
الإمساك بمضيق هرمز ..الخيار النووي الإقتصادي الإيراني ، بقلم : راسم عبيدات
في إطار التوصيف فإن المواجهة المستعرة بين ايران وامريكا واسرائيل حالياً والمستمرة لا تندرج في إطار مواجهة محدودة أو اختبار قوة عابر، بل هو صراع ذو طابع وجودي يسعى فيه كلّ طرف إلى إعادة صياغة المشهد الإقليمي وفق رؤيته ومصالحه بعيدة المدى.
كما أنها ليست هذه المواجهة حرب عضّ أصابع أو مجرد عملية تسجيل نقاط تكتيكية، بل هي جولة كسر عظم بكلّ ما تحمله الكلمة من دلالات عسكرية واستراتيجية، حيث تتقاطع الأهداف الكبرى مع الحسابات الميدانية التي يسعى كلّ طرف إلى تحقيقها.
ومن هنا فإن ايران لكي تفشل أهداف العدوان المباشرة وغير المباشرة عليها،اعتمدت استراتيجيتين ،سياسة الإعماء والإغراق لمنظومات الدفاع الجوي،وبما يمكن الوصول الى نفاذ الذخائر الدقيقة وصواريخ الإعتراض الجوي ،والوصول الى المرحلة الحرجة،التي لا تستطيع فيها امريكا وشريكتها مواصلة الحرب،والبحث عن تسوية تنزلهما عن الشجرة،ولذلك شنت هجمات طالت القواعد الأمريكية ومنصات الصواريخ وأنظمة الرادارت والمراكز الأمنية والإستخبارية المنتشرة على أراضي الدول العربية،في الخليج والأردن والعراق،وكذلك عملت على إطلاقات كثيفة للصواريخ والمسيرات الإنقضاضية في بداية العدوان ،واستخدمت صواريخ من الأجيال القديمة وغير الدقيقة،لتحقيق هذا الهدف ،لتمهد الى استخدام الصواريخ الدقيقة وذات الرؤوس التفجيرية الثقيلة،من طراز فتاح وعماد وقدر وخورمشهر وخيبر شيكن.
وبالمقابل لجأت لما يعرف بالخيار النووي الإقتصادي،الذي لا يشكل أداة ضغط سياسي فقط ،بل يشكل معيار النصر والهزيمة،عبر التحكم بشريان الطاقة العالمي،بالإمساك بمضيق هرمز وأمن الملاحة البحرية فيه، ضمن الرؤيا الإيرانية التي تقول إما الأمن للجميع او لا أمن لأحد .
أمريكا سعت لتحييد المضيق عن الحرب، لكي تضمن استقرار الاقتصاد العالمي، وايران سعت ليس لتحويله الى أداة ضغط سياسي ،بل حولته الى ورقة ضغط استراتيجية تتجاوز حدود الميدان العسكري.
التخبط والإرباك والكذب الأمريكي وخاصة من قبل الرئيس الذي يكذب كما يتنفس ويطلق التصريح ونقيضه،بدا واضحاً من خلال القول الأمريكي بأن الملاحة البحرية في مضيق هرمز أمنة وتسير بدون عوائق،وأن امريكا دمرت البحرية الإيرانية،وأنها نجحت في تحييد المضيق عن الحرب،ومنع طهران من استخدامه كسلاح اقتصادي.
الوقائع في الميدان وعلى أرض الواقع قالتا عكس ذلك، فالردود الإيرانية على الخطاب الأمريكي ،لم تتأخر وخاصة من قبل الحرس الثوري الإيراني الذي قال ، بأن أمن الملاحة في الخليج مرتبط بأمن إيران، وأن أي محاولة لفرض السيطرة العسكرية على المضيق ستجعل المنطقة كلها ساحة مواجهة. هذا الخطاب لم يكن مجرد موقف سياسي، بل إعلان عن عقيدة عسكرية تقوم على تحويل المضيق إلى أداة ضغط استراتيجية في حال توسّعت الحرب.
التفاعل الإيجابي لأسواق النفط مع التصريحات الأمريكية بالملاحة الآمنة في المضيق،وأن امريكا ستضمن الملاحة فيه بالقوة لو اقتضى الأمر، عبر مرافقة سفن حربية لناقلات النفط، “هرطقات” واكاذيب ترامب،والتي دفعتها الى العودة الى أسعار منخفضة للنفط، سرعان ما تبددت،فإيران قالت بأنها تسيطر على مضيق هرمز،ولا تمنع الملاحة فيه سوى للناقلات الأمريكية والإسرائيلية،والدول التي تطرد السفيرين الأمريكي والإسرائيلي ،سيتاح لناقلات نفطها عبور المضيق.
وعندما لم تنصاع ناقلة نفط اسرائيلية واخرى أمريكية للقرار الإيراني،جرى استهدافهما من قبل الزوارق الإيرانية، وتكذيب للرواية الأمريكية عن أن الملاحة أمنة في المضيق،وأمريكا لم تستطع ان تفرض سيطرتها على المضيق بالقوة العسكرية،ولم ترافق سفن حربية أمريكية ،ناقلات النفط لضمان مرورها.
الإستهداف الإيراني لتلك الناقلتين ،عدا أنه حمل رسائل سياسية وعسكرية ايرانية،تقول بأن الممرّ الذي يعبره يومياً ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية لا يحتاج إلى إغلاق كامل كي يتحوّل إلى عامل اضطراب اقتصادي؛ يكفي أن يصبح العبور فيه محفوفاً بالمخاطر حتى ترتفع أسعار التأمين والنقل وتتراجع حركة السفن والملاحة فيه،لكي يحدث الزلزال في اسواق الطاقة.
أمريكا فشلت في تثيبت معادلتها، بأن الحرب يجب أن تبقى محصورة في الجوانب العسكرية،وأن لا تمتد الى شريان الطاقة العالمي،وايران قالت بأن المضيق جزء من الحرب،وأنه ورقة ضغط استراتيحية،وهي تمسك بهذه الورقة بقوة،وبالمناسبة شريكة أمريكا في الحرب اسرائيل، لم تلتزم في عدم إمتداد الحرب الى شريان الطاقة العالمي، حيث عمدت الى قصف مصافي ومخازن نفط ايرانية، استدعت رد ايراني عليها بقصف ميناء ومصفاة نفط حيفا،والذي ينتج 40% من الطاقة لإسرائيل ،مما اضطر واشنطن للطلب من حليفتها بعدم استهداف مصافي ومخازن النفط الإيرانية، لأن ذلك سيؤدي الى مردود وتداعيات عكسية على اسعار النفط من حيث ارتفاع اسعاره.
واضح بأن لمشهد الحالي يشير إلى أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة، حيث يتحوّل الاقتصاد العالمي نفسه إلى جزء من ميدان المواجهة. وإذا استمرّ الضغط على الملاحة في هرمز، فإن الصراع قد ينتقل تدريجياً من مواجهة عسكرية مباشرة إلى حرب اقتصادية عالمية غير مباشرة، يكون وقودها الطاقة وأسواقها.
مضيق هرمز لم يعُد مجرد تفصيل جغرافي في هذه الحرب، بل أصبح مفتاح تفسير نتائجها. فإذا تمكنت الولايات المتحدة من إعادة الاستقرار الكامل للملاحة فيه فستكون قد نجحت في تحييد أهم أوراق الضغط الإيرانية وتستطيع الاستعداد لإعلان نصرها. أما إذا بقي المضيق ساحة تهديد مستمر، فإن ذلك يعني أن إيران نجحت في إدخال خناق الاقتصاد العالمي إلى قلب المعركة، وهو تطور قد يُعيد رسم توازنات الحرب في الأسابيع المقبلة بحيث يصبح فتح المضيق قضية عالمية أولى، وهو أمر لا يتم دون اتفاق مع إيران يجب تسديد فاتورته لحساب الاعتراف بمطالبها في ما يخص ملفها النووي وبرنامجها الصاروخي وهذه هي شروط الاستجابة المعلنة.
فلسطين – القدس المحتلة
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .