3:22 مساءً / 19 فبراير، 2026
آخر الاخبار

العقد الاجتماعي التربوي: درع حماية المنهاج الفلسطيني من الاختراق ، بقلم : نسيم قبها

العقد الاجتماعي التربوي: درع حماية المنهاج الفلسطيني من الاختراق

العقد الاجتماعي التربوي: درع حماية المنهاج الفلسطيني من الاختراق ، بقلم : نسيم قبها

(رؤية في فلسفة الصمود التربوي ، رغم شوكة الهوية ومشارط الضغوط )

لم، ولن تكون التربية في فلسطين وزارة، ولا كتباً، ولا مناهج تدرس في مدارس، ثم تطوى دفتاها بنهاية العام الدراسي. بل هي الدم الذي يجري في عروق هذا الوطن، وهي النبض الذي يذكر هذا الشعب في كل لحظة أنه حيّ لم يمت، وأن قضيته ماضية لم تسقط، وأن هويته راسخة لم تتبخر. التربية في فلسطين هي الجدار الوحيد الذي لا يزال صامداً في وجه أعتى محاولات الطمس والتهويد والتشويه. لذلك، حين تأتي الضغوط الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية لتعديل المنهاج الفلسطيني، فإنها لا تضغط على وزارة التربية والتعليم فقط، بل تضغط على شرايين هذا الوطن كله، وتستهدف القلب النابض للقضية الفلسطينية، الذي ظل ينبض بالحياة رغم كل ما مر به من نكبات ونكسات وتهجير وقتل.

إن شوكة الهوية الفلسطينية حادة جداً، ومؤلمة جداً لمن يحاول الاقتراب منها أو العبث بها. وهي شوكة زرعتها فينا نكبة 1948، التي شردت شعبنا وسوّت قرانا بالأرض، ولكنها لم تستطع أن تشرد ذاكرتنا، ولا أن تسوي هويتنا بالأرض. بل جعلت منها شوكة لا تزال تنمو، وتتصلب، وتمتد، وتؤلم كل من يحاول كسرها أو حتى لمسها. وهذه الشوكة هي التي تحمي زهرة الوجود الفلسطيني من الانقراض، وهي التي تجعل من كل طفل فلسطيني يمسك بكتابه المدرسي مقاوماً، لا يقل شأناً عن ذلك الذي يمسك بصدره في مواجهة دبابة. هذه الشوكة ليست مجرد مشاعر أو عواطف، أو خطابات عاطفية تطلق في المناسبات، بل هي معرفة متجذرة في المناهج الدراسية. هي خريطة فلسطين التاريخية التي لا يمكن مسحها أو تعديلها أو استبدالها، هي أسماء القرى المهجرة التي لا تزال تدرس في كتب الجغرافيا، هي مفاتيح العودة التي تنتقل من جيل إلى جيل عبر كتب التاريخ، هي القدس التي تظل عاصمة أبدية للدولة الفلسطينية المنشودة في كل كتاب تربية وطنية.

أما مشارط الضغوط التي تلوح بها القوى العظمى والمحتل الإسرائيلي، فهي مشارط حادة جداً أيضاً، ولكنها ليست جديدة علينا. فهي ذاتها المشارط التي حاولت على مدى عقود تشريح الجسد الفلسطيني، وتفكيك وعيه، وإعادة صياغة ذاكرته وفق الرواية الصهيونية، التي تريد أن تجعل من أنفسنا غرباء عن أرضنا، عن تاريخنا، عن مقدساتنا، عن حقنا. هذه المشارط تتخذ اليوم أشكالاً متعددة: منها ما هو معلن باسم محاربة التحريض ونبذ العنف، ومنها ما هو خفي باسم تطوير التعليم ومواءمته للمعايير الدولية، ومنها ما هو ماكر باسم التمويل المشروط، ومنها ما هو صهيوني صريح باسم السلام الإبراهيمي والتطبيع الثقافي. ولكنها جميعاً تصب في بوتقة واحدة، هي بوتقة نزع السردية الفلسطينية من عقول أطفالنا قبل كتبنا، وتفريغ المصطلحات الوطنية من محتواها التاريخي، وتحويل النشء الفلسطيني من إنسان يعرف لماذا يقاوم، إلى مجرد طالب يبحث عن وظيفة لا عن وطن.

ولكن، هل يمكن لمشارط أن تنهي شوكة لن تموت، طالما أن هناك من يحميها ويسقيها ويرعاها؟ إن حماية هذه الشوكة لا يمكن أن تكون مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها، ولا يمكن أن تنجز بقرارات فوقية تصدر من المكاتب المكيفة. بل هي مشروع وطني بامتياز، يتطلب تحالفاً مجتمعياً عريضاً، يمتد من البيت إلى المدرسة، ومن المسجد والكنيسة إلى الجامعة، ومن مخيمات اللجوء إلى مدن الشتات، ومن مؤسسات المجتمع المدني إلى مكاتب الأحزاب السياسية. هذا التحالف هو الذي يمكنه أن يمسك العصا من الوسط بحق، وأن يوازن بين التطوير والتجديد من جهة، وبين الثبات على المبادئ من جهة أخرى، وأن يميز بين ما هو جوهري لا يمكن المساس به، وما هو عرضي يمكن تطويره دون خوف أو وجل.

الأحزاب السياسية الفلسطينية الغارقة في تخمة الحياد ، عليها اليوم أن تدرك أن المدرسة ليست ساحة للمناكفات الحزبية، ولا مكاناً لتصفية الحسابات السياسية. بل هي حضن دافئ يضم كل أطفال فلسطين على اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية. عليها أن تدرك أن المنهاج الوطني الجامع هو الذي يصنع المواطن الفلسطيني القادر على حمل القضية في كل الظروف. أما التجاذبات الحزبية، فمكانها الطبيعي هو المؤتمرات الحزبية والإعلام الحزبي، وليس الفصول الدراسية التي تنتظر منا جميعاً أن نتوحد على حمايتها، لا أن نتقاتل على تفاصيلها. المطلوب من الأحزاب اليوم أن تتحول من قوى ضغط سياسي تبحث عن مكاسب، إلى قوى ضغط وطني تحمي التعليم من أي اختراق أو مساومة.

أما مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، فهي القلب النابض للحياة الأهلية في فلسطين، وهي الجسر الذي يربط المدرسة بالمجتمع، وهي الذراع الطويلة التي تمتد بالمعرفة من الكتاب المدرسي إلى الممارسة الحياتية اليومية. هذه المؤسسات تقوم بدور لا يقدر بثمن في ترجمة قيم المنهاج الوطنية إلى سلوكيات عملية يعيشها الطالب خارج أسوار المدرسة، من خلال برامجها في حماية التراث الشفهي، ومن خلال مخيماتها الصيفية التي تعلم الأطفال أن حب الوطن ليس مجرد كلمة تقال، بل سلوك يمارس، ومن خلال حملاتها المتواصلة لمراقبة أي محاولات تغلغل للرواية الصهيونية في كتبنا أو مناهجنا. هذه المؤسسات تشكل عيناً ساهرة للمجتمع، لا تنام، ولا تغفل، ولا تساوم.

وفي قلب هذا الحراك المجتمعي كله، يقف الائتلاف التربوي الفلسطيني كحارس أمين للعقد الاجتماعي التربوي الذي ناضلنا جميعاً من أجله. هذا الائتلاف، الذي يضم في عضويته عشرات المؤسسات الأهلية و المهنية والبحثية ، والكفاءات المستقلة، يمثل نموذجاً رائداً للمشاركة المجتمعية الحقيقية في صنع القرار التربوي. الائتلاف لا يعمل كخصم للحكومة، ولا كأداة في يدها، بل يعمل كشريك ناقد، وكمرآة صادقة تعكس هموم المواطنين التربوية، وكقوة اقتراح حقيقية تساهم في تطوير المناهج دون تفريغها من محتواها الوطني. الائتلاف نجح، عبر سنوات طويلة من العمل المضني، في بناء جدار مجتمعي سميك حول التعليم الفلسطيني، وجعل قضية حماية المنهاج قضية رأي عام لا يمكن تجاوزها، أو التضحية بها على مذبح المساومات السياسية أو الإغراءات المالية.

وهكذا، فإن العقد الاجتماعي التربوي الذي بادر لإنجازه الإئتلاف وما زال ، ليس مجرد وثيقة نظرية توقع في المؤتمرات ثم تنسى، بل هو واقع حي يتجسد كل يوم في عمل هذه القوى الوطنية مجتمعة. الوزارة تخطط، والأحزاب تحمي، والمجتمع المدني يراقب، والائتلاف ينسق، والمواطن الفلسطيني في بيته، ومدرسته، ومسجده، ومخيمه، يحمل على عاتقه مسؤولية نقل هذه الأمانة إلى الجيل القادم سليمة معافاة، أقوى مما كانت عليه. هذا العقد هو الذي سيمكننا من مواجهة الضغوط الخارجية بثقة وثبات، وهو الذي يمكننا أيضا من تطوير مناهجنا لمواكبة العصر دون أن نخون قضيتنا، وهو الذي يمكننا من القول للعالم بأسف: نحن نتعلم منكم الرياضيات لأنها عالمية، ونستورد منكم التكنولوجيا لأنها إنسانية، ونستفيد من تجاربكم التربوية لأنها مفيدة، ولكننا لا نقبل أن تمسوا ذرة تراب واحدة من وطننا في كتبنا، ولا أن تفرغوا كلمة القدس من دلالتها الوطنية في مناهجنا، ولا أن تساووا بين المحتل والمقاوم في قصصنا.

المنهاج الفلسطيني، إذاً، هو مرآة الهوية، وهو سيرة شعب مكتوبة بعرق الشهداء، ودماء الجرحى، ودموع الأمهات. وهو جواز سفر الطفل الفلسطيني إلى وطنه الذي لا يملك له غيره. وهو الوثيقة الوحيدة التي لا تزال تثبت للعالم أن فلسطين كانت وستبقى عربية، مهما طال الاحتلال، ومهما تكاثرت المشارط، ومهما تعقدت الضغوط. وحده المنهاج الفلسطيني الوطني الجامع القادر على تخريج جيل يعرف كيف يمسك العصا من الوسط. جيل يتقن علوم العصر ويتفوق على أقرانه في كل مكان، وجيل في الوقت ذاته يحفظ عن ظهر قلب أسماء القرى التي هجر منها أجداده، ويعرف مفاتيح بيوتهم التي لا تزال معلقة في صدورنا حتى يومنا هذا. هذا الجيل هو الذي سيحرر فلسطين، وهذا الجيل هو الذي سيصنع النصر، مهما طال الليل، ومهما اشتدت الضغوط، ومهما تكاثرت المشارط.


المساومات السياسية أو الإغراءات المالية.

وهكذا، فإن العقد الاجتماعي التربوي الذي بادر لإنجازه الإئتلاف وما زال ، ليس مجرد وثيقة نظرية توقع في المؤتمرات ثم تنسى، بل هو واقع حي يتجسد كل يوم في عمل هذه القوى الوطنية مجتمعة. الوزارة تخطط، والأحزاب تحمي، والمجتمع المدني يراقب، والائتلاف ينسق، والمواطن الفلسطيني في بيته، ومدرسته، ومسجده، ومخيمه، يحمل على عاتقه مسؤولية نقل هذه الأمانة إلى الجيل القادم سليمة معافاة، أقوى مما كانت عليه. هذا العقد هو الذي سيمكننا من مواجهة الضغوط الخارجية بثقة وثبات، وهو الذي يمكننا أيضا من تطوير مناهجنا لمواكبة العصر دون أن نخون قضيتنا، وهو الذي يمكننا من القول للعالم بأسف: نحن نتعلم منكم الرياضيات لأنها عالمية، ونستورد منكم التكنولوجيا لأنها إنسانية، ونستفيد من تجاربكم التربوية لأنها مفيدة، ولكننا لا نقبل أن تمسوا ذرة تراب واحدة من وطننا في كتبنا، ولا أن تفرغوا كلمة القدس من دلالتها الوطنية في مناهجنا، ولا أن تساووا بين المحتل والمقاوم في قصصنا.

المنهاج الفلسطيني، إذاً، هو مرآة الهوية، وهو سيرة شعب مكتوبة بعرق الشهداء، ودماء الجرحى، ودموع الأمهات. وهو جواز سفر الطفل الفلسطيني إلى وطنه الذي لا يملك له غيره. وهو الوثيقة الوحيدة التي لا تزال تثبت للعالم أن فلسطين كانت وستبقى عربية، مهما طال الاحتلال، ومهما تكاثرت المشارط، ومهما تعقدت الضغوط. وحده المنهاج الفلسطيني الوطني الجامع القادر على تخريج جيل يعرف كيف يمسك العصا من الوسط. جيل يتقن علوم العصر ويتفوق على أقرانه في كل مكان، وجيل في الوقت ذاته يحفظ عن ظهر قلب أسماء القرى التي هجر منها أجداده، ويعرف مفاتيح بيوتهم التي لا تزال معلقة في صدورنا حتى يومنا هذا. هذا الجيل هو الذي سيحرر فلسطين، وهذا الجيل هو الذي سيصنع النصر، مهما طال الليل، ومهما اشتدت الضغوط، ومهما تكاثرت المشارط.

  • – نسيم قبها – الائتلاف التربوي الفلسطيني – الحملة العربية للتعليم

شاهد أيضاً

اسعار الذهب اليوم

اسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت اسعار الذهب اليوم الخميس 19 فبراير كالتالي :شراء 5016 بيع 5017