
بين ضفّتَيْ النهر… الكرامة لا تُوقّع، والذاكرة لا تُمحى ، لوحة الفنان :محمد الدغليس ، بقلم : د. وليد العريض
في هذه اللوحة التي تتداخل فيها الألوان كما تتداخل الذاكرة بالجراح، وفي هذا المشهد الذي يبدو للعين مجرّد ضربات فرشاة لكنه في العمق تاريخٌ يُعاد تشكيله، نستعيد لحظةً لم تكن عابرة في زمنٍ عابر، بل كانت لحظة الغُسل الكبير، حيث انهمر اللون الأحمر كأنه ماءٌ يطهّر وجه الأمة من غبار الهزائم التي تراكمت منذ 1948 و1967 وحيث لم يعد آذار شهرًا في التقويم، بل صار موعدًا مع استعادة المعنى ومع إعادة تعريف الإنسان العربي لنفسه، لا بوصفه كائنًا مهزومًا، بل بوصفه نصرًا مؤجّلًا ينتظر لحظته.
وعند النهر الذي يظهر في اللوحة لا كخطٍّ يفصل، بل كجسدٍ متحرّك بين الألم والأمل لم يعد المكان جغرافيا، بل صار شاهدًا على انقلاب المعنى حيث امتزجت عقيدة الأرض التي حملها الجيش الأردني بعقيدة العودة التي حملتها المقاومة الفلسطينية فانصهرت العقيدتان كما تنصهر الألوان في اللوحة لتُنتج عقيدة واحدة لا تقبل التجزئة اسمها التحرير، عقيدة لا تفاوض على الذاكرة ولا تساوم على الدم ولا تعترف بشرعية النسيان.
وفي تلك اللحظة التي تتكثف في اللوحة بين الأحمر المتفجّر والأخضر المتشبث بالحياة لم تكن الهزيمة التي سقطت عسكرية فحسب، بل كانت هزيمةً للأسطورة، أسطورة الجيش الذي لا يُقهر وأسطورة أن الهزيمة قدر وأسطورة أن الاستسلام هو الخيار الوحيد إذ جاءت الكرامة لتقول بلغة اللون قبل الرصاص، إن هناك خيارًا آخر اسمه المقاومة، خيارًا يولد من الألم لكنه لا ينتهي به.
غير أن المفارقة التي تكاد تسخر من نفسها والتي يمكن أن نلمحها في الأطراف الباهتة من اللوحة حيث تحاول بعض الألوان أن تتلاشى هي أن من رأى النهر يبتلع الغزاة عاد ليحدّثنا عن إمكانية التعايش مع الذئب ومن شهد الرصاصة وهي تعيد التوازن صار يقنعنا بأن الحبر أقوى من الدم وكأن التاريخ يُعاد كتابته لا بالوقائع بل بالرغبات وكأن المطلوب من الضحية أن تبدأ سلامها بالنسيان ومن الذاكرة أن تُبتر لتصبح مقبولة.
إن الكرامة كما تنطق بها هذه اللوحة لم تكن معركة عابرة في سجل الحروب بل كانت غُسلًا تاريخيًا شاملاً، غسلت عار 48 حين سُرقت الأرض وغسلت وجع 67 حين تكسّرت الثقة وأعادت للأمة صورتها في المرآة، لا كضحية تنتظر الشفقة، بل كأمة تقاتل لأنها تعرف معنى وجودها وهنا تحديدًا تسقط كل أوهام التطبيع لأن من ذاق طعم الكرامة لا يقبل فتات الموائد ومن جرّب أن يهزم لا يصدّق أن الاستسلام يمكن أن يكون حكمة.
وبين الضفّتين، كما تُظهر اللوحة بلا حدود فاصلة لا نجد خطًا جغرافيًا بل قلبًا واحدًا ينبض في جسدين، جيشٌ من هنا ومقاومةٌ من هناك، لكن الرصاصة واحدة والهدف واحد والألم واحد وهذا التلاحم الذي لا تفرّقه السياسة ولا تمحوه الاتفاقيات ليس لحظة عاطفية عابرة، بل قانونًا تاريخيًا، كما أن الصراع مع العدو ليس خيارًا تكتيكيًا بل قدرًا ممتدًا ما دام الظلم قائمًا وهو ما يُربك الرواية الأخرى التي حاولت دائمًا أن تُعيد تعريف الصراع، لأن ما يثبته الواقع، بل ويقرّ به بعض من عرفوا هذا الكيان من الداخل، كما أشار يعقوب كوهين، أن هذا المشروع لم يُبنَ يومًا على فكرة سلام، بل على صراع دائم يرى في القوة شرط بقائه وفي التوسع ضمان استمراره فكيف يُطلب من الضحية أن تؤمن بسلام لا يؤمن به صاحبه أصلًا؟
ومن هنا فإن الكرامة لم تكن مجرد انتصار عسكري، بل كانت إعلانًا فكريًا عميقًا مفاده أن عقيدتنا ليست إدارة الهزيمة بل صناعة النصر وأن الجيش ليس لحراسة حدود القلق بل لحماية معنى الوطن وأن المقاومة ليست رد فعل على عدوان، بل فعل وجود يثبت أن الحياة لا تُعاش إلا بكرامة ولهذا فإن كل تلك الدعوات التي جاءت لاحقًا لتجمّل النسيان وتُسمّي التنازل حكمة والتطبيع شجاعة، تبدو في ضوء هذه اللوحة مجرد مفارقة ساخرة لأن الحقيقة التي لا يمكن طمسها هي أن النهر الذي أرادوه حدًا صار جسرًا من دمٍ إلى كرامة وأن الرجال الذين قاتلوا لم يسألوا هل سننتصر، بل قالوا نقاتل لأننا أحياء.
وهنا في قلب هذه اللوحة التي لا تزال تنبض يُطرح السؤال الذي يتكرر عبر الزمن: هل يمكن أن تُهزم الكرامة؟ فيأتي الجواب لا من النص ولا من التاريخ وحده، بل من اللون ذاته، من الأحمر الذي لم يجف، ومن الأجساد التي تحوّلت إلى ذاكرة ومن النهر الذي رفض أن يكون حدًا، بأن الكرامة قد تُجرح وقد تُؤجَّل، لكنها لا تُهزم ولا تُمحى، ولا تُوقّع على تنازل.
وفي النهاية، سيكتب المؤرخ إن بقي في هذا العالم مؤرخون لا يخافون من الحقيقة أن في يومٍ من آذار 1968 لم تُخض معركة فحسب بل غُسل وجه الأمة من غبار الهزائم وأُثبت أن السلام الذي لا يقوم على العدالة ليس سوى وهم، وأن الأمة التي تعرف طريق التحرير لا يمكن أن تُطبّع مع جلّادها، لأنها ببساطة… تتذكّر.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .