2:40 صباحًا / 25 فبراير، 2026
آخر الاخبار

ما بعد الكاش: كيف تعيد التكنولوجيا المالية رسم ملامح التعاملات اليومية ، بقلم : سارة أبو حجلة

ما بعد الكاش: كيف تعيد التكنولوجيا المالية رسم ملامح التعاملات اليومية ، بقلم : سارة أبو حجلة

في السنوات القليلة الماضية، لم يعد اختفاء النقود الورقية من الجيوب مشهدًا مستغربًا، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية لكثير من الأفراد. بصورة أدق، أصبحت التعاملات اليومية تتم بإستخدام وسائل الدفع الإلكتروني والتي تعتبر أحد مخرجات التكنولوجيا المالية. وبالتالي، يمكننا التأكيد على أننا أصبحنا نعيش اليوم في مرحلة “ما بعد الكاش”، حيث تعيد فيها التكنولوجيا المالية رسم ملامح التعاملات اليومية، وتغيّر علاقتنا بالمال، وبالزمن، وحتى بالآخرين.


على مدى عقود، شكّل الدفع النقدي العمود الفقري لكل معاملة يومية، من أبسط المشتريات إلى تسديد الإلتزامات الشهرية. في هذا السياق، كانت هذه العملية تحمل في طياتها مشاهد مألوفة مثل عدّ النقود، انتظار الفكة، وغيرها. اليوم، تلاشت هذه التفاصيل تدريجيًا أمام ضغطة على الهاتف أو تمرير بطاقة، في تحول يعكس تسارع وتيرة الحياة ورغبة الناس في إنجاز أمورهم بأقصى قدر من السهولة والسرعة. هذا التغيير لم يكن تقنيًا فقط، بل ترك بصمته على سلوك الأفراد ونظرتهم إلى المال وأساليب استخدامه.


استنادا للمذكور أعلاه، باتت أدوات التكنولوجيا المالية قريبة من الناس أكثر من أي وقت مضى. بمعنى، لم تعد حكرًا على البنوك أو الشركات الكبرى، بل تسللت إلى معظم البيوت والأسواق، وأصبحت أداة يومية يستخدمها الموظف والطالب وربّة المنزل على حدّ سواء في اتمام معاملاتهم اليومية مثل دفع الفواتير، تحويل الأموال، والتسوق، جميع هذه العمليات باتت تتم في ثوانٍ معدودة. هذا التبسيط خفّف من الأعباء اليومية، وقلّل من طوابير الإنتظار، ومنح الأفراد قدرة أكبر على متابعة مصروفاتهم وفهم أنماط إنفاقهم بوضوح.


ولم يتوقف أثر هذا التحول عند الجانب المالي فقط، بل امتد إلى الحياة الإجتماعية. فقد أسهمت سهولة تحويل الأموال في تعزيز قيم التعاون والمساندة، سواء داخل الأسرة أو بين الأصدقاء. بشكل أكثر تحديدًا، إن مساعدة قريب أو دعم صديق لم يعد يحتاج إلى ترتيب مسبق أو لقاء مباشر، بل أصبح تصرفًا سريعًا يعكس روح التضامن. في المقابل، وعلى العكس تماما، يرى البعض أن الإعتماد المتزايد على الوسائل الرقمية قلّل من التفاعل الإنساني المباشر، وأبعد الناس عن بعض التفاصيل البسيطة التي كانت ترافق المعاملات النقدية. إلا أن الواقع يشير إلى أن المجتمع يعيد تشكيل توازنه، محاولًا الجمع بين الكفاءة الرقمية والحاجة الدائمة إلى التواصل الإنساني.


ورغم المزايا الواضحة لتكنولوجيا المالية، فإن هذا التحول لا يخلو من تحديات. فهناك فئات لا تزال تجد صعوبة في التعامل مع التطبيقات الرقمية، إما بسبب التقدم في العمر أو ضعف المعرفة التقنية. كما تبرز مخاوف تتعلق بالأمان وحماية البيانات الشخصية، خاصة مع تزايد الإعتماد على الهواتف الذكية في إدارة الشؤون المالية. هذه التحديات تفرض مسؤولية مشتركة على المؤسسات والمجتمع لنشر الوعي، وتقديم حلول مبسطة، وضمان أن يكون التحول الرقمي شاملًا ولا يترك أحدًا على الهامش.


وفي الختام، يمكن التأكيد على أن ما نشهده اليوم ليس مجرد مرحلة عابرة، بل مسار طويل نحو مستقبل مالي متغير يعتمد على السرعة والمرونة والشفافية. فالتكنولوجيا المالية، في جوهرها، ليست مجرد أدوات للدفع أو التحويل، بل وسيلة لتعزيز جودة الحياة وجعل التعاملات اليومية أكثر انسجامًا مع إيقاع العصر. وفي زمن ما بعد الكاش، يكتسب المجتمع لغة جديدة للمال، رقمية في شكلها لكنها تعكس في جوهرها احتياجات إنسانية قديمة: السهولة، الأمان، والثقة. ويبقى التحدي الحقيقي هو كيف نجعل هذا التحول في خدمة الإنسان والمجتمع، لا مجرد استبدال للنقود بأرقام على الشاشات.

سارة أبو حجلة
خبيرة في الإدارة المالية
ماجستير إدارة مالية
جامعة Dongbei University of Finance and Economics
جمهورية الصين الشعبية

شاهد أيضاً

مدير عام الشرطة اللواء علام السقا يؤكد على السلاح الشرعي الواحد والاستمرار في مكافحة أية مظاهر للفلتان

مدير عام الشرطة اللواء علام السقا يؤكد على السلاح الشرعي الواحد والاستمرار في مكافحة أية مظاهر للفلتان

شفا – أكد مدير عام الشرطة اللواء علام السقا، على مبدأ السلاح الشرعي الواحد باعتباره …