3:50 مساءً / 5 مارس، 2026
آخر الاخبار

الباحثة والصديقة الأستاذة عابدة عوّاد… إنما الإنسان أثر ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

الباحثة والصديقة الأستاذة عابدة عوّاد… إنما الإنسان أثر ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

الباحثة والصديقة الأستاذة عابدة عوّاد… إنما الإنسان أثر ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

في رحلة الحياة نلتقي بأشخاصٍ يمرّون بنا مروراً عادياً، وآخرين يتركون في الروح أثراً لا يُمحى، كأن حضورهم رسالة خفية تُذكّرنا بأن الإنسان الحقيقي يُقاس بعمق إنسانيته، لا بعدد سنواته ولا بكثرة إنجازاته. ومن أجمل وأرقى الشخصيات التي تشرفت بمعرفتها الباحثة والصديقة الأستاذة عابدة عوّاد، التي لم تكن بالنسبة لي مجرد طالبة ، بل نموذجاً حياً للإرادة الصلبة، والروح المؤمنة، والإنسان الذي يصنع من الألم قوة، ومن المسؤولية طريقاً نحو النجاح.

بدأت معرفتي بها حين تواصلت معي لأكون مشرفةً على رسالتها في مرحلة الماجستير في جامعة النجاح الوطنية. ومنذ اللقاء الأول، أدركت أنني أمام شخصية استثنائية؛ هدوءٌ يرافقه إصرار، وتواضعٌ يختبئ خلفه طموح كبير، واحترام عميق للعلم وللعلاقة الأكاديمية القائمة على الالتزام والثقة. كانت حريصة على كل تفصيل، دقيقة في عملها، تتابع خطوات البحث خطوةً خطوة، وكأنها تنسج مشروعها العلمي بخيوط الصبر والاجتهاد.

لم تكن رحلتها سهلة يوماً؛ فهي معلمة تؤدي رسالتها التربوية بكل إخلاص، وأمٌّ تحمل مسؤوليات أسرتها بحب، وزوجةٌ توازن بين واجبات الحياة ومتطلبات العلم، بل وكانت خلال فترة إعداد الرسالة تعيش تجربة الحمل بكل ما تحمله من تعبٍ جسدي وإرهاق نفسي. ومع ذلك، لم أرَ منها يوماً تراجعاً أو تذمراً، بل كانت تحضر دائماً بروحٍ إيجابية، وعزيمةٍ تُدهش كل من يعرفها.

كانت تتابع معي فصول الرسالة بدقةٍ لافتة، تناقش، تسأل، تعدّل، وتعود أكثر إصراراً على التطوير. رأيت فيها صورة الباحث الحقيقي الذي لا يبحث عن شهادة فحسب، بل عن معرفةٍ تُبنى بإخلاص، وعن أثرٍ علمي يبقى بعده.

لكن الحياة، كما نعرفها، لا تمضي دائماً كما نشتهي. ففي خضمّ رحلتها العلمية، وقع الحدث الأشد ألماً؛ استشهاد شقيقها، الدكتور الشهيد أحمد عوّاد. كان الخبر صادماً موجعاً، لحظةً تختبر فيها الحياة قوة الإنسان وحدود احتماله. ومع ذلك، ورغم الحزن الذي لا توصف قسوته، بقيت عابدة صابرة ثابتة، تحمل وجعها بصمت المؤمنين، وتواصل طريقها بعزيمةٍ بدت وكأنها رسالة وفاء لروح أخيها.

لم أرَ فيها انكساراً، بل رأيت قوةً هادئة تشبه جذور الزيتون حين تضرب عميقاً في الأرض رغم العواصف. كانت تكتب، وتعمل، وتتابع، وكأنها تقول إن العلم أيضاً شكل من أشكال الصمود، وإن الاستمرار في الحياة هو أصدق ردٍّ على الألم.

الأستاذة عابدة عوّاد ليست مجرد باحثة مجتهدة، بل إنسانة تحمل أثراً طيباً في كل من يقترب منها؛ أخلاق رفيعة، التزام صادق، وقلبٌ يعرف معنى الصبر الحقيقي. هي مثال للمرأة الفلسطينية التي تجمع بين العلم والمسؤولية، بين الحنان والقوة، وبين الحزن والأمل.

حقاً…
إنما الإنسان أثر،
وأثر عابدة عوّاد سيبقى شاهداً على أن الإرادة قادرة على أن تنتصر، وأن الإنسان العظيم هو من يحوّل وجعه إلى نورٍ يضيء طريقه وطريق الآخرين.

شاهد أيضاً

بيان اتحاد نضال العمال الفلسطيني بمناسبة يوم المرأة العالمي – 8 آذار

بيان اتحاد نضال العمال الفلسطيني بمناسبة يوم المرأة العالمي – 8 آذار

شفا – في الثامن من آذار، يسلط اتحاد نضال العمال الفلسطيني الضوء على مكانة وحقوق …