2:40 صباحًا / 25 فبراير، 2026
آخر الاخبار

مثلث المسؤولية الرقمية المتساوي : كيف يتقاسم الأهل والحكومات حماية جيل المستقبل ؟ بقلم : الدكتورة ابتهاج البكري

مثلث المسؤولية الرقمية المتساوي: كيف يتقاسم الأهل والحكومات حماية جيل المستقبل ؟ بقلم : الدكتورة ابتهاج البكري

يعيش العالم اليوم “ثورة تشريعية” لإعادة صياغة علاقة القاصرين بالفضاء الرقمي. لم يعد الأمر مجرد نصائح تربوية، بل تحول إلى قضايا أمن قومي وصحة عامة في الدول المتقدمة مثل أستراليا، بريطانيا وعدة ولايات أمريكية.


تنبثق أهمية هذه القضية من كون الطفل هو اللبنة الأساسية التي يُبنى عليها كيان المجتمع؛ فصلاح الأمة ومستقبلها مرهونتان بمدى جودة تنشئة هذا الجيل. إن الحرص على تغذية عقول الأطفال بالقيم والمبادئ السوية في سنوات تكوينهم الأولى هو استثمار طويل الأمد في الأمن القومي والاجتماعي. وفي ظل الاجتياح الرقمي، لم يعد التحدي مجرد تربية تقليدية، بل أصبح معركة للحفاظ على هوية الطفل وعقله من خوارزميات صُممت لتعليب الأفكار وتبسيط الوعي وتميعه. لذا، فإن وضع ضوابط لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليس تقييداً للحريات، بل هو سياجٌ حامٍ يضمن نمو هذه اللبنة في بيئة صحية، بعيداً عن صخب العالم الافتراضي الذي قد يشوه القيم الأخلاقية أو يغتال براءة الطفولة، لضمان بناء مجتمع متماسك يستمد قوته من أفراد يمتلكون الوعي والارتباط بواقعهم لا بشاشاتهم.


أما المسؤولية في هذه القضية الشائكة، فهي مسؤولية تضامنية لا تقع على كاهل طرف دون آخر، بل تتوزع ضمن مثلث متكامل الأركان:


⦁ مسؤولية الحكومات: يكمن دورها انها المظلة القانونية، التي لا بد من أن تفرض تشريعات صارمة تلزم شركات التقنية بوضع معايير أمان عالية، وفلترة المحتوى الذي يمس القيم أو يغذي الإدمان الرقمي، معتبرةً أن حماية الطفل هي قضية أمن مجتمعي عابرة للأجيال.
⦁ مسؤولية شركات التقنية: تقع عليها المسؤولية الأخلاقية والتقنية في إعادة تصميم خوارزمياتها لتكون صديقة للطفولة بدلاً من كونها فخاخاً للدوبامين، مع ضرورة ابتكار أنظمة تحقق من العمر تضمن عدم اختراق القاصرين لهذا الفضاء، قبل بلوغ النضج الكافي بتطوير تقنيات ذكاء اصطناعي فاعلة لكشف أعمارهم الحقيقية بدلاً من الاعتماد على تاريخ الميلاد الذي يسهل تزييفه..
⦁ مسؤولية الأسرة والمجتمع: هي المسؤولية التربوية المباشرة، إذ يقع على عاتق الوالدين دور الرقيب الواعي والمربي الذي يغرس القيم والمثل العليا، ويوفر للطفل البدائل الحركية والاجتماعية الواقعية التي تشبع فضوله وتغنيه عن العالم الافتراضي، ليكونوا هم الحصن الحصين الذي يحمي هذه اللبنة من التصدع أمام إغراءات الشاشة.

لقد تحول استخدام الشاشة من تسلية إلى إدمان رقمي، فعندما تنجح التكنولوجيا في اختراق نظام المكافأة في المخ، وتتم هذه العملية عبر تصميم التطبيقات إذ لا توجد نقطة توقف، ليلغي الإشارات الطبيعية التي تخبر الدماغ بالتوقف. ومع مرور الوقت، يعتاد دماغ الطفل على مستويات عالية من الدوبامين الناتج عن السرعة والإثارة في السوشال ميديا. هنا يحدث التأقلم، فيصبح النشاط العادي (مثل اللعب أو الدراسة) لا يفرز ما يكفي من الدوبامين لإرضاء الدماغ، فيشعر الطفل بالملل الشديد والاكتئاب ما لم يعد للشاشة؛ وهذا هو جوهر الإدمان.


كيف يصل الطفل لهذه الحالة؟


⦁ الهروب العاطفي: يلجأ الطفل للشاشة للهرب من القلق أو الوحدة، فتصبح الشاشة مُسكّناً يعود إليه كلما واجه مشكلة.
⦁ التوافر الدائم: وجود الهاتف في يد الطفل طوال اليوم يجعل الوصول للمخدر الرقمي سهلاً وسريعاً.
⦁ غياب البدائل: عندما يفتقر الجدول اليومي للطفل لأنشطة واقعية تمنحه شعوراً بالإنجاز، تصبح السوشال ميديا هي المصدر الوحيد لملء الوقت والفراغ.

لقد تحركت الدول المتقدمة في الآونة الأخيرة نحو فرض قيود قانونية صارمة وغير مسبوقة، وانتقلت من مرحلة تقديم النصائح إلى مرحلة التشريع الإلزامي.


فمثلا استراليا اقرت قانون يحظر السوشال ميديا لمن هم دون 16 عاماً. وهدفها لحماية الصحة العقلية ومنع التنمر الإلكتروني.


أما فرنسا فتطبيق الأغلبية الرقمية لمن هم (15 عاماً) فأكبر، إذ يُمنع من هم أصغر من فتح حساب دون موافقة صريحة من الأبوين لتعزيز الرقابة الأبوية وضمان إشراف الأهل على النشاط الرقمي.
أما بريطانيا فقانون الأمان عبر الإنترنت الذي يلزم الشركات بإزالة المحتوى الضار فوراً، لمنع تعرض الأطفال لمحتوى يشجع على العنف.


أما في فلوريدا فتحظر حسابات الأطفال دون 14 عاماً، وإلزام الشركات بمسح حساباتهم وذلك للحد من إدمان الشاشات وحماية بيانات القاصرين من الاستغلال التجاري.


لماذا تحركت هذه الدول الآن؟ (الأسباب والدوافع)


تجمعت هذه القوانين في الفترة بين نهاية 2024 وبداية 2026 كنتيجة لتقارير صحية عالمية ربطت بشكل مباشر بين ارتفاع حالات الاكتئاب والانتحار لدى المراهقين وبين طبيعة الخوارزميات الإدمانية لهذه المنصات. إنستغرام” و”تيك توك”.


كما أن الحكومات وجدت أن شركات التقنية الكبرى لن تضحي بأرباحها لحماية الأطفال، وأن تطبيقاتها مصممة لتكون مسببة للإدمان، فكان لا بد من تدخل قانوني رادع.


وتحول الفضاء الرقمي إلى بيئة خصبة للاستغلال والابتزاز، وبات من الصعب على الأهل وحدهم السيطرة على الرسائل والمحتوى الذي يصل لأطفالهم. لاحظت الأنظمة التعليمية تراجعاً في المقدرة على التركيز والقراءة العميقة بسبب النمط السريع للمحتوى الذي تعود عليه الأطفال، وتأثر تحصيلهم الدراسي.

ماذا عن الطفل العربي؟؟؟؟؟


بينما تسن الدول المتقدمة قوانين صارمة لحماية أطفالها، لا يزال طفلنا العربي في معظم الدول يواجه المحتوى الرقمي بلا مظلة قانونية تحميه من استغلال البيانات أو تمنع عنه الخوارزميات المسببة للإدمان. هذا يجعله عرضة لمحتوى قد لا يتناسب مع سنه أو هويته الثقافية.


كما انه يتلقى محتوى معولماً غزيراً (عبر تيك توك ويوتيوب و….الخ) غالباً ما يحمل قيمًا، وأنماط حياة، وأفكاراً غريبة عن بيئته ومجتمعه. هذا يخلق حالة من التشتت القيمي، إذ يجد الطفل نفسه تائهاً بين ما يراه في شاشته وبين الواقع والمثل التي تحاول الأسرة غرسها فيه.!!!!!!!!!!!


المربية الرقمية”: حين يصبح الهاتف بديلاً عن الأم


وفي ظل ضغوط الحياة المعاصرة وتزايد الأعباء المنزلية والمهنية، وقعت الكثير من الأمهات في فخ المسكّن الرقمي؛ حيث يُقدم الهاتف للطفل كأداة سريعة لضمان هدوئه وانشغاله، لتتمكن الأم من إنجاز مهامها. هذا الانشغال، وإن كان اضطرارياً في كثير من الأحيان، يحول الشاشة إلى مربية بديلة وهنا بداية سحب البساط من تحت دور الأم التربوي والتحاوري.


واحياناً يكون انشغال الأم ليس بالعمل، بل بهاتفها الخاص؛ فعندما يرى الطفل والدته تقضي جل وقتها في التصفح، يتولد لديه شعور بأن هذا العالم الافتراضي هو المركز الأهم للاهتمام، فيقلدها تلقائياً.


ولا بد من السعي والتحرك من خلال المؤسسات التربوية وقياداتها بدورها الجوهري في هذه القضية فهي الحاضنة التي يقضي فيها الطفل جلّ يومه، وهنا تبرز مسؤوليتها في تحويل التكنولوجيا من “أداة إدمان” إلى وسيلة تعلم.


ودور المدرسة اليوم يتجاوز التعليم الأكاديمي ليصل إلى غرس مفهوم المواطنة الرقمية؛ أي تعليم الطفل كيف يتعامل مع الشاشة بمسؤولية، وكيف يميز بين المحتوى النافع والغث، وكيف يحمي نفسه من التنمر الإلكتروني.

وقبل أن تسرق الشاشات ملامحهم


نقول في نهاية المطاف، إن معركة حماية الأطفال من تغول السوشال ميديا ليست معركة “منع” بل هي معركة “بناء وعي” وإدارة موارد. لا يمكننا إلقاء اللوم على طرف واحد، فالمسؤولية تقع ضمن دائرة تضامنية كبرى (مثلث برمودا/ مثلث المسؤولية الرقمية المتساوي)


لنعد لأطفالنا حقهم في الملل الذي يصنع الإبداع،
وفي اللعب الذي يبني الجسد،
وفي الحوار الذي يشكل الوجدان.


فلنجعل من التكنولوجيا جسراً للعبور نحو المعرفة، لا سياجاً يعزلهم عن الحياة؛ فالمستقبل لا يُبنى بـ نقرات الأصابع، بل بعقولٍ واعية وقلوب تنبض بالقيم والمثل.

شاهد أيضاً

مدير عام الشرطة اللواء علام السقا يؤكد على السلاح الشرعي الواحد والاستمرار في مكافحة أية مظاهر للفلتان

مدير عام الشرطة اللواء علام السقا يؤكد على السلاح الشرعي الواحد والاستمرار في مكافحة أية مظاهر للفلتان

شفا – أكد مدير عام الشرطة اللواء علام السقا، على مبدأ السلاح الشرعي الواحد باعتباره …