من أزمات متراكمة، وضغوط اقتصادية، وواقع سياسي متقلب، وأفق غير واضح. هذا التداخل جعل الحياة اليومية أكثر صعوبة، وأثقل كاهل الناس بتحديات تتجاوز قدرتهم على الاحتمال. لم يعد القلق مرتبطًا بحدثٍ معين، بل أصبح حالة مستمرة يعيشها الجميع بدرجات متفاوتة.
اقتصاديًا، يشعر المواطن أن الأرض تضيق به. الأسعار ترتفع بشكل متسارع، بينما الدخل ثابت أو يتراجع، وفرص العمل قليلة. كثير من الأسر باتت تُعيد ترتيب أولوياتها يومًا بيوم، وتُفكر ألف مرة قبل أي مصروف. حتى الاحتياجات الأساسية أصبحت عبئًا، وهذا خلق حالة من الضغط النفسي الدائم، حيث لا راحة حقيقية في ظل هذا القلق المستمر.
أما اجتماعيًا، فقد تركت هذه الظروف أثرها الواضح. العلاقات باتت مشدودة، والصبر أقل، والتوتر حاضر في أبسط المواقف. ليس لأن الناس تغيروا، بل لأن الضغوط أكبر من قدرتهم على التحمل. ومع ذلك، لا تزال الروابط الإنسانية قائمة، ويظهر التكاتف في الأزمات، وكأن المجتمع يحاول أن يعوّض ما فقده الواقع.
الجانب النفسي هو الأكثر صمتًا، لكنه الأعمق تأثيرًا. “الدوخة” التي يشعر بها الناس ليست جسدية، بل هي تعب ذهني وشعور بالحيرة وفقدان السيطرة. الإنسان يفكر كثيرًا، يقلق أكثر، ولا يجد إجابات واضحة. المستقبل يبدو ضبابيًا، وهذا بحد ذاته كفيل بأن يرهق أي إنسان.
الشباب تحديدًا يعيشون حالة من التردد والضياع؛ بين رغبتهم في بناء مستقبل أفضل، وواقع يضع أمامهم الكثير من العوائق. بعضهم يحلم بالسفر، وبعضهم يحاول الصمود، لكن القاسم المشترك هو الشعور بأن الطريق ليس سهلًا.
ورغم كل ذلك، لا يمكن تجاهل قدرة الناس في فلسطين على الاستمرار. الحياة لم تتوقف، والناس ما زالوا يذهبون إلى أعمالهم، ويُربّون أبناءهم، ويبحثون عن لحظات فرح صغيرة وسط هذا الثقل الكبير. هذه القدرة على التكيّف ليست ضعفًا، بل شكل من أشكال القوة الصامتة.
في النهاية، يمكن القول إن “الدوخة” التي يعيشها الناس في فلسطين اليوم ليست مجرد تعبير عابر، بل وصف دقيق لحالة عامة من الإرهاق والتشتت. ومع ذلك، يبقى الأمل حاضرًا، ولو بصورته البسيطة، لأن الإنسان هنا، رغم كل شيء، لا يزال متمسكًا بالحياة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .