2:35 صباحًا / 4 مارس، 2026
آخر الاخبار

تقرير : الضفة الغربية بين تحولات الإقليم وتحديات الداخل

تقرير : الضفة الغربية بين تحولات الإقليم وتحديات الداخل

كيف يمكن تحويل اللحظة الراهنة إلى فرصة سياسية واقتصادية؟


شفا – وصال أبو عليا – في ظلّ التصعيد العسكري المستمر والتغيرات المتسارعة في الشرق الأوسط، تقف الضفة الغربية أمام مفترق طرق حاسم. فبين ضغوط الواقع الميداني، وتعقيدات المشهد السياسي الإقليمي، وتحديات الاقتصاد الفلسطيني، تتزايد الحاجة إلى مقاربة جديدة تتجاوز حالة الانتظار إلى الفعل. لم يعد السؤال يدور حول ما يحدث، بل حول كيف يمكن للفلسطينيين—وخاصة في الضفة الغربية—استثمار التحولات الجارية لصالح قضيتهم الوطنية وتعزيز صمودهم على الأرض.

التماسك الداخلي كشرط للتحول السياسي


يرى مدير مركز ثبات للبحوث والدراسات جهاد حرب أنّ التحول من حالة “المتلقي” إلى “الفاعل” إقليمياً لا يمكن أن يتحقق دون تغييرات جوهرية على المستوى الفلسطيني الداخلي. ويؤكد أنّ الأولوية تكمن في بناء حالة من التماسك الوطني ضمن استراتيجية نضالية واضحة، تقوم على تفعيل المقاومة الشعبية لحماية المواطنين وتعزيز صمودهم في مواجهة سياسات الاحتلال.

ويضيف حرب أنّ غياب هذه الرؤية الموحدة يُبقي الفلسطينيين في موقع رد الفعل، في وقت تتطلب فيه المرحلة قدرة على المبادرة. كما يشدد على أنّ أي تقدم سياسي يظل مرهوناً أيضاً بتغيرات في المشهد الإسرائيلي، ولو في حدها الأدنى، بما يسمح بفتح نافذة لمسار سياسي مستقبلي.

مساران سياسيان متوازيان… والضفة أمام اختبار الاختيار


يشير حرب إلى أنّ الفلسطينيين يواجهون مسارين رئيسيين، الأول: تقوده السعودية وفرنسا، ويستند إلى القانون الدولي وخيار حل الدولتين، مع انخراط فلسطيني رسمي فيه. والثاني تقوده الولايات المتحدة بالشراكة مع إسرائيل، ويهدف إلى إعادة تشكيل القضية الفلسطينية وفق مقاربات بديلة لا تجعل حل الدولتين خياراً حتمياً.

في هذا السياق، تبدو الضفة الغربية مطالبة بعدم الاكتفاء بالانخراط الحذر، بل بالضغط باتجاه شراكة حقيقية مع الأطراف الداعمة للحقوق الفلسطينية، خصوصاً الدول العربية. فالمرحلة الحالية، بما تحمله من إعادة تشكيل للتحالفات، تتيح هامشاً يمكن استثماره سياسياً—إن توفرت الإرادة، وفقا لحرب.

دعوة للضفة… من الانتظار إلى المبادرة الإقليمية


وفي ضوء التحولات الإقليمية، يؤكد القيادي الفلسطيني تيسير نصر الله أن المرحلة تتطلب نداءً واضحاً للضفة الغربية، مشدداً على أنّ التفاعل مع المتغيرات لم يعد كافياً، بل ينبغي السعي لصياغتها.

ويشير إلى أهمية انخراط القيادة الفلسطينية في شراكات سياسية واقتصادية مع الدول العربية الداعمة، والمطالبة بدور فاعل في أي ترتيبات إقليمية قادمة، إلى جانب توحيد الجهد الدبلوماسي لضمان حضور فلسطيني مؤثر في معادلات الشرق الأوسط الجديدة.

الدبلوماسية الفلسطينية ومحاولة إعادة تموضع القضية


يؤكد نصر الله أنّ القيادة الفلسطينية تعمل على استثمار علاقاتها الإقليمية والدولية لإعادة وضع القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام، في ظل محاولات إسرائيل تهميشها عبر الحروب والتصعيد.

ويشير إلى أنّ التحركات الفلسطينية تشمل:تفعيل القنوات الدبلوماسية مع الدول العربية والإقليمية، وإعادة التأكيد على القرارات الدولية كمرجعية للحل، وكذلك الضغط على الإدارة الأمريكية للتأثير على السياسات الإسرائيلية.

كما يرى نصر الله أنّ ما يجري في المنطقة يمكن تحويله إلى فرصة، عبر توظيف الرأي العام العالمي المتزايد تعاطفاً مع القضية الفلسطينية، والتأكيد على أنّ غياب العدالة في قضية فلسطين هو أحد أسباب عدم الاستقرار الإقليمي.

الاقتصاد كرافعة للصمود… لا كملف ثانوي


بدوره، يوضح المحلل الاقتصادي د. هيثم دراغمة أنّ أي حديث عن صمود فلسطيني دون تمكين اقتصادي هو حديث ناقص. ويؤكد أنّ الاستثمارات العربية المشتركة تمثل فرصة حقيقية لدعم الاقتصاد الفلسطيني، عبر: خلق فرص عمل وتقليل نسب البطالة والفقر، وتوفير بيئة استثمارية أكثر أماناً مقارنة بالاستثمارات الفردية، ناهيك عن الحد النسبي من استهداف الاقتصاد الفلسطيني من قبل الاحتلال.

ويحذر د. دراغمة من أنّ تقليص التبعية الاقتصادية لإسرائيل لا يزال صعباً في ظل غياب السيطرة على المعابر والموانئ، واستمرار القيود المفروضة على الحركة والتجارة، إضافة إلى أزمة أموال المقاصة.

ويرى أنّ بناء شبكات تعاون اقتصادي إقليمي ممكن، لكنّه يتطلب: إرادة سياسية فلسطينية حقيقية، وتحركاً دبلوماسياً أكثر فاعلية، وكذلك مواجهة العراقيل الإسرائيلية المتوقعة.

العدالة المجتمعية والاقتصادية… شرط للصمود الحقيقي


في خضم هذه التحديات، وفقا لما قاله د. دراغمة تبرز ضرورة التشديد على العدالة المجتمعية والاقتصادية داخل الضفة الغربية. فالصمود لا يتحقق فقط عبر الشعارات السياسية، بل من خلال: توزيع عادل للموارد والفرص، ومكافحة التهميش داخل المجتمع الفلسطيني، ودعم الفئات الأكثر هشاشة، خاصة في المناطق المهددة مثل الأغوار.

ويحذر د. دراغمة من أنّ إهمال هذه الجوانب قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية سنوية كبيرة، ويضعف القدرة على الحفاظ على الوجود الفلسطيني في المناطق الحيوية.

بين المسار الدولي وإعادة بناء الداخل


تتقاطع آراء المتحدثين د. دراغمة، وحرب، ونصر الله عند أهمية الجمع بين المسار الدولي (الأمم المتحدة والمحاكم الدولية)، وتعزيز الجبهة الداخلية الفلسطينية، والانفتاح على المجتمع الإسرائيلي لدعم التيارات المؤيدة للسلام.


فالتغيير السياسي لا يمكن أن يتحقق دون بيئة داخلية متماسكة، ولا دون استثمار كل المسارات المتاحة—السياسية، الاقتصادية، والقانونية.

في لحظة إقليمية تعاد فيها صياغة موازين القوى، لا تملك الضفة الغربية رفاهية الانتظار. التحولات الجارية قد تحمل مخاطر كبيرة، لكنّها في الوقت ذاته تفتح نافذة نادرة لإعادة تموضع القضية الفلسطينية.

الرهان الحقيقي اليوم يكمن في الانتقال من رد الفعل إلى الفعل: من الترقب إلى المبادرة، ومن التشتت إلى التماسك، ومن التبعية إلى الشراكة.

إنّ استثمار هذه اللحظة يتطلب إرادة سياسية موحدة، وانخراطاً إقليمياً فاعلاً، وعدالة داخلية تعزز صمود الإنسان الفلسطيني—باعتباره حجر الأساس في أيّ مشروع تحرري قادم.

شاهد أيضاً

استطلاع CGTN: الموضوعات الرئيسية التي تستحق التركيز عليها في "الدورتين السنويتين" للصين

استطلاع CGTN: الموضوعات الرئيسية التي تستحق التركيز عليها في “الدورتين السنويتين” للصين

شفا – يشهد الوضع الدولي الحالي أعمق تحول له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي …