6:19 صباحًا / 24 يونيو، 2026
آخر الاخبار

طمون و مشهد المقاومة الذي لا يغيب، بقلم : أ. خضير بشارات

طمون و مشهد المقاومة الذي لا يغيب، بقلم : أ. خضير بشارات

وتستمر الحرب على الوطن بكل جغرافيته، فيزداد آب لهبا وشواظا، فتختلط الحمم الصيفية و نيران الاحتلال ، فيعلو السواد على فضاءات السماء الرحب، لا يميز العدو بين بلد أو قرية أو مخيم، فيجناح المدن و ينصب الحواجز و يرمي الموت من طائراته المقاتلة التي تملأ أجواء فلسطين من شمالها إلى الجنوب و من شرقها إلى غربها و تدخل الصواريخ إلى كل أحيائها و حاراتها فتضرب الشوارع و المراكز و المؤسسات و تطول كل من يقع تحت غضب ساسة العدو و حقده فيرتقي الشهداء سيلا من الملح الذي يطيِّب طعم الحياة و ينشر حلاوة النصر و الحرية، توغل في الخليل، شهداء في رام الله، اجتياح لمدينة جنين و كل ريفها ، توغل في مناطق الضفة الغربية ، لا يراعي العدو حرمات المناطق ذات السيادة الوطنية، و لا يتقاعسون من التقدم ليلا آو نهارا إلى أزقة الوطن في كل أرجائه و مدنه و قرأه.

في عتمات الليل نصحو على أصوات القنابل و شعاعات الدبابات، صوت الآليات يزعج الأسفلت و يرعب الأطفال و يحذر المقاتلين فيأخذوا مواقعهم البطولية ، وأحيانا كثيرة يباغت الاحتلال الليل و يدخل مع ظلمته مع خفافيشه المنتشرة بين الهواء و يعيث الفساد و يطلق رصاصه الغادر و يحطم المنازل و يرتكب المجازر بوحداته السرية التي سرعان ما ينتشر الجيش ليحمي فرقه المتمركزة فوق الأبنية و بين المنازل لقنص الشباب و كل من يصل إلى رصاصهم.


طمون جزء من حكاية هذا الوطن الجريح، فهي تأبى إلا أن تسجل أسماء أبنائها في سجل الخالدين، و إن تمشي في مواكب التاريخ المجيد ، كيف لا و هي أغنية سردية لجيل بعد جيل ؟ ، ينحت الشباب اسمها في أكف المناضلين الرافضين للاحتلال ، الشباب الذين يدركون حجم المعاناة التي تقع على هذه الجغرافية الوطنية ممن اغتصبوا الأرض و استوطنوا فيها بقوة السلاح و بكثرة القوانين الدولية التي تفسح المجال للتغول الصهيوني ،فهي تناضل و تقاتل جنبا إلى جنب مع أخواتها لدحر الاحتلال و نيل الحرية من بين أنيابه ، إذ أنها حبة من خرزات العقد التي تتعانق فبما بينها لنكون طوق النجاة من هذا العدو المجرم و الفاشي. و تشكل لبنة مهمة من لبنات الوطن في الدفاع و المواجهة و مقارعة الاستيطان و تغول الحكومات الصهيونية المتعاقبة.

ففي صباح الرابع عشر من آب اللهاب حيث النوم يفارق قسمات الوجوه منذ شهور و الكل يتابع عن كثب و يتفخص كل شبكات الأخبار المحلية و العربية و العالمية لمتابعة ما يجري في الجزء الآخر من الوطن إنها غزة ذات الجرح النازف دما و ألما و حرمانا فهي الوحيدة التي فقدت كل ما تملك دون أن ينظر إليها احد من رعاة القوم أصحاب السيادة و المعالي ،
مع نسمات الهواء الصباحي حيث تختلط روائحه مع صيحات و تكبيرات المساجد و يستعد أهل القرية لفتح يومهم بالصلاة و تناول آيات رزقهم المختلفة و إذ بالأخبار تأتي عبر محطات الأخبار المتنوعة و عبر صفحات التواصل الاجتماعي مسرعة كالنار التي تأكل الهشيم ، يقتحم جنود العصابات الصهيونية مدينة طوباس ، يدخلوها من كل المحاور من تياسير و عبر قرية عاطوف ، تزدرد الدبابات الطرق الترابية و المعبدة تتقدمها الجرافات ذات اللون السكني و النمر السوداء، عملية توغل للجو بالطائرات الحربية و الزناتة ترصد تراقب و تتابع كل الحركات على الأرض و مباشرة تعطي أوامرها للوحدات الخاصة و القناصة ، تفرغ الحارات من أهلها أمام الدبابات ، لم يمض الوقت طويلا ، و لم تأتي أشعل شمس الصباح حنى كانت طمون ساحة حرب كطوباس و مخيم الفارغة و كل الطرق الواصل بينها أصبحت تئن من ثقل الأغراب فهي ترفضهم و تستثقل أصواتهم فكيف ببطشهم و بآلاتهم التي تحمل شتى الغذابات و الآلام بين حديدها،

لم تفارق الأصابع الأجهزة ولا العيون تشطح بنظراتها بل بقيت تحدق و تتابع كل ما يجري عبر المنصات المختلفة ، يفتح الناس المواقع في اللحظة مرات و مرات لعل هناك ما يطمئن النفوس أو يكشف ما هو قادم ، تكثر الاتصالات بين الأهل و الجيران و الأصدقاء لمتابعة أدق التفاصيل ، كل ذلك الحرص من الأبرياء على سلامة القرية لا يمنع عصابات الاحتلال من شن هجومها و إطلاق الرصاص و تتبع الأطفال و النساء و الرجال، حرب حقيقية تدور في القرية ، صوت الرصاص يملأ ساحاتها ، الطيران الحربي ينتشر في سمائها و برها و يلوث هواءها و ماءها ، تصدح حجارة المنازل في وجه الغاصبين و ترفض أزقة القرية التماثيل أمام الواقع الذي يريدون فرضه على أصحابها ، كل مكوناتها تقف تقاتل ، الشجر و طاحونة القرية القديمة و قباب حاراتها العتيقة و عقلة شيوخها الكبار تقف تواجه آلة الحرب الحديثة، مع تقدم إنبلاج ضوء الصباح تقترب الأخبار من منصات التلجرام و صفحات الفيس ، إصابات منها الخطيرة و منها الطفيفة، و العدو لا زال يرمي حكمه ناره من المسيرات على كل المحافظة، تتمركز الآليات على مفرق طمون ، و تتسع رقعة المواجهة لتصل إلى شارع سيريس ، و الثغرة ، انفجارات متتالية تضرب الدبابات المقتحمة، و رصاص العدو و صواريخه تضرب الأبرياء و المقاومين ، شهيدا تزف مدينة طوباس يترجل مع صيحات الشمس الأولى، و آخر ينجو من ضربات العدو يختفي بين المنازل و يذوب حقد الاحتلال عبر الهواء الطلق بين الأزقة هذا ما اظهرته شاشات الكاميرات المختلفة ، يمنع العدو سيارات الإسعاف من الوصول إلى مكان الانفجار الذي أصاب مجموعة شباب داخل قرية طمون ، الدماء تعطر الأرض و تملأ الصور كل وسائل التواصل فيزيد الناس شوقا للمتابعة ، تتوالى الدبابات الاقتحام من كل المحاور من عاطوف من معسكرات العدو المتاخمة على أرض تياسير ، تعزيزات في الجيش و الطائرات، و يشتد القتال بين ثلة آمنت بعقيدة الدفاع عن الوطن و بين عصابات أقنعها الاستعمار بدولتهم الحديثة على الأرض التي سلبوها بقوة السلاح و عربدة العصابات الصهيونية،

يملأ الخبر صفحات الصباح استشهاد مجموعة من الشباب في إحدى حارات القرية و يتقدم العدو لينكل بهم و ينهال عليهم بالرصاص بعدما مزقت الصواريخ
أجساد هم ، لم تعرف هوياتهم بداية الأمر حتى دخل ساعة الضحى من يوم الأربعاء و بدأت تتناقل وسائل التواصل الاسم الأول شاب يافع لم تكتمل زهرة شبابه بعد، لازال الاحتلال يمنع وصول الإسعاف، و جنود الاحتلال تعرقل حياة الناس و أقيمت النقاط على مفارز المحافظة و تقطعت سبل الحياة، صورة أحد المصابين ملقى على الأرض ينزف دما و تنزف هي ألما و شوقا ، دب صوت الحزن داخل المساجد في كل المحافظة و صدحت بالنفير و المواجهة، يوم عصيب أصاب المحافظة، اربعة شهداء ارتقوا ، توالت اسماءهم فإذا بهم فتية مزقت عصابات الموت اجسادهم الطربة الطاهرة ، فلم تقس أحلامهم بعد ، حاولت العصابات أن تنهي طموحاتهم ، لكنها لا تدرك أنهم ترجلوا شهداء عبر مسيرة النصر و التحرير.

استمر العدوان لساعات الظهيرة ، تملأ روائح عسكرته هواء و أجواء المحافظة ، و أنسحب أخيرا يجر أذياله التي قطعتها الأيادي الحرة بضرباتها النبيلة، يحمل آلياته التي دمرتها شوارع المحافظة و أزقتها الوطنية ، تلقوا درسا صعبا من المواجهة ، و بات لديهم أن الأمر صار قريبا من حتمية اندحارهم عن الأرض المباركة ، و أن دخولها ليس بتلك السهولة التي يريدونها آو يعتقدونها.

خلفت العصابة داخل القرية الشهداء و الجرحى و الحزن و الألم إضافة إلى تدمير البنية التحتية في جغرافية المحافظة ، شوهت الطرقات ، و اندثرت بقايا ادواتهم العسكرية بين حارات القرية مما لوث طبيعة نقائها و غير لون صباحاتها الجميلة ، و أوقفت ساعة الزمن اليومي داخل المؤسسات المختلفة ، إنه العدو الذي لا يتواتى في القضاء على رتابة حياتنا و لكن أنى له ذلك أمام صمود الشعب الفلسطيني و تمسكه بحق تقرير المصير و نيل الاستقلال و الحرية من مخال هذا العدو الذي لا يملك أدنى مقومات الإنسانية.

ما أشبه اليوم بالأمس، يا طمون ، عصابات الغرباء تسير في الطرقات ، شباب يواجهون الموت ببراءتهم و حجارتهم الإيمانية ، يتصدون ، لا يهابون أرتال المدرعات ، لا يهربون، لا يعرفون الخوف أو الجبن. فتية أشداء يحملون شارة النصر بين أكفهم ، و يمشون إلى ساحة الوغى بشجاعة و بإيمان مطلق بحتمية إنهاء الاحتلال و طرده ، لم تقبل طمون أن تدوسها أقدام الغزاة و اقزام التاريخ فتهب للمقارعة و المواجهة في كل حين ، كلما تتقدم نحوها زمرة الصهيونية ، فالتاريخ حافل بقصص المواجهة و الدفاع عن الأرض و القضية و التي آخرها صباح اليوم حيث الشهداء و الجرحى و المعاناة و أنات الأسرى و صراخ النساء و دموع الأقارب و الأصدقاء و المنتمين لهذه القضية ، و ساد الحزن في النفوس ، و أغلقت الحياة أبوابها داحل القرية بل المحافظة كلها و الوطن بمحافظاته و مخيماته و ريفه و مدنه ،

لله درك يا طمون وأنت تودعين ثلة من الشهداء ،و ترسمين خريطة الحاضر بمداد ماضيك التليد ، و عيونك تغمرها الدموع ، و تزف شوارعك اليتيمة روائح الشهداء و تتصبر مآذنك على بعد الجثامين التي سرقتها عصابة الموت و القهر الصهيونية فهي لم تكتف برميهم بجام غضبها و إنما تريد أن تقتل الأمهات و الأباء عندما تمنعهم من تشيع أبنائهم إلى مثواهم الأخير بمواكب تليق بالشهادة و الشهداء .

شاهد أيضاً

مجلس الوزراء يوجّه بتنفيذ مزيد من الخطوات الإصلاحية لضبط الإنفاق وحوكمة وإدارة المال العام

مجلس الوزراء يوجّه بتنفيذ مزيد من الخطوات الإصلاحية لضبط الإنفاق وحوكمة وإدارة المال العام

شفا – جدّد مجلس الوزراء مطالبته المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية لممارسة مزيد من الضغط على …