5:19 مساءً / 23 فبراير، 2026
آخر الاخبار

قراءة نقدية لديوان ” موعد مع القدس” للشاعر معاذ العالم ، بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

قراءة نقدية لديوان " موعد مع القدس" للشاعر معاذ العالم ، بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

قراءة نقدية لديوان ” موعد مع القدس” للشاعر معاذ العالم ، بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

  • قصائده تجسِّد ثورة على الواقع: السياسي، والاجتماعي،الذي يعيشه ويتفاعل معه
  • لجأ إلى النوستالجيا للتعبير عن تجربته الشعورية

    أهداني الشاعر” معاذ أحمد العالم” ديوانه الشعري الأول مشكورا، الذي حمل عنوانا لافتا للإنتباه ومثيرا ومحفِّزا للتفكير ” موعد مع القدس”، فيه دعوة وحث على استنهاض هِمم عشاق النضال من أجل القدس مهوى القلوب، وتزيِّن غلافه الخارجي الأيمن لوحة فنّية للفنان التشكيلي” عماد أبو اشتيه” تعانق تحمل اسما “سوف نعود.. من الرّكام”، وهي مستوحاه من واقعنا الفلسطيني المعاش، ومعبِّرة أفضل تعبيرعن أمل شعبنا في الحريّة ، وإنهاء الاحتلال الجاثم على أرضنا.

  • وقد أهدى الديوان إلى من ضحوا بأنفسهم وأرواحهم في سبيل حريّة واستقلال الوطن الحبيب فلسطين..وإلى بلدته الصامدة والمكافحة “بيت ريما” وزيتونها، وتينها، وعِنَبها، وجبالها الخضراء..
    يتكون الديوان من(284)صفحة من الحجم المتوسط ، ويحتوي على (41) قصيدة، بعضها عمودي، والبعض الآخر من الشعر الحر الذي يمتاز بوحدة التفعيلة، وتمتاز هذه القصائد بتنوع مضامينها، فمنها: سياسية، دينية، وصفية،عذرية، رثائية، ومناجاة، وطنية، ووجدانية التي تعكس المشاعر، والأحاسيس التي اختلجت في نفس الشّاعر تجاه، وطنه، وشعبه وما مر به، وخَبِرَه من معاناة على الصعيد: النفسي، والوطني، والعاطفي خلال مسيرته الحياتية.لذلك جاءت قصائده لتجسِّد ثورة على الواقع: السياسي، والاجتماعي، والعاطفي الذي يعيشه ويتفاعل معه.
    لقد ظهرت بواكير تجربته الشعرية منذ بداية الستينيات من عمره، بعدما تخرّج من الثانوية العامة، لكن كان انتاجه قليلا ما بين الستينيات والسبعينيات فحفظه على شكل مخطوطات. بعد حصوله على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية وآدابها من الجامعة اللبنانية سنة 1979م، وانخراطه في العمل بالسعودية، وبعد انتهاء حرب الخليج الأولى عام1988م عاد إلى الأردن وعمل في وزارة الاتصالات حتى تقاعده أمده الله بالصحة والقوة.
    لقد اثّر عدم الاستقرار على حياته في المهجر، بسبب رفض الاحتلال إعادة بطاقته الشخصية له، وبذلك فقدها وأفقدوه المواطنة، وأصبح لاجئا.

  • وعلى إثر ذلك، حُرم من العودة إلى مسقط رأسه بلدة” بيت ريما” في فلسطين المحتلة التي ولد فيها عام 1947م. وأضحى كبقية ملايين اللاجئين الفلسطينين المُشرّدين خارج الوطن الأم.

  • في هذه الفترة بالذات، إزداد إنتاجه لتغريبه عن الوطن قسرا، وصارت العودة إلى الوطن بالنسبة له حلما، وتقضّ مضجعه، مثله مثل شعراء المهجر الذين هاجروا أوطانهم في أواخر القرن التاسع عشر لأسباب:سياسية، واقتصادية ، واجتماعية واستقروا في الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، و شكلوا لاحقا “مدرسة المهجر الأدبية”، ونظموا شعر الإغتراب للتعبير عن الغربة، وإظهار مشاعر الحنين للوطن ومرارة الغربة. وتميزوا ببراعة الوصف والنزعة التأملية الإنسانية,
    كان من أبرزهم: جبران خليل جبران، إيليا أبو ماضي، ميخائيل نعيمة، ورشيد الخوري، وفوزي معلوف، ونسيب عريضة، وميشيل معلوف، وماري عطالله، وسلوى أطلس وغيرهم.، في قصيدته ” موال من بلدي” بث فيها لواعج حب الوطن والذكرى والتعبير عن شعوره الجميل المخلوط بألم الإغتراب عن الوطن، فيقول فيها..

أنا عربي فلسطيني…… وقدسي مهد تكويني
وحب الأرض في قلبي …. لهيب في شراييني
وإن في غربتي رامت….. رماح الغدر ترديني
بلادي لي بها وطن……….من الأعداء ترقيني
ومن خيراتها أحيا………. ومنها الماء تسقيني
أعيش على مرابعها…….وصوت الناي يشجيني
إذا ما جعت تطعمني…….. وإن شردت تنجيني
ونفح هواءها سحر …… من الأسقام يشفيني
فلا يافا ولا حيفا…………سنين البعد تنسيني
ولا عكا ولا صفد…….. ولا الرملة تجافيني
احن إلى مرابعها ………. ونار البعد تكويني
غريب عنك يا وطني …….. لها يزداد تحنيني
فأجمع كل اشلائي……….. وأُبحر نحو سخنين
أزور ربوع بلدتنا…………. أعرج نحو برقين
أطير لدير غسان …………وفي عيني كفر عين
قراوة يا بلاد الخير………. ويا سودان ضميني
وبيت الرّيم مهد صباي…. ..بها مأوى محبيني
ونبع الماء في عابود …… وفي الزرقاء يرويني
أحن لصيف رام الله ……….بلاد العنب والتين
يجنّ بخاطري شوق ……… فيسعر نار أتوني
فأذرف دمعة حرى ……….وأجهش بالبكا حين
تحن لسحرها روحي…… وذكر القدس يحييني
ألا يوم يعود بنا…………. إلى أحضان بيتين
ودورا القرع جارتها……. بها الأصحاب تؤويني
فيا رمون انتظري………… ويا. دبوان لاقيني
لنا من بعد غيبتنا………….. لقاء منك يغنيني
وبير الزيت تذكرني……… طري العمر عشريني
لها في قصتي ذكر………….. وعشق لا يجافيني
سأبقى رغم غربتنا…… ….عروبي … فلسطيني
ويبقى ذكر قريتنا… ……… لهيب في شراييني

مضافا إلى ذلك، تأهيله العلمي العالي الذي زاد من ثقافته الأدبية وصقل موهبته الأدبية، والواقع الفلسطيني المعاش المثخن بالجراح، فصار يكتب الشعر باللغتين العربية والإنجليزية.


لقد كان من بين دوافع كتابته للشعر، الإلهام نتيجة الظروف التي يعيشها الشاعر ووطنه، والتفاعل مع المحيط،، والأحداث العالمية، والتغريب عن الوطن.


أستطيع القول، الآن أصبح لديه الآن أربعة دواوين، ثلاثة منها باللغة العربية، هي: ” الوداع الأخير” سنة2024م، و ديوان” زمن الإبادة” 2926م، بالاضافة إلى ” موعد مع القدس” سنة2023م الذي نحن بصدد الحديث عنه، أما ديوانه الشعري باللغة الإنجليزية، فهو بعنوان “Sentimental Revelations”.”إيحاءات عاطفية”.


كما علمت من الشاعر نفسه، أنه كان ينشر قصائده باللغة الإنجليزية في موقع أدبي إلكتروني أمريكي خاص بشعراء اللغة الإنجليزية العالميين ، وكل هذه الدواوين، عبارة عن مخطوطات جاهزة للطباعة. أما قصائده باللغة العربية، فكان ينشر بعضا منها في: جريدة القدس، ودنيا الوطن، ووكالة معا، و شبكة فلسطين للأنباء – شفا ، وواثق نيوز، وإذاعة وقنوات سقيفة المواسم الثقافية….


من خلال قراءتي لهذا الديوان، أستطيع القول:إن من أبرز خصائص شعر “معاذ العالم” الوطني هو التعلّق بالوطن، والحنين إليه، ويبرز مدى أهمية قيم الحريّة والاستقلال لدى الشّعب الفلسطيني وخلاصه من براثن الاحتلال، وكذلك يبعث الأمل في النفوس، مركزا على مدى قدرتها وقوّتها على التحرر.


كما لا يخلو شعره الوطني من استخدام الصور الشِّعرية المتنوعة، دينية، ومجازية.. ومن الملفت أن أسلوبه الفني يتضمن لمسات إنسانية، ويوظف معجمه اللغوي بكلمات تحمل دلالات تنطق بروح الغضب والثورة ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين، خاصة وأنه عاش وما زال يعيش حياة التشتيت، والتهجير كبقية اللاجئين الفلسطينيين الذين حرمهم الاحتلال من حقهم في العودة إلى وطنهم الأم.


القارئ للديوان، يلاحظ أن مواضيع شعره تركز على ذم الاحتلال وممارساته التعسفيّة، وفضح عيوبه، والدفاع عن الوطن السليب، واستنهاض الشعب والأمة. وبعضها يركز على التغنّي بوصف بلدته مسقط رأسه. للتدليل على ذلك أرفق قصيدة العمودية بعنوان” بيت ريما”، يقول فيها:


دوري على تلك المنــازل دوري وتنشقي عـطـــرا من المنثــــــور
في “بيت ريما” وأرتوي من سحرها وتمـرغي في جــوها المسحــــور
وإستقبلي شمس الصباح بريعــها وتغســــلي في حضنـها بالنـــــور
وتجولي فــــوق التلال وسهلهـــا وتفيئي فـــــي ظلــــها بالحــــــور
وترشفي من زهرها قطر النــدى يختــال فــي حبــاتــه الـــــبلـــور
هي روضة هامت على أفنــائها روحي لهــــــا ومحبتي ونشـوري
مري على الأبواب حييي أهلهـا والقي السلام على أهـالي الـــــدور
وتوقفي فوق التلال وناظــــري خضر السهول ومرجها المزهـور
هي جنتي كانت ومهد ملاعـبــي وبها رضعت الحب لحن شعوري
في صحبة الأتراب بين خميلـة غنى عــلى أفنــائــها الشحـــــرور
والطيـــر في جنباتها في نشــوة تشــدو بألحـــان الصبــاح بكـــور
والجـــدول المفتون رق بمـــاءه فانـداح يرقـــص بهجة وســــرور
كانت لنـــا دوحـــا وكانت جنـة يختـال فــي جنباتهــا الــــــزرزور
رقص الربيع بسهلها وجبالـــها والــــزهر مـــاج بنشوة وغـــرور
طابت وطاب سماؤها وهواؤها مــن نفحة الدفلى وعطر الجـوري
أبكيتني حينا وحينــــا هاجـــني منــــك الحنين لأربــــع وغديـــــر
منه إرتويت ومنه أمــلأ قربتي ومـن الربيع وسادتي وسريـــــري
وعلى الربوع كتبت أجمل قصة ورضعت منها عزتي وحضـوري
يا زائرا خذني بدربك أرتـــــوي من عبقــها من فـــــوحــــة التنــور
من غادي يرعى القطيع ونايـــه فـي الصبح يصدح نشوة وحبــــور
من غادة بكرت وفي أتــــرابـها تمـشي الهـــــدا في قدها الــمـغرور
كي تملآ الأقـــــداح من خيراتها تينا وعنبـــــا خضــــرة وزهـــور
يصبو النسيم فــــــما يقبل خـدهـا حتى يجـــن صبابـــــة المـــخمـور
وأبى يفارق سحرهــا من وجـده فانحــال في الأفنـاء كالعصفـــــور
كبرت بنا الأيام وإبتعـدت بنــــا الأزمان بين شـواطيء وبحــــــور
يا زائـــرا خـــذني أقبل تربــهـا كي أرتــوي من مائها المـــقـــرور
بيني وبين أحبتي صار المـــدى سدا مـــن الأخطـــار والمحظـــور
هم في حياض لفهــا شبح الـردى وتسربلت بـدمــائهم مـــن نــــــور
يغتالهم فـــي كل يـــوم غاصـب هدم البيوت وساحهــا المعمــــــور
فيبـات يعمر ليلهـــم ونهـــارهـم رجع الرصاص وهجمة الجنزيــر
ويقض مضجعهم ويسرق نومهم يغتـــال فرحتهم ضحى وسحـــور
يــا حسرة تلك الليــالي أقلعـت وتناثرت عبر المدى المــهجــور
يا ليت شعري هل لنا من عودة نطفي بهـا ظمأ السنين البــــــور
ويعود للأرض التي عشنا بها في “بيت ريما” مجدها المغدور
للــه درك “بيت ريما” دوحـــة سكر الزمان بها مـدى ودهـــور
من أجل التعبير عن تجربته الشعورية، لجأ الشاعر إلى استخدام النوستالجيا


(الحنين) في شعره، حيث استخدم مفرداتها التي أتت مرة اسما، مثل: منازل، عطرا، بيت ريما، التلال، حضنها، روضة، السهول، جنتي، ملاعبي، الصباح، سهلها، سماؤها، غدير، الأيام، والسنين… ومرة أخرى جاءت فعلا مضارعا، مثل: تنشقي، تمرَّغي، تغسَّلي، تفيئي، يختال، تشدو، تمشي، يصبو، تسربلت، يغتالهم، تناثر.. تأكيدا لحضور النوستالجيا وما يشغل حالته الراهنة، وتجسيد موروث أجداده وأسلافه.


هنا، نلاحظ كيف وظَّف شاعرنا “العالم” الأفعال المضارعة، والماضية في شعره للمساهمة في سرد الذكريات والأحداث، ولعكس مدى إنفعالاته وتمنياته،ولإظهار وقوع الحدث في زمن التكلم الحاضر المستمر.


من أبرز خصائص شعر ” معاذ العالم”، الحنين حيث عبّر من خلاله عن مدى الشوق للريف والعودة إلى الطبيعة، ووصفه الدقيق للعناصر الطبيعية، كالأشجار، والجبال، والتلال، والحقول، والينابيع، والطيور، والملاعب، والتغنِّي بالحياة البسيطة لأهل القرية، وبجمال طبيعتها ومناظرها، وعلاقتهم بالأرض، مع التركيز على مدى الراحة النفسية التي توفرها. هذا الشعر يعتبر جزءا أساسيا في الأدب تميز به شعراء الرومانسية أيضا.


أما في قصيدته ” موعد مع القدس”، فنجد أن شاعرنا “معاذ العالم” دخل في خِضَم


معركة السرديات الرقمية المرتبطة بفلسطين والاحتلال، والتي أطلق عليها رئيس وزراء الكيان المصطنع بـ” الحرب الثامنة”، أي حرب الوعي والرواية، بعدما لاحظ الاحتلال، مدى الدور الكبير غير المسبوق الذي لعبته المنصة العالمية للتواصل الاجتماعي “تيك توك” في كسر احتكار السرد الغربي التقليدي، وإتاحتها لملايين المستخدمين الاطلاع المباشر على مشاهد بطش الاحتلال، وشهادات فلسطينية حيَّة، الأمر الذي شكل ضغطا شعبيا وإعلاميا عليه وعلى حلفائه..
هَدَفَ الشاعر من هذا الدخول إلى فضح سياسات الاحتلال من ناحية، وتوعية المواطنين من ناحية ثانية، نظرا لإدراكه بأن الشعر يلعب دورا إعلاميا وتوعويا مهما في الدفاع عن الحق الفلسطيني المغتصب أمام الرواية الصهيونية الزائفة.
أقرأوا ماذا يقول في القصيدة:


لكي لا يكون لصهيون ملكا
ويعلو بأرضي علوا كبيرا
ويغتصب الأرض ظلما وكرها
ويمحي الهوية غصبا وزورا
ويسرق منّا الحياة ليبني
بأرض فلسطين صرحا وسورا
وينشر فيها الفناء لشعبي
ليسكن فيها جناة العصورا
ويبطل فيها الصلاة غداة
وينشر فيها الخنا والخمورا
يدنس كل المساجد فيها
لتصبح للخيل مأوى حقيرا
ويغتال فيها الشباب صغارا
ويسبي النساء وشيخا كبيرا
ويحرق أشجار كرم يعيش
على خيره العجوز الفقيرا
ولا يبقى منا الصغار لكي لا
يصيروا رجالا شدادا جسورا
ويطمس تاريخنا زورا لننسى
ويجني من الأرض خيرا كثيرا
لتغدو الخيام حياضا ومأوى
لمن كان يعمر طيب القصورا
يعيشوا ملوكا بأرض تغنى
بها الخلق حسنا بماضي العصورا
ويحيوا على ما تجود به
جنان من الخير خضر نضيرا
لكي لا يقال بأنا جزعنا
وأنا تركنا المزارع بورا
وأنا هجرنا التراب الذي
عليه تربى الجدود دهورا
وأنا الذين ثرى الأرض بعنا
لننعم بالعيش طيبا حبورا
ونأكل طيب الموائد تيها
ونلبس منها الثياب الحريرا
وأن الخيانة في الشعب طبع
ومن خان كان الولي المجيرا
رمينا بإفك الخيانة صرنا
نعيّر حتى جهلنا المصيرا
وصار الشريف يُخوّن ظلما
ومن خان صار شريفا أميرا
لكي لا نعيش على الذل دهرا
ونقبل كل الأذى والشرورا
ويمعن في قتلنا كل علج
ويستعبد منا الشباب الصغيرا
يقتّل شعبا يعيش بأمن
ليغدو شريدا بأرض هجيرا
ويبطش بالأهل دون حياء
ويرهب طفلا طريّا غريرا
ويسرف في غيه دون قيد
ولا يرعوي ويتيه غرورا
ويهدم كل المباني ظلما
ويسلب أحلامنا والمصيرا
ويسعى لتهجير من ساد فيها
ويطرد سكانها ظلما وجورا
حلفنا بأنّا سنبقى حماة
لأرض فلسطين عبر الدهورا
وأنا سنرخص منا الدماء
فداء إلى القدس حرا غزيرا
وندفع عنها الغزاة ونسقي
ثراها من العين دمعا حرورا
و نغرس في عيون الأعادي
سهاما من النار حمرا سعيرا
نحرر إنجاد أرض تباهت
بمسجدها وكنيسا طهورا
يباركها الرّبّ دون سواها
بمهد المسيح ومسرى البشيرا
وتحفظها ناشطات السماء
وتمنع عنها عظام الأمورا
فيا قدس إنّا على موعد
سيأتيك بالنصر ربّ قديرا
نطهّر تربك من كل رجس
ونغسل وجهك يغدوا منيرا
نضمخ جدرانك عطرا ومسكا
ونمسح دمعك يهمي خفورا
ونفرش ساحك من كل لون
من الورد والفل أحلى زهورا
نقيم الصلاة بأقصاك فجرا
ونرفع صوت المنادي ظهيرا
ونسجد لله حمدا وشكرا
له والمعين لنا والنصير

أما في قصيدتي”أنشودة الغضب” و” لن نرحل” فنجد أن الشاعر وجّه رسالة نداء إلى الأمّة العربية والعالم الصامت أمام جرائم الاحتلال، واستخدم فيهما صورا بلاغية قوية مثل:” وسنبقى في جسد المحتل كالدِّمل”، لتصوير صمود الشعب، وليعبِّر عن الألم الوطني والشخصي، وليوثِّق لحظة قاسية من لحظات الإعتداء على شعبنا، وهي عبارة عن صرخة شعرية توثِّق مأساة الإنسان الفلسطيني,ففي أنشودة الغضب يقول:

غضب…..غضب..
غضب… غضب
فلتخجل أمة العرب
القدس عروس عروبتهم
في كل  يوم  تُغتصب
تغتال  صباحا ومساء
وهم في عرس وصخب
والأقصى يستغيث بهم
وليس يجاب له طلب
يطوف بزواياه  الموت   
ويقتل الأهل بلا سبب
فلا  مجيب  لصريخه
ولا  مغيث من العطب
فرشوا السِّجاد لغاصبه
وقدموا   له  الرُّطب
واطعموه خير الأرض
واستسلموا عند الغضب
ونسوا ما تفعل أيديه
وما استباح وما سلب
خانوا  وما  خُنّا  ولا
يوما  تخطينا  الأدب
لكن   أمة   الأعراب
الخير منهم قد نضب
ولم   يعودوا  عَربا
والعزم منهم قد هرب
فاصبحوا  أضحوكة
لكل من هبّ ودبّ
والكل  يغزو  أرضهم
والمال ينهب والذهب
وليس فيهم  نخوة
العُرٍب ولا طبع العرب
وهمهم  من  الحياة
أكل وشرب وطرب
وعيشة  هنية وحلّة
  من  القصب
ولم  يعد  يربطهم
بالأرض أصل أو نسب
في كل عام  يفتنون
وهم ككومة الخشب
وليس يحسنون  سوى
الشجب والنوح والخطب
وتذلل  لهيئة
ومجلس لا يُستطب
ولم تعد شيم  الرجال
تثير العزم في النخب
ولا غرابة  فهم أحفاد
عدو الله  أبو لهب
وزوجه التي   تمشي
للنار تحمل   الحطب
فلا  ابن الوليد بينهم
ولا المقداد إذا اضطرب
ساح الوغى من حولهم
ودنا  العدو  واقترب
ولا  عنترة على مهره
ولا  عمير بن  وهب
ولا  زيد   بن  حارثة
  وجعفر  بن عبد المطلب
ولا   القعقاع   بسيفه
يجندل من منه اقترب
لله   درك  فلسطين
مهد الأديان عبر الحِقب
معراج الهادي إلى السّماء
ومسرى النبي  المنُتخب
وأرض الحشر بيوم البعث
جافاكِ  الكل فلا  عجب
لله  درك  ماذا  نقول؟
وليس ينفع  شتم وسَبْ
  لن يسمع  الصم الدعاء
وترد الروح  فيمن ذهب

وفي قصيدة” لن نرحل” يقول:

وسنبقى في جسد المحتل كالدمل
نؤرق نومه نفسد يومه
ونصول عليه كالقدر المنزل
لن نرحل
وسنبقى في جسد المحتل كالدمل
ننغص عيشه نوقف طيشه
نحول أديم الارض له مرجل
لن نرحل
وسنبقى في جسد المحتل كالدمل
نار في قلب الغاصب أتون يشعل
تحرق جوفه تجدع انفه
وتدق عظام بني صهيون
من الرأس إلى المفصل
لن نرحل
وسنبقى في جسد المحتل كالدمل
وسنبقى درعا لفلسطين
لحيفا وعكا والمجدل
وسيبقى الأقصى قبلتنا
رغما عن أنف بني صهيون
وسنفضح زيف المحتل
لن نرحل
وسنبقى في جسد المحتل كالدمل
وليسمعها كل الأغراب
وجميع العالم والأعراب
أنا باقون الحراس
للأرض وقدس الأقداس
بدمانا نفديها ما دام بنا نبض
والغاصب عن أرضى، يرحل

كما ذكرت آنفا، بأن شاعرنا كتب القصائد الدينية أيضا، ففي قصيدته”خُلق الإسلام” نجد أنه بتناوله هذا النوع من الشعر، جاء لتعزيز الإيمان وغرس القيم الإسلامية السامية في النفوس، ولحفظ الهوية الثقافية، ولتهذيب وتربية النفوس، وبحثُّ على الفضائل وإرشاد الضال والجاهل، والدفاع عن العقيدة الإسلامية في مواجهة المرتدين والمشككين. اقتطف لكم جزءا منها، يقول فيها:


كرَّمَ    اللهُ      وَجهَه
مَنْ  آمن  بالله  واتبع
هَدي  رسوله  الأمين
وسجدَ لخالِقهِ  وخَشَع
وقام عن الدِّين  مُدافِعا
واسْتلَ  سَيفَهُ  واندفع
يَحمي حياضَ المسلمين
ومَنْ    لِخالقهِ    رَكع
ولم يُخفِ  لومةَ  لائمٍ
ولا   لِقولِهِ      استمع
وجاهدَ في سبيلِ   الله
بنفسهِ   وما      جَزَع
وحفظَ   اللهَ  في  قلبِهِ
وفي الخطيئةِ  لم   يَقعْ
ولم    يَبخَل      بِمالهِ
على  الفقيرِ ولم   يَدَعْ
مِسكيناً  يَتكَفَّف  الناس
إلا    وله       فَزَع
وصانَ  حُقوقَ    جارِهِ
وما يكره  عنه    امتنع
ولا  ياكلُ لحومَ  الناسِ
وليسَ مِنْ طبعهِ الجَشع
ولم ينسَ أنهُ   مِنْ  طينٍ
مهما  في منزِلتِهِ   ارتفع
وإن  مرةً أزَلهُ  الشَّيطانُ
آبَ  إلى  ربِّهِ    ورَجع
بار    كريمٌ      وسَمِح
للرحمةِ  في قلبه   مُتسَع
وإن  مرَة  أصابه  ظُلماً
ما هانت نَفسَهُ أو خَضع
لهَمزاتِ الشَّيطانِ  يَؤُزُّهُ
للأخذ  بالثأرِ  كي   يقع
وإن   تُصِبَهُ     مُصيبةٌ
ما  هانَ ولِربِّهِ  ضَرع
وإنْ  جارَ عليهِ  الزَّمانُ
ومِنَ الحزنِ قلبه إنْصَدَع
فَرَّ إلى   ربٍّ     يُغيثَهُ 
وكَفَّيهِ   بالدعاءِ    رَفع
ويَصِلُ  رَحْمَهُ       إذا
حبلُ   المَودَةِ     إنقَطع
خُلقُهُ     خُلقِ   الاسلامِ
ومَنْ   تَخلَّقَ  بهِ  إنْتَفع

أستطيع القول، بأن شعر” معاذ العالم” وطني صادق وملتزم، ويجعل القارئ يعيش الحدث، ومتصورا لما يريد نقله من مشاعر وأحاسيس وإنفعالات وجدانية في شكل جميل يمرح بها الخيال ويستوعبها العقل، ومليئ بصور التحدي.
لقد وثَّق شاعرنا المبدع في دواوينه، لحظة تاريخية بكل تفاصيلها من معاناة شعبنا تحت الاحتلال في زمن الإبادة، ومعركة طوفان الأقصى، وشكلت أشعاره لوحات مرسومة بألوان ألم ووجع شعبنا الصابر والصامد رغم المجازر والدمار والمحارق.


يُعدّ هذا الجهد المشكور جزءا من الفكر والتراث الإنساني، وإضافة نوعية إلى المكتبات العربية والثقافية والجامعية، وهام للباحثين والمهتمين.

شاهد أيضاً

في الذكرى الـ57 لانطلاقتها.. الجبهة الديمقراطية تنظم احتفالاً حاشداً بعنوان إفشال مخططات التهجير يبدأ بخطة إعمار وطنية شاملة

في الذكرى الـ57 لانطلاقتها.. الجبهة الديمقراطية تنظم احتفالاً حاشداً بعنوان إفشال مخططات التهجير يبدأ بخطة إعمار وطنية شاملة

شفا – نظمت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين محافظة رفح احتفالاً حاشداً تحت شعار ” نحو …