11:10 مساءً / 6 أبريل، 2026
آخر الاخبار

سامي الدروبي ودوستويفسكي: حين تتحوّل الترجمة إلى قدرٍ روحي وإعادة خلق للمعنى ، بقلم : مجيدة محمدي

سامي الدروبي ودوستويفسكي: حين تتحوّل الترجمة إلى قدرٍ روحي وإعادة خلق للمعنى ، بقلم : مجيدة محمدي

سامي الدروبي ودوستويفسكي: حين تتحوّل الترجمة إلى قدرٍ روحي وإعادة خلق للمعنى ، بقلم : مجيدة محمدي

يشكّل سامي الدروبي ظاهرة فريدة في تاريخ الترجمة العربية الحديثة، إذ لا يمكن مقاربته بوصفه مجرد وسيط لغوي بين نصٍّ أصلي وقارئٍ جديد، بل باعتباره فاعلًا ثقافيًا أسهم في إعادة تشكيل الوعي العربي من خلال مشروع ترجمي يتجاوز النقل إلى مستوى الخلق والتأويل، وتتجلّى هذه الخصوصية بوضوح في علاقته العميقة بأعمال فيودور دوستويفسكي، حيث لم تكن هذه العلاقة علاقة اختيار عابر لنصوص عالمية، بل كانت استجابة داخلية لأسئلة وجودية مشتركة، جعلت من الترجمة فعلًا روحيًا يتجاوز حدود اللغة إلى فضاء التجربة الإنسانية الكونية، فقد تكوّن الدروبي في بيئة معرفية متعددة الأبعاد جمعت بين الفلسفة والسياسة والأدب، وكان لهذا التكوين أثر بالغ في طبيعة اشتغاله على النصوص، إذ تعامل مع أعمال دوستويفسكي بوصفها نصوصًا فلسفية بقدر ما هي سردية، فكان يقرأها من داخل أسئلتها الكبرى المرتبطة بالحرية والألم والإيمان والشر، وهي الأسئلة ذاتها التي شغلت فكره بوصفه مثقفًا عربيًا عاش تحولات تاريخية عميقة، ومن هنا نشأت علاقة يمكن وصفها بالتماهي الوجودي، حيث لم يعد النص الروسي غريبًا عنه، بل غدا مرآة لقلقه الداخلي، الأمر الذي جعل الترجمة عنده تتخذ شكل إعادة خلق للنص داخل اللغة العربية، لا بوصفها نقلًا حرفيًا أو تقنيًا، بل بوصفها إعادة كتابة مشبعة بالوعي الفلسفي والذائقة اللغوية الرفيعة، ولذلك تبدو ترجماته لأعمال مثل الجريمة والعقاب والإخوة كارامازوف نصوصًا عربية مكتملة، تمتلك إيقاعها الخاص ونَفَسها الداخلي، حتى ليشعر القارئ أن دوستويفسكي يكتب بالعربية، لا لأنه فقد هويته الأصلية، بل لأن الدروبي نجح في نقل روحه إلى فضاء لغوي جديد دون أن يفقدها عمقها، وقد اعتمد في ذلك على ما يمكن تسميته بالأمانة الوجودية للنص، حيث ركّز على نقل الحالة النفسية والتوتر الداخلي بدل الاكتفاء بمطابقة الكلمات، وهو ما جعله يميل إلى استخدام جمل طويلة متدفقة، ذات بناء تركيبي متماسك، وإلى اختيار مفردات عربية فصيحة مشحونة بالدلالة، الأمر الذي أضفى على نصوصه طابعًا كلاسيكيًا رفيعًا، غير أن هذا الاختيار الأسلوبي لم يكن خاليًا من الإشكال، إذ أدى في بعض الأحيان إلى تلطيف خشونة النص الدوستويفسكي، الذي يقوم في أصله على التقطّع والتوتر والانكسار، وهنا يظهر الفرق بينه وبين مترجمين آخرين مثل غائب طعمة فرمان الذي سعى إلى الحفاظ على البنية الأصلية للنص الروسي بكل ما فيها من خشونة وقلق، فبدت ترجمته أكثر التصاقًا بروح الأصل من حيث الشكل، لكنها أقل سلاسة من حيث التلقي العربي، في حين يمثل صالح علماني نموذجًا مختلفًا في الترجمة الأدبية، يقوم على تبسيط اللغة وتحديثها دون الإخلال بجوهر النص، وهو ما يجعل المقارنة بين هذه النماذج الثلاثة كاشفة عن تعددية مقاربات الترجمة في الثقافة العربية، فبينما يتجه فرمان نحو الأمانة البنيوية، ويتجه علماني نحو الأمانة التواصلية، ينحاز الدروبي إلى الأمانة الفلسفية التي تعيد إنتاج النص داخل أفق ثقافي جديد، ومن هنا تبرز إشكالية مركزية تتعلق بصوت المترجم، إذ يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان القارئ العربي يقرأ دوستويفسكي كما هو، أم كما أعاد الدروبي تشكيله، غير أن هذا السؤال، بدل أن يُفهم بوصفه نقدًا، يمكن اعتباره مدخلًا لفهم طبيعة الترجمة بوصفها فعلًا إبداعيًا لا يقل عن الكتابة الأصلية، لأن كل ترجمة كبرى تحمل بالضرورة بصمة صاحبها، وتعيد تشكيل النص وفق حساسيته الثقافية والجمالية، وهو ما تحقق في تجربة الدروبي بامتياز، حيث لم يكتف بنقل الأدب الروسي إلى العربية، بل أسهم في تأسيس ذائقة جديدة لدى القارئ العربي، قائمة على التفاعل مع العمق النفسي والفلسفي للنص، كما أسهم في ترسيخ فكرة أن الترجمة ليست مجرد جسر بين لغتين، بل هي فعل حضاري يعيد توزيع المعنى بين الثقافات، وعلى هذا الأساس يمكن القول إن العلاقة بين الدروبي ودوستويفسكي لم تكن علاقة مترجم بنص، بل علاقة شراكة خفية في إنتاج الدلالة، حيث يلتقي صوتان في نص واحد، أحدهما يكتب، والآخر يعيد الكتابة، دون أن يلغيه، بل يمنحه حياة أخرى في لغة جديدة، وفي سياق ثقافي مختلف، وهو ما يجعل تجربة الدروبي مثالًا حيًا على أن الترجمة، حين تبلغ ذروتها، تتحول من تقنية إلى قدر، ومن مهنة إلى مصير، ومن نقلٍ للنص إلى إعادة خلق للإنسان نفسه من خلال اللغة.

شاهد أيضاً

أكثر من 10 شهداء بنيران الاحتلال في قطاع غزة

أكثر من 10 شهداء بنيران الاحتلال في قطاع غزة

شفا – أفادت مصادر طبية بارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة منذ فجر اليوم الإثنين، …