
الجنوب ينزح… فمن يحمي المواطن؟ بقلم : هدى زوين
من الجنوب اللبناني تبدأ الحكاية دائمًا… ومنه أيضًا تبدأ موجات النزول القاسية حين يشتد الخطر. مشهد السيارات المتراصّة على الطرقات، الأطفال المرهقين في المقاعد الخلفية، وأمهات يخبئن خوفهنّ خلف كلمات مطمئنة، ليس تفصيلًا عابرًا في نشرة أخبار، بل صورة وطنٍ يهرب أهله من الموت بحثًا عن حياة.
في قرى الجنوب، ترك الناس بيوتهم على عجل. لم يحملوا سوى الضروري: أوراقًا رسمية، بعض الملابس، وذكرياتٍ لا تُحمل. الأرض بقيت خلفهم، والمواسم تُركت بلا حصاد، والبيوت أُقفلت على أمل العودة. النزول لم يكن خيارًا، بل قرارًا موجعًا اتُّخذ في لحظة خوف صادق على الأرواح.
الطرقات الممتدة من الجنوب نحو صيدا وبيروت تحوّلت إلى طوابير طويلة من السيارات. ساعات من الانتظار تحت الشمس، زحمة خانقة، وقلق يتصاعد مع كل دقيقة. في تلك اللحظات، لا يسأل المواطن عن الاصطفافات السياسية ولا عن التحليلات العسكرية؛ يسأل فقط: لماذا نُترك وحدنا في مواجهة الخطر؟
الأزمة ليست فقط في الخوف من التصعيد، بل في غياب خطة واضحة لإدارة النزوح. أين خطط الطوارئ؟ أين تنظيم السير؟ أين مراكز الإيواء المجهزة مسبقًا؟ كيف يُعقل أن يتكرر المشهد ذاته في كل أزمة وكأننا لم نتعلم شيئًا من الماضي؟
في لبنان، اعتاد الناس على الصمود، لكن الصمود لا يعني أن يُترك المواطن بلا حماية. المسؤولية هنا متعددة. المسؤولية الأولى تقع على كل من يدفع البلاد إلى حافة المواجهة ويجعل المدنيين في قلب الخطر. حياة الناس ليست رسالة سياسية، ولا ورقة ضغط، ولا تفصيلًا في حسابات أكبر.
والمسؤولية الثانية تقع على الدولة بمؤسساتها كافة. حماية المواطنين ليست شعارًا، بل واجب دستوري وأخلاقي. إدارة الأزمات لا تُرتجل في لحظة الانفجار، بل تُبنى بخطط مسبقة، بتجهيز مراكز إيواء، بتأمين طرق بديلة، وبتنسيق فعلي بين الجهات المعنية. الفوضى في لحظة النزوح تضاعف الألم، وتحوّل الخطر إلى معاناة مفتوحة.
أما المسؤولية الثالثة، فهي على المجتمع الدولي الذي يكتفي غالبًا ببيانات القلق والدعوات إلى ضبط النفس، فيما المدنيون يدفعون الثمن الحقيقي.
ما يحدث اليوم في الجنوب ليس مجرد حركة نزوح مؤقتة، بل جرحٌ يتجدد في ذاكرة اللبنانيين. مزارع يترك أرضه، تلميذ يودّع مدرسته، المواطن اللبناني يغلق باب منزله وهو لا يعلم إن كان سيعود إليه قريبًا. هؤلاء لا يريدون أكثر من حقهم الطبيعي في الأمان.
الجنوب لا يطلب المستحيل. أهله يريدون أن يعيشوا في بيوتهم بكرامة، لا أن يتحولوا إلى أرقام في تقارير النزوح. والسؤال الذي يبقى معلقًا في زحمة الطرقات: من يحمي الناس حين يشتد الخطر؟
حين يصبح النزول خيار النجاة الوحيد، يكون الخلل أكبر من مجرد أزمة عابرة. يكون خللًا في إدارة وطنٍ يفترض أن يضع حياة أبنائه فوق كل اعتبار.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .