
إسرائيل بين وهم الخلود وسنّة الزوال… حين يحاكم التاريخ الدول ، بقلم: سامي إبراهيم فودة
في كل مرحلة من التاريخ، ظهرت دولٌ اعتقدت أنها بلغت من القوة حدّ الخلود، وأن الزمن لن يجرؤ على الاقتراب من عروشها. رفعت راياتها فوق الأرض، وأعلنت نفسها سيدة الجغرافيا والتاريخ، حتى بدا وكأن العالم خُلق ليبقى تحت ظلها. لكن التاريخ، ذلك القاضي الصارم الذي لا ينام، كان دائمًا يكتب نهاية مختلفة.
فكم من دولةٍ ظنّت نفسها أبدية، فإذا بها تتحول إلى أطلال في كتب المؤرخين. وكم من إمبراطورياتٍ كانت تملأ الدنيا رهبةً وسلطانًا، فإذا بها تتلاشى أمام تحولات الزمن.
من هنا يطل السؤال الكبير الذي يشغل العقول قبل أن تشغله الشعارات:
هل إسرائيل كيانٌ خارج قوانين التاريخ، أم أنها تسير – مثل غيرها – في الطريق الطويل الذي تسلكه كل الدول بين الميلاد والأفول؟
التاريخ… المقبرة الكبرى للإمبراطوريات
حين نعود إلى صفحات الماضي، نجد أن التاريخ لا يعرف دولةً خالدة. فقد حكمت الإمبراطورية الرومانية نصف العالم القديم لقرون طويلة، وكانت تبدو قوةً لا يمكن زعزعتها، ثم بدأت تتآكل من الداخل حتى انهارت. وكذلك الحال مع الاتحاد السوفيتي الذي وقف لعقود قوةً عظمى تقود معسكرًا عالميًا كاملًا، لكنه انهار فجأة تاركًا العالم أمام خريطة جديدة.
هذه الوقائع التاريخية لا تعني أن كل دولة محكوم عليها بالزوال السريع، لكنها تؤكد أن الخلود السياسي وهمٌ لم تستطع أي دولة في التاريخ تحقيقه.
إسرائيل… دولة القوة أم معضلة التاريخ؟
قامت إسرائيل عام 1948 في ظل ظروف دولية معقدة، واستطاعت خلال عقود قليلة أن تبني دولة ذات قوة عسكرية كبيرة واقتصاد متطور. كما حظيت بدعم قوي من الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة.
لكن الدول لا تقاس فقط بحجم قوتها العسكرية أو علاقاتها الدولية، بل بقدرتها على تحقيق الاستقرار الداخلي وبناء علاقات طبيعية مع محيطها.
وفي هذه النقطة تحديدًا تظهر معضلة إسرائيل؛ فهي منذ قيامها تعيش داخل صراع تاريخي مفتوح مع الشعب الفلسطيني، وهو صراع لم يُحسم سياسيًا ولا أخلاقيًا ولا تاريخيًا.
صراع الأرض والهوية
القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع حدودي عابر، بل صراع عميق حول الأرض والهوية والحق التاريخي. ولهذا السبب لم تستطع العقود الطويلة ولا الاتفاقيات السياسية إنهاء جذور هذا الصراع.
فالشعب الفلسطيني ما زال حاضرًا على أرضه وفي ذاكرته، وما زالت القضية حية في الوعي العربي والإنساني، رغم كل التحولات التي شهدها العالم.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
قد تنتصر الدول في المعارك العسكرية، لكنها لا تنتصر دائمًا في معركة التاريخ.
بين الواقع والاحتمال
الواقع السياسي اليوم يقول إن إسرائيل دولة قوية تمتلك تفوقًا عسكريًا واضحًا، وتتمتع بدعم دولي مهم. لكن التاريخ يعلمنا أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان البقاء الأبدي.
فالدول قد تتغير أو تنهار أو تتحول بفعل عوامل متعددة، مثل التحولات الدولية، أو الانقسامات الداخلية، أو تغير موازين القوى العالمية.
لذلك فإن القول إن زوال إسرائيل حتمية تاريخية قريبة قد يكون تعبيرًا عاطفيًا أكثر منه تحليلًا واقعيًا. وفي المقابل، فإن الاعتقاد بأنها كيان خالد لا يتغير هو وهم يتناقض مع كل تجارب التاريخ.
حين يحاكم التاريخ الدول
التاريخ لا يصدر أحكامه بسرعة، لكنه في النهاية يحاسب الجميع.
الدول التي تقوم على العدالة والاستقرار تستطيع أن تعيش طويلًا، أما الدول التي تعيش في حالة صراع دائم فإنها تبقى معرضة لاهتزازات عميقة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تزول الدول؟
بل: كيف تعيش الدول، وكيف تكتب مصيرها في صفحات التاريخ؟
في ختام سطور مقالي
ربما يطول الصراع، وربما تتغير أشكاله، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الشعوب التي تتمسك بحقوقها لا تختفي من التاريخ، وأن القضايا العادلة قد تتعثر لكنها لا تموت.
وفي النهاية، سيظل التاريخ – كما كان دائمًا – الحكم الأخير.
فهو الذي يمنح الدول صفحات المجد… وهو نفسه الذي يكتب نهاياتها.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .