
ثلاثة عشر نجماً أطفأها القصف… حكاية رامي ورامز حين صار العلم طريقًا إلى الشهادة ، بقلم: سامي إبراهيم فودة
في زمنٍ تتكاثر فيه الحكايات الثقيلة على القلب، تبرز بعض القصص كأنها مرآة لوجع فلسطين كله؛ قصصٌ لا تُروى من باب الحزن فقط، بل من باب الشهادة على زمنٍ صار فيه الحلم جريمة، والعلم طريقًا إلى الموت، والبقاء في الأرض فعلَ مقاومة.
حكاية الأخوين رامي ورامز ليست مجرد سيرة عائلة فلسطينية أنهكتها الحرب، بل فصلٌ كامل من فصول الفاجعة التي عاشها أهل غزة، حين امتزج العلم بالصبر، والتهجير بالثبات، وانتهت الرحلة بدمٍ طاهر ارتقى إلى السماء.
إنها حكاية بيتٍ واحدٍ أُطفئت فيه ثلاثة عشر نجمة في زمنٍ قصير، لكن نورها بقي شاهدًا على قسوة الحرب، وعلى عظمة الإنسان الفلسطيني حين يتمسك بالحياة رغم كل شيء.
وُلد رامي في شهر حزيران/يونيو عام 1981، وكان شابًا هادئًا طموحًا اختار طريق العلم والعمل. التحق بجامعة القدس المفتوحة، ودرس المحاسبة وإدارة الأعمال حتى نال درجة البكالوريوس، مؤمنًا بأن المعرفة هي السلاح الأجمل في مواجهة الحياة.
لكن الحرب حين جاءت لم تترك للعلم دفاتره ولا للإنسان بيته.
بقي رامي في شمال غزة رغم اشتداد القصف، متمسكًا بأرضه وبيته، حتى جاء يوم 25 أكتوبر، حيث ارتقى شهيدًا مع زوجته وجنينهما الذي لم يرَ النور بعد، كأن القدر أراد أن يكتب للعائلة شهادة بثلاثة أرواح في لحظة واحدة.
وبعد الهدنة، عاد والده وإخوته من الجنوب لدفنه، لكن الفاجعة لم تكتمل فصولها بعد؛ فقد عثروا على جثمانه، بينما لم يجدوا جثة زوجته التي بقيت مفقودة تحت الركام، وكأن الحرب حتى في الموت تسرق من العائلة حق الوداع الأخير.
لكن الحزن لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد.
فبعد سبعة أشهر فقط، عاد الألم ليطرق الباب نفسه، حين ارتقى شقيقه رامز شهيدًا مع زوجته وأطفاله.
ولم يكن رامز مجرد شاب آخر في هذه البلاد المثخنة بالجراح؛ كان قصة نجاح علمي نادرة.
درس الأدب الإنجليزي، وأكمل عامًا في التربية، ونال درجة البكالوريوس بتفوق، محتلاً المرتبة الأولى على دفعته مع مرتبة الشرف الأولى. ثم تابع مسيرته الأكاديمية حتى حصل على درجة الماجستير في المناهج بتقدير امتياز.
وقبل أن يدخل الجامعة أصلًا، كان قد طرق أبواب العلم مبكرًا؛ درس في المعهد البريطاني، وحصل على شهادة التوفل، وكان من أوائل طلبة الثانوية العامة، بل حقق المعدل الأول على مستوى فلسطين في مادة اللغة الإنجليزية.
لاحقًا أصبح معلمًا يدرّس طلاب الصفين الثامن والتاسع في إحدى مدارس وكالة الغوث للبنين، وكان محبوبًا بين طلابه وزملائه وإدارة المدرسة، لما عُرف عنه من أخلاق طيبة وقلبٍ كبير وروحٍ قريبة من الناس.
لكن الحرب قلبت حياة الجميع رأسًا على عقب.
حين اندلعت الحرب، تحولت المدرسة إلى مركز إيواء للنازحين، فكان رامز يخدم الناس فيها ويقف إلى جانبهم. وبعد أقل من أسبوع، حين قيل إن الحرب قد تطول، بدأت رحلة النزوح التي يعرفها كل أهل غزة:
من الشمال إلى المنطقة الوسطى، إلى بيت أخته، ثم إلى رفح، ثم إلى بيت عمة زوجته، ثم إلى غرب دير البلح، ثم إلى النصيرات، ثم إلى منطقة السوارحة حيث نصب خيمة ليحتمي بها مع عائلته.
رحلة نزوح طويلة كأنها سنوات من التعب وليست مجرد أشهر.
وبعد الهدنة قرر العودة إلى الشمال، كأن القلب لا يعرف طريقًا غير البيت.
استأجر شقة في مخيم الشاطئ ودفع 1500 دولار مقدمًا لثلاثة أشهر، لكنه لم يسكنها فورًا؛ اختار أن يقيم مؤقتًا في تل الزعتر قرب أهل زوجته، ونصب خيمة هناك.
وفي إحدى الليالي، قُصف بيت الجيران قربهم، فنجت العائلة بأعجوبة.
قرر رامز بعدها الانتقال إلى الشقة التي استأجرها في الشاطئ، لكنه أجّل الانتقال ليومٍ واحد فقط.
وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، جاء الصاروخ الذي أنهى الحكاية.
قُصف البيت، وارتقى رامز وزوجته وأطفاله الثلاثة (بنتان وولد)، كما ارتقى ثمانية من أفراد عائلة زوجته.
كان عدد الشهداء في تلك الليلة ثلاثة عشر شهيدًا:
خمسة من عائلة رامز (هو، زوجته، وأطفاله الثلاثة)،
وثمانية من أهل زوجته.
وحين عاد أهله بعد ذلك لوداعه ودفنه، لم يتمكنوا حتى من العثور على جثمانه بين الركام.
كان شقيقه أحمد هو الوحيد الذي بقي في الشمال، فدفن زوجة أخيه وبعض أفراد العائلة، لكن جثة رامز لم تُعثر عليها حتى تلك اللحظة، وبقي اسمه بين الشهداء الذين غيّبهم الركام قبل أن يحتضنهم التراب.
في ختام سطور مقالي
هكذا، في عائلةٍ واحدة، اجتمع العلم والتهجير والصبر والشهادة.
رامي الذي حمل شهادة الجامعة، ورامز الذي حمل التفوق والرسالة التربوية، لم يكونا مجرد رقمين في سجل الشهداء، بل كانا نموذجًا لجيلٍ آمن بأن المستقبل يُبنى بالعلم… حتى وهو يعيش تحت القصف.
ثلاثة عشر نجماً انطفأت في ليلتين من ليالي هذه الحرب، لكن نورهم لن يغيب عن ذاكرة الناس.
ففي فلسطين، لا يموت الذين أحبوا الحياة بكرامة، بل يتحولون إلى حكايات تُروى، وإلى أسماءٍ تظلّ تُذكر كلما قيل:
هنا مرّ أناسٌ طيبون…
فصاروا شهداء.
رحمهم الله جميعًا، وجعل دماءهم نورًا في طريق الحرية..
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .