
من طهران إلى جرينلاند… سياسة الحافة وإعادة رسم خرائط النفوذ ، بقلم : أحمد سليمان
لم يعد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران حدثاً معزولاً في جغرافيا الشرق الأوسط، بل بات جزءاً من لوحة دولية أوسع تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات النفوذ الاستراتيجي العالمي. فمع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عادت معه مقاربة تقوم على الحسم والضغط وتوسيع دوائر القوة الأميركية، ليس فقط في الخليج، بل أيضاً في مناطق بعيدة جغرافياً وقريبة استراتيجياً، وفي مقدمتها جرينلاند وشمال إسكندنافيا.
في الملف الإيراني، أعادت واشنطن تفعيل أدوات “الضغط الأقصى”، انطلاقاً من قناعة بأن تشديد العقوبات وتكثيف الرسائل العسكرية كفيلان بدفع طهران إلى التراجع أو القبول بشروط تفاوضية جديدة. غير أن التجربة السابقة أثبتت أن إيران، التي تشكّل نظامها السياسي بعد ثورة عام 1979 بقيادة روح الله الخميني، بنت عقيدتها على الصمود في وجه الضغوط الخارجية. لذلك فإن أي رهان على انهيار داخلي سريع أو تغيير جذري بفعل العقوبات وحدها يبدو أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى الحسابات الدقيقة.
إيران من جهتها تعتمد سياسة الردع المتدرج، وتلوّح بقدرتها على توسيع نطاق الاشتباك إذا فُرضت عليها المواجهة. وهذا التوازن الحساس يجعل المنطقة تعيش على إيقاع حافة الهاوية، حيث يمكن لأي خطأ في التقدير أن يشعل مواجهة تتجاوز حدود الخليج.
أما إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، فتنظر إلى هذا التصعيد باعتباره فرصة لإعادة تثبيت أولوياتها الأمنية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في غزة والتوتر على جبهات متعددة. غير أن توسيع دائرة النار لا يضمن أمناً دائماً، بل قد يفتح مسارات يصعب التحكم في نتائجها، خاصة إذا تداخلت الحسابات الإقليمية مع الاستراتيجيات الدولية الكبرى.
وهنا تتضح الصورة الأشمل. فالتشدد الأميركي في الشرق الأوسط يتزامن مع اهتمام متزايد بالقطب الشمالي، حيث تتحول جرينلاند إلى نقطة ارتكاز استراتيجية في معادلة التنافس العالمي. هذه الجزيرة، الخاضعة للسيادة الدنماركية، ليست مجرد أرض جليدية بعيدة، بل موقع حيوي يطل على ممرات بحرية جديدة تفتحها التحولات المناخية، إضافة إلى ثروات طبيعية ومعادن نادرة تُعدّ مفتاحاً لصناعات المستقبل.
كذلك فإن شمال إسكندنافيا، الممتد عبر السويد والنرويج وفنلندا، يشهد حضوراً عسكرياً متنامياً في إطار ترتيبات أمنية أطلسية متسارعة. المنطقة التي كانت تُعرف بهدوئها الاستراتيجي أصبحت جزءاً من حسابات الردع العالمية، في ظل تنافس محتدم على النفوذ والموارد والممرات البحرية.
الربط بين طهران وجرينلاند ليس مبالغة خطابية، بل قراءة في منطق القوة الذي يحكم السياسة الدولية اليوم. فالإدارة الأميركية الحالية تسعى إلى تثبيت موقعها في أكثر من ساحة، من الشرق الأوسط إلى الدائرة القطبية، في مواجهة قوى كبرى صاعدة. غير أن توسيع مساحات الاشتباك يحمل مخاطر مضاعفة، لأن تعدد الجبهات يضاعف احتمالات الخطأ ويجعل العالم أكثر هشاشة.
أوروبا، الواقعة بين التحالف الأطلسي ومتطلبات الاستقلال الاستراتيجي، تجد نفسها مرة أخرى أمام اختبار صعب. فبين أمنها الطاقي ومصالحها الاقتصادية من جهة، وتحالفاتها العسكرية من جهة أخرى، تتقلص مساحة المناورة. أما العالم العربي، المنقسم والمنهك، فيقف متفرجاً على تحولات قد تعيد رسم خريطة الإقليم لعقود مقبلة.
إن مقولة “أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض” تختصر حال التشرذم الذي يسمح بتمرير مشاريع الهيمنة خطوة بعد خطوة. فحين تغيب الرؤية الجماعية، تصبح كل منطقة ساحة مفتوحة للتجاذبات الدولية، سواء في غزة أو في الخليج أو حتى في الدائرة القطبية الشمالية.
العالم اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن تتحول مناطق التنافس، من إيران إلى جرينلاند وشمال إسكندنافيا، إلى مساحات حوار وتوازن عقلاني، أو أن تصبح خطوط تماس جديدة في صراع مفتوح على النفوذ. والتاريخ يعلّمنا أن القوة، مهما تعاظمت، لا تبني استقراراً دائماً ما لم تُضبط بإرادة سياسية تعترف بأن أمن العالم لا يُصنع بتوسيع ساحات المواجهة، بل بتقليصها .
- – أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .