12:48 مساءً / 15 مارس، 2026
آخر الاخبار

المدرسة.. سيرك عابر أم رحلة وجود؟ بقلم : نسيم قبها

المدرسة.. سيرك عابر أم رحلة وجود؟ بقلم : نسيم قبها

حين يدخل الطفل إلى فصله الدراسي، تحيط به الجدران الملوّنة رغم تصدّعها أحيانا، وتتناثر أمامه الألعاب التفاعلية رغم نسبيتها ، وتومض الشاشات الإلكترونية بوعودها البرّاقة حال وجودها ، يضحك الطفل، يمرح، ويصفق. يسأله الوالدان عند العودة: “هل استمتعت اليوم؟” فيهتف بفرح: “نعم، كان جميلاً”. وفي هذا المشهد تكمن المفارقة الكبرى التي يعيشها التعليم المعاصر، الذي يخلط بين نعيم اللحظة العابر وبهجة العمر الممتد، بين المتعة كحالة شعورية عابرة، والسعادة كحالة وجودية مستديمة.

المتعة ابنة اللحظة، تولد مع الإثارة وتموت بانقضائها. هي كشعاع البرق، يضيء الأفق طرفة عين ثم يغيب في ظلام الليل. حين نُخضع التعليم لمنطق المتعة، نحوله إلى سيرك متنقل، نلهث وراء كل ما يثير انتباه الطفل لوهلة، ثم نتركه فريسة للملل حين تخفت الأضواء. يصبح المعلم بهلواناً لا معلماً، وتصبح المعرفة بهرجاً لا نوراً. هذا النوع من التعليم ينتج أجيالاً مدمنة على الإثارة، تعجز عن الصبر على التأمل، وعن احتمال فترات الصمت الخلاقة التي تسبق كل اكتشاف حقيقي.

أما السعادة في التعلّم، فجوهرها الطمأنينة. هي الشعور العميق بالامتداد، بأن ما نتعلمه اليوم سيؤثث وجداننا غداً، وسيكون عوناً لنا على فهم الحياة وتذوقها. السعادة في عملية التعلّم هي تلك اللحظة التي يقرأ فيها الطالب قصيدة، فلا يفهم معناها فحسب، بل تهتز لها أوتار قلبه. هي ذلك الإحساس حين يمسك بقلمه ليكتب، فيشعر أن الكلمات تخرج من أعماقه لا من كتاب. هي الطمأنينة التي تغمره حين يدرك أن مسألة الرياضيات التي حلها اليوم ستعلمه غداً كيف يوازن ميزانيته، أو كيف يفهم انتظام الكون من حوله.

الفرق بين المتعة والسعادة في جوهره فرق بين “اللحظة” و”المدى”. المتعة تبحث عن الهروب من الواقع، بينما السعادة تبحث عن التعمق فيه. الطفل الذي يتعلم القراءة بصعوبة لا يجد متعة في التكرار والممارسة، لكنه حين يكبر ويقرأ أول كتاب بمفرده، ويغوص في عالم من صنع خياله، تنتشيه سعادة لا تدانيها متعة. تلك السعادة هي ثمرة الصبر والتحدي والإنجاز، وهي لا تشترى بالألعاب ولا بالترفيه العابر.

التعلّم السعيد هو الذي يخاطب في الإنسان حاجته الأبدية للمعنى. هو الذي لا يخاف من طرح الأسئلة الكبرى على الصغار: من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ كيف أعيش مع الآخرين؟ هذه الأسئلة قد لا تثير متعة فورية، لكنها تغرس في النفس بذور الطمأنينة الوجودية. حين يشعر المتعلم أن ما يتعلمه يساعده على رسم خريطة للعالم ولنفسه داخله، يولد لديه الإحساس العميق بالانتماء إلى الكون، وهذه هي السعادة في أسمى تجلياتها.

إن تحويل التعليم من متعة إلى سعادة يتطلب منا إعادة النظر في مفهوم الجهد والمعاناة في عملية التعلّم . فالسعادة العميقة لا تأتي بلا ثمن. هي تشبه النهر، لا يصل إلى البحر دون أن يشق طريقه بين الصخور. الطفل الذي يتعلم العزف على البيان يمر بساعات طويلة من التمرين المضني، لكنه حين يعزف أول مقطوعة متقنة، تنهمر على قلبه سعادة لا تعادلها متعة عابرة. هذه المعادلة الذهبية بين الصبر والثمرة هي ما يغيب عن تعليمنا حين نخاف على أطفالنا من أدنى احتكاك بالجهد.

أيها المعلمون وأيها الآباء، لا تسألوا أطفالكم عند العودة من المدرسة: “هل استمتعت بيومك؟”، بل اسألوهم: “هل تعلمت شيئاً جعلك تشعر بأنك أكبر؟ هل اكتشفت اليوم شيئاً عن نفسك أو عن العالم جعلك أكثر طمأنينة؟” فالمتعة زائلة ، وأثرها يزول بانقضاء النهار، أما السعادة فباقية، تسكن الضمير، وتنمو مع الأيام، وتجعل من الإنسان إنساناً يطمئن إلى وجوده، ويأنس بمعرفته، ويثق بقدرته على مواجهة الحياة.

لنعد للتعليم هيبته كطريق إلى السعادة لا إلى المتعة. لنعلم أبناءنا أن التعلم ليس نزهة في حديقة ألعاب، بل هو رحلة عميقة في حدائق الروح والعقل. حينها فقط سيكبرون وهم يعرفون أن أثمن ما في الحياة ليس ما يمرر الوقت بسرعة، بل ما يملأ القلب بالسكينة، ويمنح العقل النور، ويهب الروح الجناحين.

  • – نسيم قبها – كاتب وباحث – الإئتلاف التربوي الفلسطيني/ الحملة الغربية للتعليم للجميع

شاهد أيضاً

لقاء عبر “الزوم” بين الاتحادات الشعبية لمنظمة التحرير الفلسطينية في السويد والاتحاد العام للمنظمات الأهلية الفلسطينية بمشاركة الجاليات الفلسطينية في أوروبا

لقاء عبر “الزوم” بين الاتحادات الشعبية لمنظمة التحرير الفلسطينية في السويد والاتحاد العام للمنظمات الأهلية الفلسطينية بمشاركة الجاليات الفلسطينية في أوروبا

شفا – في ظل التطورات الخطيرة التي تشهدها الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وفي ظل …