1:30 صباحًا / 24 فبراير، 2026
آخر الاخبار

من لحظة النكبة الجديدة إلى أفق النهوض ، بقلم : هاني ابو عمرة

من لحظة النكبة الجديدة إلى أفق النهوض ، بقلم : هاني ابو عمرة

ثمة لحظات في تاريخ الشعوب لا تقاس بحجم الخراب الذي خلفته، بل بقدرتها على إعادة تعريف ذاتها بعد الخراب. وما نعيشه اليوم، بكل ما يحمله من دمار في غزة، وتسارع في الضفة نحو الضم ومصادرة الأرض، وتكثيف لمحاولات إعادة تشكيل القرار الفلسطيني، يكاد يشبه -في جوهره- اللحظة التي أعقبت نكبة عام 1948. يومها لم يكن السؤال فقط عن البيوت التي هدمت، ولا عن القرى التي مسحت، بل عن معنى أن يبقى الفلسطيني فلسطينياً في مواجهة مشروع أراد له أن يذوب أو يمحى أو يعاد تعريفه.

اليوم تتكرر اللحظة بصيغة مختلفة. ليس لأن التاريخ يعيد نفسه حرفياً، بل لأن المنطق العميق للمشروع الذي يستهدف فلسطين لم يتغير: تفكيك الجغرافيا، إنهاك المجتمع، إعادة هندسة الهوية، ثم طرح صيغ إدارة بديلة توحي بالاستقرار بينما تفرغ الحق من مضمونه. يراد لغزة أن تتحول إلى مساحة تدار أمنياً وخدماتياً، ويراد للضفة أن تستنزف تدريجياً عبر الاستيطان والضم الزاحف، فيما يطرح السؤال على الفلسطيني: هل تقبل بإدارة أفضل لما تبقى، أم تتمسك بحلم الدولة والسيادة؟


لكنهم ينسون – كما نسي كثيرون بعد 1948 – أن الهوية الفلسطينية لم تولد من فائض الرفاه، بل من قلب المحنة.

بعد النكبة، ظن البعض أن المخيم سيكون نهاية الحكاية، وأن وكالة الغوث ستصبح الإطار الدائم لتعريف الفلسطيني بوصفه لاجئاً فحسب. غير أن المخيم تحول إلى خزان للوعي، واللجوء إلى ذاكرة حية، ومن رحم الشتات ولدت حركة وطنية أعادت صياغة الفلسطيني كفاعل سياسي لا كضحية دائمة.


اليوم أيضاً، ثمة من يراهن على أن إعادة الإعمار يمكن أن تختزل في إدارة إنسانية طويلة الأمد، وأن الفلسطيني سيعاد تعريفه بوصفه محتاجاً للمساعدة لا صاحب حق سياسي. وربما يظن البعض أن تقليص دور وكالة الغوث أو إعادة تعريفها سيضعف الرواية الفلسطينية أو يبددها. لكن ما غاب عن حساباتهم أن العالم تغير، وأن الفلسطيني تغير معه. لم يعد ممكناً حشر القضية في قمقم التعتيم الإعلامي كما كان في خمسينيات القرن الماضي. التقنية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وشبكات التضامن العابرة للقارات، أخرجت الرواية الفلسطينية من حدود الجغرافيا الضيقة إلى فضاء عالمي مفتوح. فما جرى في غزة لم يبق خبراً عابراً في نشرات المساء؛ لقد شاهده العالم حياً، وتفاعل معه، وأصبح جزءاً من ضمير إنساني واسع.

قضية فلسطين اليوم لم تعد قضية شعب معزول في ركن منسي من العالم. إنها قضية ضمير لكل فرد رأى وسمع وتابع. وهذا التحول في الوعي العالمي يتقاطع مع تحول أعمق في وعي الفلسطيني ذاته. الفلسطيني الذي عاش عقوداً بين الاحتلال واللجوء والانقسام، بات يحمل إحساساً متجدداً بالوطن المنهوب، أو الذي ينهب بالتدريج. لم تعد المسألة مجرد شعارات سياسية، بل صارت تعريفاً وجودياً للإنسان لنفسه.


“الفلسطنة” هنا ليست بطاقة هوية، بل وعياً ذاتياً بالانتماء إلى أرض وحق وتاريخ.

وهذه اللحظة، بكل قسوتها، تحمل في طياتها فرصة نهوض جديدة. لكنها ليست فرصة تلقائية. بعد 1948 احتاج الفلسطيني إلى سنوات طويلة حتى يعيد تنظيم نفسه، إلى أن جاءت منتصف الستينات، حين قررت نخبة وطنية أن تبادر، وأن تطرح السؤال الجوهري: كيف ننتقل من حالة اللجوء إلى حالة الفعل؟ أولئك الذين أطلقوا التحول لم يكونوا جياعاً بالمعنى الحرفي، ولم يكونوا مدفوعين بيأس أعمى، بل كانوا مبادرين بوعي عميق، يبحثون عن معنى الكرامة والهوية قبل البحث عن المكاسب الضيقة.


صحيح أن التجربة الوطنية لاحقاً شهدت تقدماً وتراجعاً، إنجازات وإخفاقات، شأن كل تجارب الشعوب. لكن ما لا يمكن إنكاره أن تلك المرحلة عمّقت الإحساس بهوية وطنية متميزة، في وقت كانت فيه هذه الهوية تتنازعها تعريفات أخرى، وبين محاولات طمس واحتواء. كان الصراع يومها على تعريف الفلسطيني لنفسه قبل أي شيء آخر.

اليوم يتكرر الصراع ذاته، ولكن بأدوات مختلفة. هناك من يحاول إعادة تعريف الفلسطيني بوصفه “سكاناً” يحتاجون إلى إدارة، أو مجتمعاً يعاد تنظيمه أمنياً أو كيانا؟ منفصلاً هنا وآخر هناك. وفي مقابل ذلك، المطلوب أن تتطابق الفلسطنة مع الحق، وأن تكون نقيضاً للظلم، وأن تتحول إلى لغة أخلاقية تستمع إلى أنين كل مظلوم، لا إلى لغة ضيقة تحكمها المصالح الفئوية والحزبية أو الحسابات الصغيرة.


إن النهوض المقبل، إن أردناه أن يكون أعلى وأعمق، يحتاج إلى سمو في الخطاب والسلوك معاً، لا يمكن لمشروع وطني أن يقاد بعقلية تبحث عن الامتيازات، أو تنحصر رؤيتها في حدود المنفعة الآنية. التجربة التاريخية تقول إن التحولات الكبرى يصنعها مثقفون مشتبكون، ونخب واعية، تقودها إرادة أخلاقية قبل أن تقودها الحسابات الحزبية او المنفعية. فالنهوض لا يكون رد فعل غاضباً، بل فعلاً واعياً يعيد ترتيب الأولويات: وحدة الأرض، وحدة القرار، تجديد الشرعية، واستعادة الثقة بين القيادة والشعب.


ومن هنا فإن المعركة الراهنة ليست فقط مع مشاريع الضم أو مع صيغ الإدارة الدولية المقترحة، بل مع خطر الانزلاق إلى ردود فعل آنية تفقدنا البوصلة. المطلوب رؤية متكاملة تربط بين إعادة إعمار غزة في إطار وطني جامع، وبين التصدي لسياسات الضم في الضفة، وبين إعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية تشاركية تعزز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية كمظلة جامعة لكل أبناء الشعب.

إن وحدة الأرض ووحدة القرار ليستا مسألة إجرائية، بل مسألة هوية ووجود. حين تتوحد الجغرافيا تحت مرجعية سياسية واحدة، يصبح من الصعب إعادة تعريف الفلسطيني أو اختزاله. وحين يعاد تفعيل مؤسساتنا الوطنية، وتفتح الأبواب أمام مشاركة أوسع، وتتجدد النخب بروح المبادرة لا بروح الغنيمة، يمكن للنهوض أن يكون أعلى من أي مرحلة سابقة.
نحن أمام مفترق طرق شبيه بما أعقب النكبة الأولى. يومها ظن كثيرون أن الفلسطيني انتهى، فإذا به يعيد إنتاج ذاته سياسياً وثقافياً ونضالياً. واليوم قد يظن البعض أن حجم الدمار والانقسام كفيلان بإضعافه إلى حد العجز. لكن التاريخ علمنا أن الهوية التي تتشكل من الألم تصبح أصلب، وأن الوعي الذي يتكون تحت النار يكون أكثر صفاء.


المسألة في النهاية مسألة وقت، ومسألة قدرة على تحويل الإحساس بالوطن المنهوب إلى مشروع سياسي جامع. إذا نجحنا في أن نجعل الفلسطنة مرادفاً للحق والعدل، وأن نعيد وصلها بمشروع تحرري واضح المعالم، فإن أي مجلس أو مبادرة أو خطة لن تستطيع تجاوزنا. أما إذا تركنا الفراغ يتسع، فسيمتلئ بغيرنا.

إن اللحظة الراهنة ليست خاتمة فصل، بل بداية فصل جديد. بين النكبة والنهوض خيط رفيع اسمه الوعي. وبين الخراب والبناء مسافة اسمها الإرادة. وإذا كان فلسطيني الستينات قد صنع تحوله بسؤال جوهري عن معنى أن يكون الفلسطيني فلسطينياً، فإن سؤالنا اليوم لا يقل عمقاً: كيف نجعل من هذه المحنة بوابة لتجديد مشروعنا الوطني، لا محطة لإعادة هندسته بعيداً عنا؟


الجواب يبدأ من هنا: من الإيمان بأن فلسطين ليست مجرد أرض متنازع عليها، بل هوية حية لا يمكن لأحد أن يلمسها أو ينكرها، لأنها ببساطة تعريف الإنسان لنفسه. وحين يدرك الفلسطيني هذه الحقيقة، ويقودها وعي ناضج وإرادة صلبة، يصبح النهوض حتمياً، ويغدو المستقبل امتداداً لإرادة شعب قرر أن يبقى.

شاهد أيضاً

الجدول النهائي للميداليات في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية "ميلانو كورتينا 2026

الجدول النهائي للميداليات في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية “ميلانو كورتينا 2026

شفا – أسدل الستار على فعاليات النسخة الـ25 من دورة الألعاب الأولمبية الشتوية “ميلانو كورتينا …