1:51 مساءً / 24 يناير، 2026
آخر الاخبار

إصدار أكاديمي نقدي من الجزائر للبروفيسور سعاد بسناسي يثري مجال الدراسات السردية والتأويلية: (الرؤية السردية وسؤال المعنى – مقاربة تأويلية )

شفا – يشكّل كتاب “الرؤية السردية وسؤال المعنى: مقاربة تأويلية” تأليف البروفيسور سعاد بسناسي جامعة وهران 1 عضو المجلس الأعلى للغة العربية، ومديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام، ورئيسة أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي بالجزائر إضافة نوعية إلى حقل الدراسات الأدبية والنقدية، إذ يسعى إلى استكشاف العلاقة المعقدة بين البنية السردية وإنتاج المعنى، من خلال منظور تأويلي يوازن بين العمق الفلسفي والدقة المنهجية. يهدف الكتاب إلى فتح آفاق جديدة أمام الباحثين والمهتمين بالسرديات، عبر طرح أسئلة جوهرية حول كيفية تشكّل المعنى داخل النصوص الأدبية، وكيف يمكن للتأويل أن يكشف عن طبقات خفية تتجاوز القراءة التقليدية. ويتميّز محتواه بثراء المقاربة النقدية وتنوع الأمثلة والتحليلات، مما يجعله مرجعًا مهمًا للدارسين والقراء الراغبين في التعمق في قضايا السرد والمعنى ضمن سياق أكاديمي رصين.

وترى البروفيسور سعاد بسناسي من خلال تقديم كتابها أن المدوّنات النّقديّة تستندُ على مرجعيّات ثقافيّة متنوّعة في فهم المصطلحات إلى جانب تحليل بنياتها اللّغويّة، وفهم مجمل السّياقات القائمة على معايير محدّدة بغيةَ استخلاص الدّلالات التّي أنتجت هذه المصطلحات، وذلك من أجل الإحاطة بالمعنى الذّي يتمُّ تحديده بتفاعل القارئ مع النّص وتواصله وتجاوبه معه إيجابًا: فهماً وقبولاً وتكييفًا وتأويلاً، ويستعينُ القارئُ في ذلك بمعرفةٍ شاملةٍ بالنّظريّات معرفةً عميقةً، ومن أمثلة ذلك مصطلحي “الرّؤية السّرديّة والتّبئير” في المجال السّرديّ لما يتضمّناه من إشارة إلى المعنى الدّال على وجهة النّظر أو زاوية الرّؤية، وما ينتج عنها من دلالة تقنيّة للمصطلح، تتحدّد تلك الدّلالة وتتلخّص في كونها تقنيّة ووسيلة من الوسائل المساعدة على بلوغ جملة من الغايات.


والحديثُ عن التّبئير (Focalisation) فيه إشارات متنوّعة إلى مجالات الرّؤية ومستوياتها وموقع الرّاوي الذّي يتّخذه لنفسه أو الدّور الذّي يحصره الكاتب بداخله، ولعلّ (جيرار جينيت) كان من أكثر النّقاد توضيحًا في حديثه عن (التّبئير) ومستوياته، وقد مثّلت الرّواية الجديدة منعطفا معرفيّا تحويليًّا في مساءلة شروط وجودها فيما له صلة بأبنيتها اللّغويّة، وتشكيلاتها الأدبيّة، وما تنتجه من معاني انطلاقًا من طرائق كتابتها بوصفها نقدا ذاتيًّا لموضوع الكتابة، ممّا يندرج في النّقد الغربيّ ضمن التّخييل الذّاتيّ (Autofiction) الذّي جاء به (Doubrovsky) ويقابله عند النّقاد الأمريكيّون التّخييل الشّارح (Métafiction) ووظّف (أمبرتو إيكو) مصطلح الميتاسرديّة (Meta narrativité) للتّعبير عن العمليّة التّفكيريّة التّي يقوم عليها النّص لذاته وحول مادّته من خلال مزج صوت المؤلِّف لأحداث عمله السّرديّ.


ومن المؤكّد أنّ موضوع “الرّؤية السّرديّة” مرتبط بسؤال المعنى، وإشكالات العمليّة التّأويليّة المفضيّة إلى تحوّلات الرّؤيا السّرديّة والتّبئير في المدوّنة النّقديّة، ثمّ موضوع الومضة وسؤال المعنى. من بعد فهم مكوّنات الرّؤية السّرديّة لاستخلاص الخصائص التّمييزية لكلّ معطى سرديّ، بما فيها الرّؤية السّرديّة الدّلاليّة، واللّسانيّة، والسّرديّة الذّاتيّة التّفاعليّة؛ حيث تركّز السّرديّة الدّلاليّة على معاني البنى السّرديّة من خلال تسلسل الأفعال، وتتابع الأحداث، وتعاقب أزمنتها، وقد أشار إلى ذلك (غريماس Algirdas Julien Greimas) و(فلاديمير بروب Propp Vladimir) كما يتمّ التّركيز على الشّخصيّات من منظور منطقيّ، وتصوّرات بعيدة عن السّرد.


وقد اهتمّت الرّؤية اللّسانيّة بتتبّع الأبعاد اللّغويّة للخطاب السّرديّ بغية استنباط مختلف الرّؤى السّرديّة، وأشار (جيرار جينيت (Gèrard Genette إلى موضوع الأساليب وطبيعة العلاقات التّي تربط بين الرّاوي، والمرويّ، والمرويّ له، في حين تتبنّى الرّؤية السّرديّة الذّاتيّة جملة المواقف التي تفسّر مختلف التّشكيلات داخل النّسق الثّقافيّ للسّارد. ممّا يعزّز إنتاج أنواع الرّؤى السّرديّة.


إنّ الحديثَ عن المعاني بالأقوال وقائليها مرتبطٌ بفهم المقصديّة بوصفها مطلبًا يتّصل بمدى فهم الملتقّي للنّص، ومنه وجبَ التّمييز بين ما يُقال ويُفهَم مباشرة، وما يُقال وتكونُ معانيه مخبَّأة وضمنيّة، وقد تتباين المعاني بحسب مستويات التّأويل النّصيّ خاصّة في تأويل الرّؤى غير المباشرة أين يجد القارئ نفسه أمام تأويلات للمعاني التّي تُستحضَرُ في شكل صور تأويليّة، وأشار إلى ذلك (بول غريس Paul Grice) حينما ميّز بين أشكال التّأويلات والمعاني الضّمنيّة التّي يتمّ فهمها من خلال التّراكيب السّرديّة المعتمدة على التّلاعب، وتباين الظّاهر مع المضمر.


وهذا ما يجعل المتلقّي يشارك في إتمام العلاقة بين التّراكيب النّسقيّة، وفهم معانيها وتفسيرها وفق مقتضى الحال. وهذا ما يوضحه منظور التّبئير في الرّواية الجديدة بفهم المعاني الضّمنيّة، وتحليل البنى السّرديّة واستخلاص دلالاتها بهدف تحديد مستويات المعنى المتعدّدة في ضوء الرّؤية التّأويليّة. ولعلّ هذه العمليّات تُعين على استنتاج قيمة المعنى في تمثيل الواقع انطلاقًا من التّشاكل السّيميائيّ والعناصر الفاعلة في إنتاج تلك المعاني نتيجة تأثيرات صوتيّة تتّضح من خلال السّياقات المختلفة، وما يتوجّبه الموضوع السّيميائيّ من شروط وعناصر لتحقُّق لعبة المعنى.


وللإشارة فإنّ نسيج التّبئير في النّص السّرديّ يقوم على بلاغة الرّؤية، والمتواليّات الإبلاغيّة وطرائق ترتيبها بما فيها الطّريقة الخطّيّة، والارتداديّة، والمنعرجة. وبؤرة الزّمن المتعدّدة التّي تركّز على البؤر الزّمنيّة المتعدّدة، والزّمن كشخصيّة ثقيلة، والزّمن كمرآة للمجتمع، ثمّ الزّمن كوسيلة للتّعمّق النّفسيّ؛ ممّا يستدعي فهم فاعليّة الحوار ومقصديّاته، واقتراء العلامة في قولة الصّمت، واستنباط ملامح القناع في السّرد ومدى الحاجة إلى القناع.


ونشير ختاما إلى أن جهود البروفيسور سعاد بسناسي ريادية في اللسانيات والنقد والتأويل، ولذلك تُعد واحدة من الأسماء البارزة في المشهد الأكاديمي العربي، حيث كرّست جهودًا كبيرة في مجال اللسانيات والصوتيات، مع اهتمام خاص باللغة العربية بوصفها وعاءً للهوية والمعرفة. وقد حظيت بتكريمات متعددة على المستويين الوطني والدولي، تقديرًا لعطائها العلمي وإسهاماتها النوعية.

وما يميز مسيرتها أنها لم تكتف بالبحث اللساني، بل ولجت مجال الدراسات النقدية والتأويلية والسردية، وهو انتقال نادر يعكس ثراء تجربتها وتفردها. فقد بدأت هذا المسار بكتابها “سيمياء الملفوظات السردية” الذي طُبع في القاهرة، ثم واصلت بكتاب “مضمرات ملفوظ السرد” الذي صدر في الأردن، وصولًا إلى مؤلفها الثالث “الرؤية السردية وسؤال المعنى: مقاربة تأويلية” الذي يمثل إضافة نوعية في النقد والتأويل.

إلى جانب ذلك، أبدعت في مجال الشعر عبر ديوانها “ظلال لا تشبهني” الذي نال اهتمامًا واسعًا من النقاد والباحثين، وحظي بمؤتمر دولي ودراسات متميزة ستصدر قريبًا في كتاب مستقل. وهي اليوم بصدد التحضير لمشاريع جديدة في اللسانيات والصوتيات والنقد الأدبي، بما يعكس استمرار عطائها العلمي والإبداعي، ويؤكد مكانتها كأحد الأصوات الأكاديمية والأدبية المتميزة في العالم العربي.

شاهد أيضاً

رئيس الصين شي جين بينغ يهنئ يوري موسيفيني بإعادة انتخابه رئيساً لأوغندا

رئيس الصين شي جين بينغ يهنئ يوري موسيفيني بإعادة انتخابه رئيساً لأوغندا

شفا – أرسل الرئيس الصيني شي جين بينغ يوم الجمعة رسالة تهنئة إلى يوري موسيفيني …