
الحوار ، من مهارة مفقودة إلى هوية قيادية ، بقلم : الدكتورة ابتهاج البكري
يعدُّ الحوار وإبداء الرأي المهارةَ الجوهرية في بناء وصقل الشخصية، إذ يعيد تشكيل الوعي والسمات النفسية والاجتماعية للفرد. فالتحاور أداة للتحرر من الاغتراب وللتواصل اللغوي وجسراَ ينقلنا من عالم العزلة الى عالم الحياة الاجتماعية.
لقد كتب الملهم والمفكر العربي ابن خلدون مؤسس علم العمران البشري في مقدمته عن الملكة اللسانية (المقدرة على التحاور والبيان) والنضج العقلي وتشكّل الشخصية الاجتماعية، وأشار الى أن الحوار ليس مهارة لغوية فحسب، بل يعد أداة لبناء العقل وصقل النفس. فالإنسان مدني بطبعه، وأن انخراطه في الحوار، هو ما يهذب طباعه البدائية. وهو الوسيلة الأساسية للتعاون (الاجتماع الإنساني)، ومن خلاله يتعلم الفرد التنازل عن استبداده بالرأي، وهو ما يشكل شخصيته المتزنة القادرة على العيش داخل الجماعة. وإذا نشأ الفرد في بيئة تقوم على التسلط والقهر بدلاً من الحوار والإقناع، فإن ذلك يفسد كينونته، وتتحول الشخصية إلى شخصية مخادعة أو ذليلة تفتقر إلى الأنفة، ويفقد الفرد مقدرته على الإبداع والمبادرة. لذا، فالحوار هو صمام أمان لكرامة الشخصية.
ويعود افتقار الأبناء للحوار إلى سيادة ثقافة التلقي؛ ففي البيت غالباً ما يُستبدل الحوار بـ الأوامر، وفي المدرسة بـ التلقين. هذا النمط يعود لما أسماه التربوي البرازيلي باولو فريري بـ التعليم البنكي، حيث يُنظر للطالب كحساب يودع فيه المعلم المعلومات دون نقاش. فضلا عن ذلك سطوة العزلة الرقمية، حيث استبدل الأبناء الحوار الحي بلغة الإيموجي والرسائل القصيرة والمختصرة بحروف مجمعة لها مدلولات لديهم، مما أفقد المستويات العميقة من التواصل فاعليتها.
وأمام هذا الواقع الشائك تبرز الحاجة الملحّة لإعادة الاعتبار للفكر التفاعلي كأداة للتحرر من قيود التلقين، فإن الحوار والمناقشة ليست مجرد تبادل للكلمات، بل هي عملية نحتٍ للشخصية القيادية، تُمكِّن الطالب من امتلاك شخصيته المأمولة وتأثيره المجتمعي المستقبلي، لذا اتت الاستراتيجيات التعليمية التربوية الحديثة التي تركز وتتبنى الحوار والمناقشة كاستراتيجية حياة لا مجرد أداة تدريس. لكونها تدخل في جميع مراحل تعلمه فتلازمه من صغره الى بلوغه مرحلة الشباب وتكون غرست في نفسه الشجاعة الأدبية، والمقدرة على صياغة الحجة، وفن الإنصات الواعي. فهي هندسة بشرية تنقل العقل من كونه وعاء للمعلومات إلى صانع للأفكار بمعنى لم يعد الهدف هو حشو الذاكرة بالحقائق والمفاهيم والنظريات قد تفقد قيمتها غداً، بل تمكين الفرد من أدوات التفكير والتفاعل والنقد التي تجعل منه عنصراً فاعلاً ومؤثراً. فمن يُحرم من الحوار يُحرم من تطوير ملكاته العقلية، ومن يُقهر في الحوار يُفسد خلقه الإنساني.
لقد كان الهدف الأسمى للتربية الحديثة هو بناء الإنسان الفاعل الذي لا يكتفي بفهم العالم فقط، بل يمتلك الجرأة والمهارة للمشاركة في قيادته، فننتقل بالمتعلم من مقعد المتلقي السلبي إلى منصة المؤثر القيادي، حيث يصبح التعلم رحلة مستمرة لبناء شخصية قادرة على مواجهة العصر بكل تحدياته بمرونة واقتدار. ولعل استراتيجية الحوار والمناقشة “العمود الفقري” للتعليم النشط والمؤثر، وهي الأداة الأكثر فاعلية لنقل الطالب من دور المستمع الصامت للناقد. وتستخدم في بيئات التعلم الوجاهي والتعلم عن بعد. ولجميع تعزز مهارات التواصل وتبني الثقة بالنفس وتنمي التفكير العالي.
تأتي هذه الاستراتيجية كبوصلة توجهنا نحو تمكين الطالب من أدوات التحليل والحوار، محولةً إياه من مستهلك للمعلومة إلى عنصر مبادر ومؤثر مؤكدة على المثل للفيلسوف الصيني الشهير لاوتسو أعطِ رجلا سمكة، فأنت تُطعمه ليوم واحد. علّمه كيف يصطاد، فأنت تُطعمه مدى الحياة، وهذا لب استراتيجية الحوار؛ فالمعلم لا يعطي الطالب معلومة جاهزة (السمكة)، بل يعطيه المقدرة على التفكير والحوار (الصيد) ليتعلم بنفسه مدى الحياة، ومفاده أن المساعدة المؤقتة تكرس التبعية، بينما التعليم يحرر الإنسان.
لذا يستوجب توضيح ان الاستراتيجيات مجموعة من الخطط والوسائل المدروسة التي تُستخدم لتحقيق أهداف تعليمية وسلوكية محددة. هي ليست مجرد طريقة تدريس، بل هي فلسفة تفاعل تهدف إلى مشاركة الطالب في كل خطوة، مما يعزز من ثقته بنفسه ومقدرته على الإبداع.
ومن هنا اوجه دعوة وتوصية للأسرة بضرورة تحويل الكيان المنزلي من منصة لإلقاء الأوامر إلى احتضان دافئ للحوار البناء. فتبني الديمقراطية الوالدية والتعامل اللين في اتخاذ القرارات اليومية، وتخصيص مساحات زمنية آمنة للبوح العاطفي دون إطلاق أحكام، هو الكفيل بنقل الابن من حالة التبعية السلبية إلى حالة الفاعلية الواثقة الراسخة. فالأسرة التي تمنح طفلها حق الكلمة والشجاعة، وتضع اللبنات الأولى في بناء شخصيته القيادية، وتغرس فيه الذكاء الاجتماعي الذي يعينه على فهم ذاته والتعاطف مع الآخرين قبل الانطلاق إلى معترك الحياة.
واوجه توصية للمؤسسة التربوية (حاضنة الفكر ومنارة التمكين)
أن على المؤسسة التربوية أن تعيد صياغة دورها لتكون بيئةً محفزةً للاستقصاء لا مجرد مخزنٍ للتلقين، وذلك من خلال اعتماد الحوار والمناقشة كاستراتيجية تدريس مركزية تكسر جمود المناهج التقليدية. وتقتضي هذه التوصية تدريب المعلمين على التحول من دور المصدر الوحيد للحقيقة إلى دور الميسّر الذكي، الذي يتقن فن طرح الأسئلة وإدارة التباين الفكري داخل الصف بمرونة واقتدار.
إن خلق مجتمع تساؤل داخل الفصل الدراسي، إذ يُكافأ الطالب على جودة نقده وشجاعة طرحه، وبسهم في ردم الفجوة التي خلفها التعليم البنكي، ويحول المدرسة إلى جسرٍ يعبر منه الطالب نحو مستقبله مسلحاً بأدوات التفكير النقدي والمقدرة على التأثير المجتمعي الواعي ليشكل هوية الطالب الثقافية والقيادية.
ولتعزيز مهارة الإنصات الواعي وتدريب الأبناء على فن التفاوض واحترام الرأي الآخر يجب أن يتجاوز الفصل الدراسي المفهوم التقليدي الذي يحصر الحديث للطلبة المتميزين أو الأكثر جرأة، ليصبح الحوار حقاً مكفولاً للجميع، بما في ذلك الطالب الخجول أو المتردد. إن تمكين كل طالب من التعبير عن رأيه هو اعتراف ضمني بقيمته كإنسان ومقدرته كمتعلم، وهو ما يكسر العزلة الفكرية ويضمن العدالة التربوية في توزيع فرص النمو الشخصي والقيادي داخل الحصة الدراسية. فالحوار حق لجميع الطلبة وعلى مختلف مستوياهم.
ولا بد من الإشارة لدور المعلم المهم ونجاحه في حوار الفصل لا يُقاس بمقدار ما قاله هو، بل بمقدار ما جعل طلابه يقولونه ويفكرون فيه. هذه الرحلة التربوية يرتكز على معلمٍ ميسّر يمتلك تواضع وصبر، وتحول الفصل من منصة للأوامر إلى محضنٍ فكري يزرع الثقة ويحصد الوعي. وان لا نبحث في الحوار عن إجابات نموذجية، بل نبحث عن إنسان فاعل يمتلك الذكاء العاطفي لاحتواء الآخر، والشجاعة الأدبية لإثبات الذات، والمقدرة النقدية للمشاركة في صياغة عالمٍ أفضل واقوى.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .